ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: أدب وثقافة
زنوبيا والأرمن والرحابنة

2007-09-10 06:12:57

زنوبيابقلم كيراكوس قيومجيان     

 

تابعت بشغف واعجاب كبير فصول المسرحية الغنائية زنوبيا (ملكة تدمر) التي قدمها مهرجان بيبلوس العالمي على مسرح مدينة جبيل الاثري، ولا اخفي انني كنت منبهراً بمواضيع الفصول الجديدة والتقنيات التي استخدمت عند تغيير الفصول والديكور والاضاءة وطبعاً السيناريو والحوار والموسيقى والرقصات والمؤثرات.

 

لست مؤهلاً لمدح او انتقاد هذه المسرحية من الناحية المهنية او المسرحيات التي سبقتها مثل "ملوك الطوائف" – "آخر أيام سقراط" و"جبران والنبي" و"المتنبي". التي حضرت بعضها او حصلت على التسجيلات فاستمعت اليها بمتعة كبيرة. وكمستمع متذوّق للاعمال السمعية والبصرية ارى ان على الجميع الوقوف باحترام واجلال امام الاب الروحي لتلك الاعمال او ما سبقها من روائع اسطورة العصر الاستاذ منصور الرحباني صانع الاساطير الفنية الخالدة. كما انني اعلم ان الجميع يبتهجون بسماع اسم الرحابنة مثلي. ولمَ لا وهم صانعو القوالب الفريدة للكنوز الفنية النفسية التي لم يتمكن احد من صنع مثلها الى الآن ان تجسدت على شكل اشخاص او (سكيتشات) او الحان او كغيرها من الاعمال الموسيقية او النصوص المعبرة او اخراج مسرحيات عظيمة مثل موضوع المقالة.

 

ان من حسن حظ الوطن العربي ان الاخوة الرحابنة ومنصور والياس والجوهرة السيدة فيروز ما زالوا يبدعون حتى الآن – رغم رحيل كبيرهم عاصي – ونشكر الله ان روح الابداع لم يندثر وما زال يخلق البدائع ويعطي العطاءات التي تشبه كل واحدة منها حبة من حبات عقد اللؤلؤ الذين يزين رقبة لبنان والوطن العربي، كما انه يزين جيد التراث الموسيقي العالمي. نعم اعمالهم تشبه الاطواق والتيجان المرصعة بأجود الاحجار واكرمها ومصنوعة من انفس المعادن وانقاها برغم الظروف السياسية والامنية التعيسة التي يعيشها لبنان حالياً.

 

حسناً فعلت حكومة دبي بانتاج هذه المسرحية المكلفة مالياً كما يبدو وقايضته بخلق هذا العمل الرائع الخالد بالمبالغ التي تكلفتها والتي مهما بلغ حجمها تبقى صفقة رابحة لمصلحة دبي. ويا ليت كل القادرين يحذون حذو حكومة دبي ويستخرجون عسل السدر المصفى الاصلي من خلايا النحل قبل ان تجف او تغيب ملكات النحل كمنصور الرحباني والسيدة فيروز اطال الله عمريهما واعمار المبدعين من آل الرحبانة وغيرهم وهم قلائل.

 

بالعودة الى مسرحية زنوبيا التي حضرتها ثاني ايام عرضها في لبنان على مسرح آثار مدينة بيبلوس والتي بقايا آثارها الطبيعية كانت تكمل بتناسق طبيعي عجيب ديكور المسرحية ذاتها التي تدور احداثها ايضاً في مدائن تدمر وروما واسكندرية التي تتشابه وهي تعاصر مدينة بيبلوس من ناحية فن المعمار واسلوب الحياة فيها، ومع الانارة الباهرة اصبح المسرح وكأنه ارض الواقع الاصلية المنبسطة على مسافة ربع كيلو متر مربع تقريباً امام مدرج المشاهدين. يا له من منظر بديع كان عليه المسرح طوال فترة العرض.

