ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: أفلام ومسلسلات
سيرغي بارادجانوف

2007-09-01 01:27:47

هكذا تكلم بارادجانوفتوليف متواصل تعبيراً عن روح الشعب المشاكس

 

من سلسلة "هامشيون غيّروا مفاهيم الفن السابع ورحلوا معزولين" (6)

 

بقلم إبراهيم العريس    

 

كل فنان، إذا كان حقيقياً، يمكن أن يقال إنه لا يشبه أي فنان آخر... فشرط كينونة الفنان أن يكون مختلفاً. ولكن هناك فنانين، يختلفون فعلياً وكلياً حتى عن الصورة المعهودة لتصور الفن الذي يمارسونه، وهؤلاء هم الذين عادة ما يؤسسون من جديد، معيدين في كل مرة اختراع فن من الفنون، أو أكثر من فن في آن معاً. من هؤلاء المخرج الأرمني – خلال العصر السوفياتي – سيرغي بارادجانوف، هذا الفنان الذي كان كلاً واحداً في فنه وحياته، فلم يستخدم فنه وحده للمشاكسة انطلاقاً من الهامش، بل كان وجوده كله مشاكسة، على السلطات وعلى التاريخ وعلى فن السينما نفسه، هذا الفن الذي كان ميدانه الشاسع، ولكن ليس الوحيد.

 

إذاً، بعد روشا وبرغمان وكاسافتس وغوناي وساتياجيت راي، ها هو سيرغي بارادجانوف يحتل هنا مكانته بين كبار الهامشيين في فن السينما. ولربما كان يمكن له أن يكون في مقدمهم لأنه – كما نقول – كان هامشياً على أكثر من صعيد. أما أفلامه فكانت بدورها هامشية في مواضيعها (المستقاة غالباً من الحكي الشعبي لما لا يقل عن ثلاث أمم، الأرمنية والجورجية والأوكرانية)، كما في لغتها السينمائية (حيث غالباً ما كانت هذه اللغة لغة توليف، ليس بالمعنى السينمائي، بل بالمعنى التشكيلي للكلمة، كما سنرى في السياق)، وأخيراً في حضورها أمام الجمهور (إذ ان السلطات السوفياتية غالباً ما منعتها من العرض أو من التصدير)، كما في عجزها عن أن تقنع السلطات السينمائية في الاتحاد السوفياتي الذي كان مترامي الأطراف بتمويلها. ومن هنا ما نلاحظه من أن عدد السيناريوهات المكتملة التي لم يحققها بارادجانوف خلال مسيرته السينمائية، فاقت في عددها – ومن بعيد – الأفلام التي حققها.

 

«هاكم حكاية حياتي كلها... انظروا. حين كنت صغيراً لعبت دور فلاديمير ايليتش لينين في فيلم سينمائي... هنا أمثل دور غروشنسكي... هذه لوحة من الغيوم. هذا هو كاثوليكوس أرمينيا. هذه الصورة تمثلني وأنا في العشرين. ذلك الحين كنت قد أصبحت تلميذاً في معهد السينما. في الوسط صورة لي ختمت دليلاً على دخولي المعتقل». بصوته الأبح الشبيه بصوت شارل آزنافور، ونظراته الماكرة، كان يحلو لسيرغي بارادجانوف أن يشرح بنفسه لزواره وأصدقائه سيرة حياته هذه وقد عبر عنها في مئات الصور التي اعتاد أن يلصقها الى جانب بعضها البعض. وأشهرها هذه التي نشير اليها هنا. هذا النوع من الكولاج كان يحققه بارادجانوف منذ صغره... أي منذ كان لا يزال يسمى سركيس باراجانيان. وهذا الكولاج يمكننا ان نرى اليوم انه كان يعلن باكراً عن ولادة سينمائي. فالسينما فن التوليف بامتياز. غير ان التوليف لم يقتصر، في حياة بارادجانوف على السينما... بل على حياته نفسها. كيف لا نقول هذا يا ترى عن أرمني ولد في جورجيا ودرس السينما في موسكو، وحقق معظم أفلامه في أوكرانيا، انطلاقاً من مواضيع أرمنية – جورجية – أوكرانية. ثم كيف لا نقول هذا عن فنان أمضى سنوات عدة في السجن، رسمياً بتهمة الشذوذ الجنسي وتهريب القطع الفنية، ولكن عملياً بالتحديد لأن أفلامه كانت تشذ عن القواعد المعمول بها في ذلك البلد الذي كان، مع ذلك، حلماً بالنسبة اليه؟

