ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: قصة قصيرة
لباقة بابيك آغا - هاكوب بارونيان

2007-08-24 11:53:42

 

من كتاب : ضريبة اللباقة، هاكوب بارونيان، ترجمة د. نورا أريسيان

 

لباقة بابيك آغا

 

 هناك شيء ما يقسرنا يختبئ تحت تسمية جميلة، يحكم علينا بالعبودية حتى في الخصوصيات التي تمنحنا إياها إرادتنا ولا تتعارض معها القوانين.

هذا الذي يقسرنا يتعارض حتى مع الطبيعة ولا يسمح لها أن تؤدي عملها على مخلوق الإنسان بشكل طليق ومريح. هذا الذي يقسرنا هو اللباقة. ومن يعارضه يسمى ظلماً غير لبق وقليل أدب.

فاللباقة أمر لا يطاق وخاصة لمن يتبع قوانين الطبيعة ويحبها ويحصل بذلك على السعادة. ولتفسير كيف يتعذب هؤلاء المساكين ويُظلَمون، وجدنا من المفيد تقديم بعض الأمثلة.

ترغب في حضور احتفالية يحتفى فيها باسم أحد أصدقائك. فبعد أن تتعشى تنطلق إلى منزل صديقك حيث تجد استقبالاً حاراً وبعد الجلوس ساعة من الزمن تقريباً تبدأ عيناك بالانسدال وتودُّ لو تتمدد على الأريكة، فتمنعك قواعد اللباقة. ولأنك تعشيت بشهية، تشعر بأنك بحاجة إلى أن ترخي أو تفك زنارك قليلاً، وهذا الشعور أمام المدعوين يخالف اللباقة. يتثاقل النعاس على أهدابك. ملعون النعاس الذي يداعبك بين الجمع، إنه غير لبق. عليك أن تطرده. الطبيعة تقول لك: نَم، واللباقة تصرخ: لا تنم.

جرب أن تنام قليلاً. فينتصب صاحب البيت على رأسك ويصرخ مخاطباً الخدم:

انظروا إلي، أحضروا قليلاً من الماء لـ " بابيك آغا ".

لا، لا، لا أريد ماء.

لماذا تغفو بابيك آغا؟

اعذرني، نعست وأنا جالس.

ألم نرق لك؟

أعوذ بالله.

في بيوت الآخرين تسهر حتى الصباح، أما في بيتنا تنعس على الفور.

أكلتُ كثيراً في هذه الليلة، لهذا السبب..

فتقول صاحبة البيت:

لا هذا ولا ذاك.. في بيتنا لا توجد تسلية، لهذا..

أرجوكِ، لا تتحدثي كذلك.

لو كنتَ في بيت غيرنا لكنت تسليت وسررت.

أمر صاحب البيت:

أحضروا سيكارة لبابيك آغا.

أمرت صاحبة البيت:

قشروا تفاحة لبابيك آغا.

شكراً.

أحضروا قهوة.

أحضروا شاي.

قمْ، تمشَّى قليلاً، بابيك آغا، كي يختفي النعاس.

صرخ أحدهم من الجانب:

تعال لنلعب الورق لكي لا تنام.

شكراً، استمتعوا أنتم بوقتكم.

هذا لا يصح، سوف ألعب معك دق ورق.

لا يستطيع بابيك آغا المقاومة، ويبدأ بلعب الورق. ولكن، وبعد ثلاثة أرباع اللعبة ها هو النعاس يداهمه من جديد.

لا تنم بابيك آغا.

لست نائماً.

أنت تنام، بابيك آغا.

لست نائماً.

إذا أردتَ، ارقص رقصة (البولكا) لكي يختفي نعاسك.

أنا لا أعرف البولكا.

تتعلمها.

اسمحوا لي، محبة بالله، أن أذهب إلى الغرفة المجاورة وأنام قليلاً.

مستحيل، وهل ينام المرء في الحفلة.

يرغمون بابيك آغا على الرقص، وهو يردد في نفسه تلك الكلمات التي يرغمنا الغضب على لفظها في ظروف مشابهة.

تنتهي الرقصة، ويختفي نعاس بابيك آغا.

وبعد ساعة أو ساعتين يقف المدعوون ويتـأهبون للانصراف.

ويعود بابيك آغا إلى منزله. يدخل السرير، لا يستطيع النوم، نعاسه مختفٍ بلا عودة. يخرج من السرير، يقرأ قليلاً لكي يأتي نعاسه لكنه لا يأتي. يأخذ كتاباً مملاً، فالنوم غير ممكن حتى لو قرأ كتاب "حياة اليوم".

وهكذا، يتقلب بابيك آغا في السرير حتى الصباح، وينام عندما يستيقظ الجميع ويذهبون إلى العمل.

وإليكم نتيجة اللباقة:

ما كان عليه أن يذهب، أفندينا، فليبق في بيته أفضل من أن يزعجنا.

وهل المرء حر أكثر في بيته؟

لنجرب.

تعود في المساء إلى بيتك، تخلع ملابسك، تلبس ثياب النوم تنكمش في زاوية غرفتك وتجلس. يمر بعض الوقت، وتُمَدُّ طاولة الطعام. تأخذ زوجتك ووالدك ووالدتك وأولادك وأخوتك وأخواتك وتنزل إلى غرفة الطعام في الأسفل للعشاء. تنتهي من الطعام وتشرب قهوتك وتتمدد على أريكتك.

تك .. تك..

واه.. ماذا.. ضيوف؟

تك.. تك..

