ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: المهجر الأرمني
عن الشبكات القومية أو القومية العابرة للحدود

2007-11-27 07:17:34

بقلم رستم محمود

 

"هوسيب" طفل أرمني يتيم، يعيش مع أخوته في بلدة في أقصى الشمال الشرقي من سوريا. عائلة هوسيب التي تحيا حالة فقر مادي مدقع، استطاعت أن ترسله بداية السنة الدراسية الجديدة لهذا العام إلى المدرسة بكل يسر. فبعد أيام من تقديمها طلباً لإحدى الجمعيات الأرمنية الموجودة في البلدة، حيث شرحت حالتها المادية تلك، تكفل رجل أرمني يعيش في لشبونة بدفع كامل الأقساط المدرسية عن الطفل هوسيب. ذلك الرجل هو أحد أبناء كولبنكيان، الثري الأرمني الشهير، الذي كان يملك أيام ما قبل تأميم نفط العراق خمسة في المئة من حصة شركة البصرة لاستخراج النفط. عائلة كولبنكيان الثرية التي استقرت في البرتغال منذ ما يقارب القرن، نشطت وما تزال في الكثير من النشاطات الاقتصادية على مستوى العالم ؛ لم تنس مع ذلك تاريخها وذاتها القومية، فقد كون الأب منذ عقود من الزمن "مؤسسة كولبنكيان التعليمية". والتي تسهم بدعم الأجيال الأرمنية الجديدة التي تأخذ طريق النهل العلمي في شتى بقع العالم، وفي كافة المجالات. فحيثما يكون المرء الأرمني من العالم، يستطيع أن يتقدم بطلب لأحد فروع تلك المؤسسة ليحصل على منحة مادية، تقارب الثمانمئة دولار أميركي بالنسبة للطلاب الجامعيين في كل عام، وتغطي كامل القسط السنوي للمراحل الدراسية لـ "ما قبل" المرحلة الجامعية.

 

إلى جانب مؤسسة كولبنكيان الأرمنية العالمية تلك، ثمة مؤسسة جنشيان الأرمنية العالمية للرعاية الصحية، والتي تسهم بدورها في بناء المستوصفات والعيادات الطبية للجالية الأرمنية، أينما كانت. هاتان المؤسستان سواها بالإضافة إلى اللوبي الأرمني الناشط من بيروت إلى واشنطن، في مجال الدعم السياسي للقضايا الأرمنية، يمكن تسمية حالته بـ "القومية العابرة للحدود".

 

ربما كان "القدر" التاريخي لأبناء القومية الأرمنية منذ ما يقارب القرن من الزمان، والذي دفعهم منذ ذلك الحين إلى براثن التصفية العرقية والتشرد في بقاع الأرض كلها، هو صاحب الدور البارز في دفع الأرمن نحو تلك العلاقة من الترابط القومي رغم تباعد المسافات الجغرافية. لكن هذا الشأن لم يعد يخص الأرمن وحدهم. فالأكراد المهاجرون نحو الدول الأوروبية وأميركا الشمالية مثال صارخ على الروح القومية العابرة للحدود تلك. فأكراد ألمانيا الذين هاجر أهلهم إليها منذ ما يقارب النصف قرن، حين فتحت ألمانيا بابها لهجرة العمالة القادمة من تركيا، حيث أختلط معظمهم بالمجتمع الألماني وباتوا جزءاً من ثقافته، وربما لم تعد الثقافة الكردية تلامسهم إلا عبر بعض الحكايات التي كانت جداتهم ترويها، وإن عن طريق بعض الصور المعلقة لبعض الزعماء الكرد. لكن حين حصرت روحهم القومية في زاوية ضيقة، في الفترة التي ألقي بها القبض على زعيم أكراد تركيا عبد الله أوجلان عام 1998، رأى العالم أكراد أوروبا الذين يتكلمون لغات شتى ويحملون ثقافات أوروبية مختلفة. يخرجون الى الشوارع معاً، يقطعون الأوتسترادات بين مدنها الكبرى ، ويخترقون أطواق الشرطة حول السفارات التركية في الدول الأوربية.... الخ. حيث أظهرت الأحزاب الكردية حينها، مدى تنظيمها الدقيق في كل أنحاء القارة الأوربية، كما ظهر من جهة أخرى مدى قوة الروح القومية بين شبكة من الناس الموزعين على جغرافيات وثقافات لغوية متباعدة، حيث بانت أوروبا وقتها وكأنها لا تحوي إلا الأكراد ورجال البوليس، كما قال الكاتب التركي فهمي قورو.

 

من جانبها شبكة الانترنت تعتبر مثلاً على تلك الحالة القومية العابرة للحدود، حيث فيها نسبة عالية من المواقع التي يحررها ويكتب بها أناس متباعدون جغرافياً، لكن الأهم أن تلك المواقع لا تحظى باهتمام فئات متقاربة بينها مصالح مادية واقتصادية متقاربة، بقدر توجهها لأناس مشتتين على صخرة العالم، لا يوحد بينهم أي رابط ظاهر. فمثلاً قد يندفع أسترالي من أصل عراقي، هاجر أهله من الموصل منذ ستة أو سبعة عقود، وهو الذي نسي اللغة الأشورية، وسها عن الكثير من ثقافتها، إلى الدخول في غرف الدردشة الأشورية، والمحاولة المستميتة في تعلم اللغة الأشورية، والتعرف بأصدقاء أشوريين يعيشون في مناطق شتى من المعمورة.

 

ربما لا يكون الوعي القومي بمستوى عمق نظيره الديني في ذات الإنسان، فالوعي الديني الملبس بالميتافيزيقيا له القدرة، بما لا يقارن بأي شيء آخر في اختراق الثقافات والمساحات المتباعدة، والتخمر بتلك الثقافات دونما الاضمحلال بها، وأنه بذلك يستطيع أن يحيا بطرق وتمظهرات شتى، تماثل وتتلاءم مع الأمكنة التي يوجد بها. إلا أن الوعي القومي أيضاً يمكن اعتباره، في الزمن الذي تبدو فيه كل أشكال الهويات مهددة بالذوبان في لون واحد، شكلاً من أشكال الدفاع عن الهوية. يعزز ذلك المنطق تفاقم الصراع بين المركزيين والمهمشين في المجتمعات "الكوزموبولوتية" في أوروبا وأميركا الشمالية. حيث يرى أبناء الجاليات المهاجرة أنفسهم في وضعيات التهميش السياسي والاقتصادي في تلك المجتمعات، فيندفعون للأنتيـ اندماج. حيث يشكل التقوقع والتواصل في الشبكات القومية أحدى أهم التعابير عن ذلك اللاأندماج.

 

على المستوى الأكاديمي والإعلامي والسياسي خف الاهتمام بالدراسات والأبحاث التي تتناول شأن الوعي القومي. ذلك حدث منذ أن أخذت التيارات الدينية البريق كاملاً كأقوى ذات سياسية، وأهم هوية سياسية، وأبرز تفارق "هوّي" على مستوى العالم، لكن الأكيد أن الروح القومية لم تذهب للأبد، وثمة الكثير الذي يقال فيها. فأسطورة الأصل المشترك، التعريف الذي نعته أنتوني باث للوعي القومي، ما زالت تغمر أنا الانسان بشغف بالغ.

 

المصدر: "المستقبل"، بيروت، 25 نوفمبر / تشرين الثاني 2007

http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?storyid=262735

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1596

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web