 

 

مشاكسة وهوامش

 

لا يمكن اعتبار مرور سيرغي بارادجانوف في مسار الفن السينمائي مروراً عادياً. فبالنسبة اليه هذا الفن لا يمكن إلا أن يكون تعبيراً عن الروح الداخلية. عن دور الفنان في الحياة وفي حياة الناس. عن روح الشعب الحقيقي. في اختصار، لا يمكن للفن إلا أن يشاكس. وان تشاكس، معناه أنك تنتمي الى الهامش. مهما يكن، لم يأت انتماء بارادجانوف الى الهامش اختياراً. فحين تكون ابن أقلية في وطن هامشي. وتكون فناناً في بيئة كان قد خيّل اليها ان الفن صار جزءاً من تاريخها أمام واقع بائس تعيشه، لا يعود في إمكانك إلا أن تكون على الهامش. وإلا أن تحاول بالتالي، طوال حياتك، ان تخترع لنفسك متناً خاصاً بك، تكون أنت في مركزه صانعاً من حولك هوامش كثيرة. هذا المتن كان هو لوحات بارادجانوف. كما كان هو أفلامه، قصيرة أم طويلة، خصوصاً مشاريعه الكثيرة التي لم يحققها، والتي زاد عددها حين رحل عن عالمنا عام 1990، عن 23 مشروعاً، ما يزيد كثيراً عن عدد الأفلام التي حققها بالفعل. فإذا أضفنا الى هذا أن جزءاً لا بأس به من الأفلام التي حققها لم يعرض في بلاده (أرمينيا – جورجيا – أوكرانيا... الاتحاد السوفياتي عموماً) خلال حياته، تكون الدائرة قد اكتملت.

 

ومع هذا لم يكن ثمة في بدايات بارادجانوف ما يشير الى ان سينماه ستكون مشاكسة. بل لعل في الإمكان القول انه حظي، في بداياته وحتى أواسط سنوات الستين من القرن العشرين على الأقل، بما يشبه الرعاية والتشجيع الرسميين... فهي مرحلة كان يحقق فيها، على أي حال، أفلاماً قصيرة يبدو معظمها سائراً في الدروب الممهدة، ممتثلاً لما يمكن الرسميين أن يغضوا الطرف عنه. لكن ارهاصات «الانفجار» بدأت تظهر عام 1964 – 1965، وتحديداً بالتزامن مع خروج بارادجانوف من قوقعة السينما الممتثلة، الى رحابة الفن الكبير. وبالتزامن أيضاً مع عرض أول فيلم روائي طويل له في أنحاء العالم. الفيلم الذي انفجر كالقنبلة وسط عادية السينما السوفياتية في ذلك الحين: «أشباح الجدود المنسيين» (الذي عرف أيضاً بـ «خيول النار»). غير ان الانفجار الأول كان جمالياً... السياسة والرد على المشاكسة سيأتيان لاحقاً. ففي المقام الأول أتى «أشباح الجدود المنسيين» فيلماً عابقاً بالجمال على بساطة موضوعه الذي بدا أقرب الى أن يكون نقلاً الى بلاد الجبال الكارباتية لحكاية روميو وجولييت أو حكاية قيس وليلى. نعرف أن مثل هذه الحكاية يكثر في تاريخ السينما. غير أن بارادجانوف تمكن من تحويل الموضوع الى حكاية أسطورية لاعباً على تقسيم الفيلم أقساماً بعدد شهور السنة، وعلى دور الغناء الشعبي والكورس، مشتغلاً على تقديم صورة مدهشة، بل مباغتة لروعة الطبيعة وانسجام الإنسان معها في تلك المنطقة من العالم.