 

اما ما اود ايصاله بعد الاحترام الكبير للسيد منصور الرحباني كونه مؤلف المسرحية والسيد مروان الرحابني كونه المخرج هو عبارة عن رسالة استياء صادقة ونابعة من قلب محب، فلنا وقفة اعتراض على الفقرات التي شوهد فيها المدعو مارديروس الارمني والذي اريد له ان يظهر بدور الشخصية التافهة، بالاضافة الى لكنته ولغته العربية المكسرة وكان كمن لا يهمه الا بطنه ويحلم بتوفر السجق والبسطرما على مائدته الخ... الذي يتمثل فيها كانسان سخيف لا يلاقي الاحترام وهذا مخالف للواقع طبعاً، اما المشهد الثاني فهو الذي ظهرت فيه الشخصية الارمنية ذاتها ولكن بعد مرور حقبات من الزمن في سياق احداث المسرحية هي ايضاً شخصية غير مشرفة لاي انسان ارمني غيور حيث ان العمل الذي قال بأنه يزاوله الآن هو عمل لم نسمع ان ارمنياً امتهنه سابقاً كما انه ليس من المصالح التي اشتهر بها الارمن واتقونها وليس من مصالهم بتاتاً، اما اذا سلمنا بأن لكل قاعدة شواذاً ورجلنا هذا شاذ عن القاعدة مثلاً فلم يكن موفقاً ولا منصفاً اختيار ذلك الدور له ما دام احتمال المساس بانتمائه وارداً.

 

جاء في نهاية المسرحية بأن مملكة زنوبياً امتدت من الشرق الى الغرب ومن الجنوب الى حدود ارمينيا في الشمال. اذا كان معروفاً للمؤلف وكذلك لكل من يعرف تاريخ المنطقة ان ارمينيا كمملكة كانت موجودة مع حضارتها في المنطقة وكان من الممكن ذكر احد الاحداث التي حدثت مع الجار في الشمال مثل تحالفات او صدامات او غيرها من الاحداث الطبيعية علماً ان ظروفاً مشابهة كثيرة جرت للملكة زنوبياً مع دول وقبائل اخرى مجاورة لها في ذلك الزمان ولم يذكر اسم ارمينياً مطلقاً.

 

انا اتفهم ضرورة ادخال مشاهد هزلية في سياق المسرحيات بوجه عام لاضفاء جو من المرح ومتعة الجمهور وصادفت اكثر من مرة في المسرحيات السابقة للرحابنة حشر الشخصية الارمنية عمداً متعمداً كإنسان ذي لغة عربية ركيكة يخلط بين المذكر والمؤنث ويضع نفسه في مواقف محرجة لذلك السبب، وايضاً ذلك النموذج الذي غالباً ما يبدي ولعه الشديد بأكلات السجق والبسطرما والكباب الخ، شيء لا انكر صحته بنسبة معينة وخاصة في الماضي ولو انها ليست شهوة معيبة لاحد ولدى كثير من الشعوب تراث مشابه من المأكولات لا داعي لتسميتها. لكن لا اقبل كما غيري لا يقبل تكراره مرة تلو الاخرى، واخشى ترسيخ نموذج هذه الشخصية لدى الجمهور لوجودها في اعمال عظيمة مثل التي يشاهدها الملايين.

 

الارمن شعب له حضارة راقية مثل الشعب اللبناني وله صفات وطبائع الشعوب النقية وكان له ان يصبح من اعظم الدول لو لم يتعرض للدمار والاحتلالات المتتالية من جحافل الغزاة بسبب موقعه الجغرافي وطمع الامبراطوريات به، كما ان له حاضراً مشرفاً يشهد به الجميع حيثما حل وارتحل واتوقع من الاخوة الرحابنة اخذ هذه الحقائق في الاعتبار اكثر من غيرها.

 

وحيث ان مسرحية زنوبيا من الارجح ان تعرض مرات عديدة في المستقبل لذا نهيب بالقائمين على المسرحية مشكورين بتغيير حوار الجزء الخاص بالشخصية الارمنية او حذفها تماماً.

 

اعيد واكرر تقديري الكبير  للرحابنة العظماء داعياً لهم دوام التوفيق والنجاح واتمنى بكل صدق ان يظلوا ذخراً لنا كمشاهدين وللمجتمع الحضاري المثقف اجمع.

 

(الكويت)

 

المصدر: "النهار"، بيروت، 3 سبتمبر 2007

http://www.annahar.com

 

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:3353

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web