من سيستمع إليهم، قولوا لهم إني لست هنا.

لا يصح، لقد رأوك من النافذة.

تك.. تك..

خذوهم إلى الغرفة في الطابق الأعلى وقولوا إن بابيك آغا مريض اليوم.

تك.. تك..

يفتح الباب.

اصعدوا إلى أعلى، اصعدوا إلى أعلى.

فيصعد الضيوف. ويتأكد بابيك آغا أن المصيبة قد مرت.

وما تكاد تمر نصف ساعة أو لا تمر، يُفتح باب بابيك آغا ويدخل أحد الضيوف إلى الداخل:

بابيك آغا..

..

بابيك آغا..

..

إنه نائم.

لكن بابيك آغا صاحٍ.

فلنوقظه.

يدفع وينعر بابيك آغا وهو يقول:

بابيك آغا، بابيك آغا.

ينفذ صبر بابيك آغا ويستيقظ.

هذا أنت مسيو بول؟

هذا أنا.. سلامتك.

شكراً.

زوجتك قالت إنك مريض.

نعم، أنا مريض جداً.

هل رأسك تؤلمك؟

نعم.

قلت لنفسي، لأذهب وأطلّ على بابيك آغا، كي لا تقول فيما بعد إنني أتيت إلى بيتك ولم أشأ زيارتك.

أشـكرك. فـعلاً لا أدري. آخ، لا أســتطيع رفــع رأســي. أرجوك.. اصعد إلى أعلى، لا تقلق بشأني، سوف يزول الألم إن نمت قليلاً.

لا يا أفندينا، لا، لن يزول بالنوم. ضع قليلاً من الخردل في أنفك. أحضروا الخردل.

لا أريد يا صديقي.

أنت لا تعرف، أحضروا الخردل.

يحضرون الخردل، ويدهنها مسيو بول.

أحضروا أيضاً قليلاً من الليمون.

اترك يا عيني.

أحضروا قليلاً من الليمون، لا تأخذوا بكلام المريض.

يحضرون الليمون ويربطونه على جبينه.

أحضروا قليلاً من الروم.

ماذا ستفعل بالروم.

أحضروا القليل، أسرعوا.

اتركني، يا عيني، يا قلبي، اتركني، أوف…

أسرعوا، أحضروا الروم.

يحضرون الروم. يفرك مسيو بول رأس بابيك آغا بالروم.

هل خف الألم قليلاً.

لا.

أحضروا العرق، أسرعوا..

لا أريد، مسيو بول، يا قلبي..

العرق.. سخِّنوه على النار.

سخناه.

بابيك آغا، اسحب البخار من أنفك.

سحبته.

هل خف الألم قليلاً.

لا.

سخنوا الماء، وضعوا قدميه فيه..

لا يا عيني.

سخنوا الماء، وضعوا رأسه فيه..

اختفى الألم، مسيو بول، اختفى.

وماذا سيفعل غير أن يختفي.. أنا يسموني مسيو بول..

انتظرني كي أضع ثيابي وأصعد معك إلى أعلى.

حسناً فعلتُ أنا وأتيت.

أشكرك.

لو لم أحضر، لكنتَ تألمتَ حتى الصباح.

نعم.

وكنت ستقول إن مسيو بول لم يزرني.

نعم.

أسرع، البس بسرعة.

ها أنا أفعل.

يضع بابيك آغا ثيابه ويصعد.

أو.. بابيك آغا، سلامتك.

سلامتك، بابيك آغا.

كيف حالك بابيك آغا.

شكراً.

أزعجناك هذا المساء.

بالعكس، اختفى وجع رأسي.

تكلم إذاً بابيك آغا.

وبدأ بابيك آغا يتحدث رغماً عنه.

وظل الضيوف جالسين بقدر ما يستطيعون إبعاد النعاس عن بابيك آغا ثم غادروا.

فارق بابيك آغا نعاسه وبقي ساهراً حتى الصباح وهو يلعن ضيوفه.

ماذا عساه أن يفعل هذا الانسان؟!

كيف سيتصرف ضحية اللباقة هذا في حياته؟!

لنتابع.

بابيك آغا لديه عمل ضروري يجب أن يقوم به، فيضطر أن يركض إلى عمله من جهة وأن يأكل الخبز والجبن على الطريق من جهة أخرى.

اللباقة تحرّم الجوع على الطريق. يرغب هو الدخول إلى محل صديق له ليأكل الخبز والجبن هناك.

تصرخ اللباقة دائماً أن محل الصديق ليس مطعماً.

كان بابيك آغا قد وعد للقاء أحدهم.

تقول اللباقة:

فليذهب إلى مكان موعده جائعاً.

ويرضخ بابيك آغا.

وفي ذلك اليوم، يمضي نهاره جائعاً ويعـود إلى البيت واهناً بعض الشيء.

وأمام هذه التوبة بماذا ستكافئ الإنسانية بابيك آغا الذي قضى يومه صائماً كي لا يرتكب خطيئة ضد اللباقـة؟ لا شيء.

ومَن علم بتضحيـة بابيك آغا ؟ لا أحد. ولكن، لا قدر الله، لو مشى في الطريق وهو يأكل، لكانت سُمعت الكثير من الأقاويل....

هل علمتم ما فعله بابيك آغا؟

يا أخي، وهل يليق هذا بالتاجر؟

لقد خسر مكانته.. يا حرام.. كانت سمعته تعادل 20000 ليرة ذهب.

لو صبر قليلاً.. وهل كان سينفجر..؟!

 

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1959

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web