 

عرض هذا الفيلم، من دون أن يثير أية اشكالات حقيقية في مناطق عدة من العالم، وكان يمكن له أن يمر دائماً مرور الكرام، لولا ان بارادجانوف نفسه، ابان عرض الفيلم في فرنسا (ربيع سنة 1966)، نشر في صحيفة لويس اراغون الشيوعية تحديداً «الآداب الفرنسية» نصاً يبدو انه تعمد فيه أن يكون مشاكساً، وينضح بحس قومي – شعبي، من النمط الذي لم يكن مستساغاً عند بدايات عصر الدوغماتية آنذاك في الاتحاد السوفياتي.

 

 

سلطات حذرة

 

كان رد الفعل، على أي حال، مجرد حذر أبدته السلطات الرسمية في موسكو وغيرها من عواصم الاتحاد المعنية، تجاه فنان يحب أن يجاهر بمشاكسته وهامشيته في وطن الفردوس الاشتراكي الجامع المانع الماحي للهويات... وهذا الحذر تحرك أكثر بعد شهور حين حقق بارادجانوف فيلماً قصيراً عن الرسام الأرمني هاغوب هوفناتانيان... ثم حقق في العام التالي فيلماً آخر «ذا نزعة قومية» هو عن مدينة كييف عاصمة أوكرانيا هذه المرة (وطنه الثالث)، وعنوانه «جداريات كييف».

 

حتى هنا كانت اللعبة قد أصبحت لعبة قط وفأر خفيفة بين بارادجانوف والسلطات. ويبدو أنه هو، أمام بدء انتشار سمعته واسمه في العالم كله، وتنبه هذا العالم الى كمّ المشاكسة – ولم يكن حديث الانشقاق قد بدأ يصبح جدياً بعد – أراد أن يزيد الجرعة. فحقق حلماً قديماً لديه، وربما لدى كل فنان أرمني حقيقي اكتشف قدرة السينما على أن تقول روح الشعب المتمثلة في مبدعيه وأبطاله: حقق فيلماً عن «سايات نوفا» الشاعر الراهب الأرمني الذي عاش في القرن الثامن عشر، والذي كان في الأصل يحمل اسم هاروتيون (تعني الانبعاث في الأرمنية)، والذي - مثل بارادجانوف – ولد في تبليسي عاصمة جورجيا وعاش للشعر والحكمة ناصحاً ملك جورجيا، حتى حل الغضب عليه، وانزوى داخل دير، وقتل لاحقاً بسيوف الجنود الترك الفرسان الذين أرسلهم شاه ايران لنهب المدينة وتدميرها. بالنسبة الى الأرمن والى الجورجيين على السواء، تعتبر شخصية «سايات نوفا» شخصية قومية تاريخية لشاعر ومقاتل وراهب قاتل الظلم وافتدى بلاده. وبارادجانوف حين حقق هذا الفيلم، مقسماً اياه، كما حال «أشباح الجدود المنسيين» فصولاً، كان يعرف سلفاً ان نقمة السلطات ستحل عليه. وبالفعل، منذ أنجز هذا الفيلم عام 1969، تدهورت علاقة المخرج مع الدولة السوفياتية تماماً، حتى وان كان تغيير في عنوانه من «سايات نوفا» الى «لون الرمان» قد سمح بعرضه على نطاق ضيق أو وصوله، مهرباً غالباً الى الخارج... وأحياناً في نسخة مولفة في شكل سيئ حققها المخرج يوتكفيتش من دون رضا بارادجانوف التام.

 

 

اراغون بريجنيف والسجن

 

طوال السنوات الأربع التالية لم يتمكن بارادجانوف من تحقيق أي فيلم جديد له، مع انه قدم ما لا يقل عن خمسة سيناريوات. والحال أن السلطات السوفياتية، أمام الضجيج الذي راح يصاحب الحديث عن بارادجانوف في الخارج، أمعنت في عنادها ضده، وهكذا، في العام 1973، لم يعد يكفيها منعه من تحقيق أفلام جديدة، بل «لفقت» له تهماً متنوعة مكنتها من اعتقاله ووضعه في سجن في أوكرانيا وحكم عليه خمس سنوات سجناً. وازاء هذا الاعتقال الذي بدا لكثر تعسفياً انتفض مثقفون كثر في العالم، بينهم الشاعر الفرنسي لوي اراغون، الذي كان – بالطبع - مسموع الكلمة في البلدان الشيوعية، والذي تدخل شخصياً لدى الزعيم السوفياتي بريجنيف... فأطلق سراح بارادجانوف في اليوم الأخير من عام 1977، ليعود الى بيته في تبليسي، ولكن من دون أمل بأن يتمكن من تحقيق أي فيلم جديد... فالسلطات السينمائية السوفياتية قاطعته تماماً. لكنه في الوقت نفسه، واصل ممارسة هوايته في الرسم وتوليف الصور... بل صار بيته محجّة لفنانين وأصدقاء كثر راحوا يزورونه آتين من شتى أنحاء العالم متضامنين معه. أما هو فإنه، إذ عجز عن مشاكسة السلطات بأفلام ما عاد قادراً على تحقيقها، لم يوفر هذه السلطات لفظياً، وفي أساليبه في الرسم.

 

وهكذا، في الوقت الذي بدا فيه عام 1982، على وشك أن يعثر على طريقة يحقق بها فيلماً جديداً له، اعتقل من جديد بتهمة اللواط، وأودع السجن مدة سنة تقريباً. وخلال تلك السنة كتب بارادجانوف سيناريو «حكاية قلعة سورام»، الفيلم الذي بعد فترة يسيرة من خروجه السجن، حققه – وكان غائباً عن تحقيق أي فيلم منذ ما لا يقل عن عقد ونصف العقد من السنين – والحقيقة أن هذا الفيلم أتى تحفة غير متوقعة، تنتسب تماماً الى تحفتي الفنان السابقتين «أشباح...» و «سايات نوفا». واذ عرض هذا الفيلم في العالم أجمع مؤكداً قدرة بارادجانوف الدائمة على التجديد انطلاقاً من الأساطير الشعبية التي جعلها غذاءه اليومي (الأسطورة هنا جورجية عن حصار وقتال وافتداء، وقرابين تدفن في أسوار قلعة بغية تحقيق النصر على العدو الغازي)، ومفاجأة عالم الفن انطلاقاً من لغة سينمائية مدهشة، يشكل اللون والتمازج بين الإنسان والطبيعة عمادها. حقق «حكاية قلعة سورام» نجاحاً كبيراً... وتبعه معرض في تبليسي لأعمال بارادجانوف الفنية التي كان حققها خلال سنوات سجنه الطويلة. ومن هنا لم يعد صعباً عليه أن يتابع مسيرته، خصوصاً وأن برسترويكا غورباتشيف، كانت قد هيمنت رامية الجمود البريجنيفي في مزبلة التاريخ.

 

 

سيرة ذاتية لم تكتمل

 

وهنا حل القدر في مشاكسة بارادجانوف، محل السلطات الستالينية الآفلة، اذ لم يعش فنان أرمينيا الجورجي - الأوكراني المشاكس، سوى سنوات قليلة بعد ذلك، مكنته، على أي حال من أن يحقق فيلماً رائع الجمال عن الرسام الجورجي يبروزماني (تسجيلي في 20 دقيقة)، ولكن مكنته بخاصة من تحقيق فيلم روائي طويل أخير، سيبقى في نظر كثر أروع أعماله وأجملها (اذا استثنينا ما كان متوقعاً لآخر سيناريو كتبه وكان يزمع تحقيقه حين مات، أي «الاعتراف» الذي كان سيسفر عن فيلم عن سيرته الذاتية) والفيلم الذي نعنيه، بهذا، هو «آشيك كريب» (العاشق الغريب)، وهو حكاية أخرى عن شاعر عاشق، من نوع الحكايات التي لم تبرح خيال بارادجانوف وفنه طوال حياته.

 

في موضوعه لا يبدو هذا الفيلم شديد الاختلاف لا عن «أشباح الجدود المنسيين» ولا عن عدد من أفلام قصيرة أخرى، لكنه فاق في جمالياته، هذه المرة، أي عمل مشابه آخر... وتفوق كذلك في لغته التوليفية، ليبدو أشبه بلوحة من لوحات الفنان المعتادة، وذلك أن بارادجانوف الذي قسم هذا الفيلم، المأخوذ عن قصة للكاتب ليرمنتوف، الى عشرين مشهداً، جعله يبدو مثل قصيدة ومثل كولاج في الوقت نفسه، جاعلاً لكل مشهد عنواناً مثل «يحب... لا يحب»، «طقوس الخطبة»، «ألم الشاعر»، «يرحل ليكسب مالاً»... الخ.

 

حقق بارادجانوف هذا الفيلم عام 1988، معلناً أن فيلمه التالي سيكون «الاعتراف»، لكنه ما لبث أن رحل عن عالمنا عام 1990، وهو على وشك البدء في التحضير لتصوير ذلك العمل الذي كان سيحكي من خلاله حكايته: حكاية «شاعر» قسمت حياته مشاهد مشاهد، وعاش لفنه وللحب، وآمن دائماً أن روح الشعب وأصالته، هما المتن الحقيقي لعالم يحاول دائماً أن يهمشهما، تحت وقع الأدلجة والمحو المتواصل للفرد، لحساب جماهير تمضي كالخراف.

 


 هكذا تكلم بارادجانوف

 

- هناك لحظات في الحياة، يصار فيها الى إعادة النظر في كل الأفكار والعلاقات والقواعد المعتادة، وإن في شكل طوعي. وهي عادة تكون لحظات من التوتر الشديد والتنبه الكبير لمجريات العيش. والأمر كما لو أنك ترمي بنفسك من شاهق... ثم يحدث أن كل فكرة، وكل صورة تتسلل الى داخلك، تسحب معها ووراءها عشرات بل مئات من الأفكار والصور الأخرى، متشابهة معها كانت أو مختلفة عنها. تماماً كما لو أن ثمة سيلاً يتمسك بك، وتشعر بأن لا مجال للصمود في وجهه إلا إن كانت لك عضلات قوية. وما هذه اللحظات سوى لحظات الاستلام التام أمام ذاتك، لحظات الامتلاء التام بالحياة الحبلى بالشغف.

 

- انني أريد للأطفال أن يزوروا المعارض، لأن الوقت قد حان للبحث عن الجميل، وللعثور عليه ولتحقيقه... إن الجميل يحيط بنا، هو جبالنا وسماؤنا... وعبره يمكننا، بل يتوجب علينا، أن نكون قادرين على التعبير عن عواطفنا، قادرين على أن نرى، أن نحب، وأن نعبد.

 

- أنا متصوف وأؤمن بالغيب. إن لم أر مشهداً في الحلم، لا أصوره. في هذه الأيام بالذات أكتب سيناريو لفيلم عن فروبل وهو رسام روسي كبير أمضى نهاية حياته في مستشفى للأمراض العقلية. أدركت خلال الكتابة أنه لا يزال ينقصني فصل بين الجزء الثالث والجزء الرابع من السيناريو. لدي منتصف الفيلم ولدي نهايته، ولكن تنقصني حلقة بينهما. والآن إن لم أر تلك الحلقة في الحلم – وأقسم لكم انني لا أكذب في هذا، وهذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها عن هذا الأمر – إن لم أكتشف في الحلم خبايا، يشكل جمالياً مقاربة ممكنة بين الجزءين اللذين أتحدث عنهما، سأتوقف عن كتابة السيناريو.

 

- من ناحية ثانية أشعر دائماً بأنني مثل الحاسوب... أطلب من نفسي موضوعاً معيناً وعليّ أن ألبي الطلب. فمثلاً، يكون علي اليوم أن أرى مشهداً. أوصي نفسي على هذا المشهد وأنام. في اليوم التالي أجدني قادراً على كتابته. وفي أحيان كثيرة يحدث لي ألا أكون قادراً على التفكير، فأنزع نحو قيلولة في الحديقة. ربما لا أغفو حقاً... لكن المفعول هو نفسه إذ بعد حين أفتح عيني ويكون كل ما أريد كتابته واضحاً أمامي.

 

- السيناريوات التي كتبتها خلال فترة سجني، أهديت بعضها الى يوري اليينكو، وهو مخرج يتسم بنبل كبير. وهو، إذ تفحص ما سجلته، تمكن في النهاية من كتابة نص شامل يتألف من سبعة سيناريوات، جمعها في سيناريو ضخم أعطاني نصه لاحقاً كي أوقعه. عنوان المجموعة هو «القمل يغادر الجسد». وهذا إشارة الى ما يحدث في السجن حيث يقرر ان السجين قد مات سريرياً، حين يغادر القمل جسده إذ يكون قد برد. من السجن حملت معي 800 رسم ومئة نص. لقد تخرجت بهذا، من السجن، كما يتخرج الناس في جامعة أوكسفورد.

 

- خلال محادثة أجريت بيني وبين أندريه تاركوفسكي قلت له: «إنك واحد من كبار أصدقائي، لكني سأقول لك إن ثمة شيئاً يفتقر اليه فنك... هذا الشيء هو عدم إمضائك سنة على الأقل في سجن سوفياتي. فهناك وسط العتمة الشاملة، حين تكون جائعاً والقمل يعبث في جسدك، يمكنك أن تجلس لتفكر في الكون في شكل مختلف... تفكر بالشمس والحياة ويصبح لها قيمة جديدة لديك تماماً. لقد كان موت تاركوفسكي خسارة كبيرة للسينما السوفياتية. أن يضطر الفنان الى ترك بلده كي يعمل، إنما هو مأساة كبرى بل فاجعة. آه كم أحب أن أذهب لأركع أمام قبره... ذلك القبر الذي تركنا فيه، نحن معشر السينمائيين السوفيات، حين دفنّاه، قطعة من أفئدتنا».

 

- أنا مخرج ارتجالي وفنان فوضوي. وإنني أرى أن على المخرجين أن يبتدعوا لغة سينمائية، أرى أن السينما السوفياتية باتت تفقدها أكثر وأكثر... على رغم القوة المدهشة التي عرفت هذه السينما كيف تمثلها بين الحين والآخر. ان كثراً يسألونني لماذا لا يتكلم الناس كثيراً في أفلامي؟... وهو أمر صحيح، حيث غالباً ما يخامرك الانطباع في هذه الأفلام بأن الناص صمٌّ بكمٌ. في الرسم أيضاً، كما تعرف، تنظر الشخصيات الى بعضها بعضاً من دون أن تتكلم. في اللوحات الدينية لا تتكلم العذراء مع السيد المسيح. ولا الملائكة تتكلم. اللوحات خرساء وكذلك أفلامي. السينما لغة... لكنها ليست فقط لغة. للسينما جمالياتها التشكيلية، لكن لها ايضاً حسنها وحنانها ولا سيما قدرتها على الشغف. وأنا في هذا تلميذ دوفجنكو، وخصوصاً تلميذ إيغور سافتشنكو، أستاذيّ في مدرسة موسكو. وأنا أتذكر اليوم أن دوفجنكو، ومنذ الدرس الأول الذي ألقاه علينا، قال لنا إن الفن يجب أن يكون «فناً متحزباً»... أما أنا، وبصفتي تلميذاً أؤمن بدوفجنكو، اكتفيت بأن أبدل كلمة «تحزب» بكلمة مبادئ.

 

- من سوء حظي انني اليوم أقترب من سنتي السبعين ولم أنجز حتى الآن جزءاً من مئة مما كنت أريد إنجازه. مهما يكن فإنني في اليوم الذي منعت فيه من أن أكون سينمائياً، حولت نفسي الى رسام. واليوم، هناك صف من الناس يبلغ امتداده أكثر من كيلومتر، ينتظر دائماً لمشاهدة أعمالي المعروضة في يريفان، عاصمة وطني... وهي تلك الأعمال البالغ عددها 800 قطعة والتي أنجزتها وأنا في السجن.

 

- أعتقد بأننا نعيش اليوم، من الناحية السينمائية، مرحلة يمكن فيها للألوان أن تستقبل وكأنها أسود وأبيض. وأنا شخصياً أنظم الألوان في أفلامي في شكل يجعلها قادرة على أن يُنظر إليها كأنها أسود وأبيض... كما انني في المقابل أعتقد بأن في الإمكان تنظيم درجات الأسود والأبيض بحيث يتم تلقيها وكأنها ألوان. ولنفكر مثلاً بمحفورات جميلة من توقيع بيكاسو أو دورر أو بيترو ديلا فرانشيسكا، وخصوصاً بيرانيزي... نرى حين ننظر إليها أفلا نرى ألواناً... في محفورات بيرانيزي هلا نرى أطلال روما ملونة مع أنها بالأسود والأبيض؟ في الحقيقة نحن لا نستخدم الألوان على اعتبارها تلويناً مختلفاً عن بعضه البعض، يخاطب البصر، بل على اعتبارها مشاعر وأحاسيس. بل حتى شغفاً مرضياً. لا أقول مرضاً، بل شغفاً مرضياً... وفي الحقيقة أرى أن هذا الشغف هو ما ينقص أفلامنا... لا سيما الأفلام السوفياتية...

 

- إنني غالباً ما أحس بأن أرواح جدودي تزورني كي تزعجني وتؤنبني. إنها تصل إليّ محملة بأفكارها وتفاعلها مع مهنها القديمة وتبدأ في تقريعي. بل هي تطلب مني أموراً كان من الأجدى بها أن تطلبها من الحكومة... وهذا هو في الحقيقة الموضوع الذي تمحور من حوله فيلمي الأول «الاعتراف» (الذي لم يكتمل أبداً... كان أول أفلامه فمنع... وظل بارادجانوف يحاول تصويره من جديد حتى مات وانتهت حكاية هذا الفيلم القائم، أساساً، على سيرته الذاتية)... وهو فيلم بسيط بالأسود والأبيض يتألف من 12 حكاية تروي كيف انني قمت بواجبي نحو الموتى... وكيف اعترف أمام الراحلين وأمام نفسي. والحقيقة أن ثمة، خلف هذا كله، محاسبتي لطفولتي...

 

- إن كنت شاعراً ستكون أغنيتك درعك الواقية. إن رأيت العميان ربت بحنان على أكتافهم. الحنان هو السمة الأساس التي تطبع شخصياتي ولا سيما شخصية آشيك كريب... ان الكتابات والرموز، والشاعرية والغنائية... كلها عناصر تساعد على تنمية الحنان في حياة الطفل... أي طفل. ولنلاحظ هنا كيف أن طيبة آشيك كريب هي التي تعيده الى محبوبته... فتكون مكافأته على طيبته انتظارها له وجمالها الساحر.

 

- الممثلون المحترفون مضجرون في شكل عام... بل أقول إن ممثلاً غير محترف تأتي به من الشارع، سيصبح مضجراً عند منتصف تصوير الفيلم... ذلك أنه سرعان ما سيعتقد بأنه يقدم لك خدمة إذ جاء ليمثل تحت إدارتك. لذا أرى من الأفضل أن نذهب لنصور الناس حيث هم، حيث يعيشون وحتى في المستشفيات وفي مآوي العجزة: فهؤلاء لن ينبهوا الى أنهم يُصَوَّرون، فينصرفون في شكل طبيعي تماماً. ممثل فيلمي الأخير جئت به من الشارع... وكنت حين أريد أن أطلب منه التمثيل في مشهد ما، أقول له: «كيف كان من شأنك أن تتصرف لو كنت في الشارع وسط خناقة، أو في السجن؟» فيؤدي الدور كما أريده منه تماماً. في المقابل يأتي الممثل المحترف ليتصرف وكأنه يقوم بمهمة هبطت عليه وعلينا من السماء.

 

المصدر: "الحياة"، لندن، 31 أغسطس 2007

http://www.daralhayat.com/culture/movie/08-2007/Item-20070830-b7a95fc8-c0a8-10ed-01b1-93404c97b98e/story.html

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:2032

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web