ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: فن تشكيلي
فكرة العين عند هوري شكرجيان

2008-03-02 08:47:46

فكرة العين عند هوري شكرجيانتتقدم كقوة تأليفية مرتكزة على حضور الوجه الأنثوي

 

بقلم عمران القيسي

 

على اتساع المساحات في منزلها الذي صار كله مرسماً، تنزرع عيون زرقاء وسوداء مفتوحة على اتساعها وهي تنظر إليك، منتظرة منك السؤال الأول والأخير.

 

ولكن لماذا تطيل كل هذه العيون النظر إلى شيء يبدو متحركاً أمامها؟ الا تكفي تلك السعة التي جعلت من المحاجر “مغناطيس” أو ثقباً أسود يمتص ويجذب كل ما يصادفه، فقد روت الأسطورة اليونانية أن ميدوزا كانت تحيل الناظر إلى عينيها إلى تمثال من الحجر الملحي، لكن العيون في الأساطير والفنون الشرقية، فرعونية كانت ام رافدينية، لها تفسير حضوري آخر، فعند الفراعنة تأخذ العين شكلاً زورقياً، لأن العين تحمل الروح عبر أوقيانوس الموت نحو الجانب الآخر من الوجود. فيما العين البابلية أو السومرية الواسعة أكثر من الحقيقة هي وعاء يغترف المعرفة الحياتية.

 

إن ما تفعله هوري شكرجيان، وهي فنانة لبنانية تنتمي إلى الرعيل الفني الأرمني الثالث، لأنها مجايلة إلى كل من أسادور بزديكيان وهراير دير باكريان وكريكور هاغوبيان وغيرهم، انها تؤسس لوحتها وفقاً لحالة التزاوج ما بين اللغتين التعبيرية والرمزية، تماماً كما سبق وأسس العديد من الفنانين التعبيريين الأوروبيين والعالميين نظرتهم إلى المعنى (الكوزموبوليتي) للتعبيرية الراصدة، أمثال الرسام أرشيل غوركي الذي اعتبر بمثابة الحلقة الانتقالية ما بين السوريالية الاوروبية والتعبيرية الارمينية، لأنه من مواليد عام 1904 في أرمينيا لكنه رحل في العشرينات إلى أمريكا.

 

إن هذا التزاوج بين ما تكتنزه شكرجيان في داخلها، وتوق إلى إيجاد الأمجاد المطلوبة هما في الواقع حوار مسترسل مع الذات، وقلق متراكم بلا تحليل مريح للنتائج. لا بد وأن يجرها إلى نقطة مركزية تصير فيها اللوحة اشتغالاً قصدياً على الشكل الذي يدفع إلى التشكيل المغاير أو المخالف لكل الحالات التعبيرية السائدة على مستوى اللوحة الثانية، أي تلك التي تصور الداخل وتطرحه كقوة محايدة، على الآخر المتلقي أن يقرر مسايرتها أو عدم التعاطف معها.

 

لو سألت هوري شكرجيان: لماذا المرأة هكذا؟ ولماذا العيون تصير عمارة حجارتها الوجوه المتراصفة؟ لقالت إنه العالم الذي يعيش بداخلي ويدفعني لأن أرى قوة الأنوثة في اسطوريتها.. ولكن هل هذه الحالة الأسطورية ذات البعد التقريري هي الخط البياني الذي يتركز عليه عالم شكرجيان؟

 

في تأملات متتالية للوحة الفنانة، توجب علينا كقراء بصريين للعمل الفني، ألا نتورط بالقراءات الفردية لكل عمل، بل أن ندرس اتجاهاً له كثافته النوعية، وترداديته التي تزداد غموضاً كلما ازدادت الأعمال وتكررت.. إذن هو ذا العالم الذي تختبئ وراءه الأسئلة، ومهمة الناقد أو الدارس هنا أن يقشر الجلد المباشر ليذهب إلى السؤال.

 

السؤال الأول: هندسة وجه الأنثى وهو سؤال يرتضي عدداً لا يحصى من الأجوبة، ربما في مقدمتها تلك التي نحاول أن نركز على المدخل البصري أي أن نجعل من العين مفتاحاً مركزياً لكل المغاليق والأبواب.. وفي الحقيقة هكذا فعل الفنان أميديو موديلياني 1884-1920 عندما قرر الغاء هذا المدخل محولاً العينين إلى فراغ، فيما سيفعل أوسكار كوكوشكا 1886-1980 العكس جاعلاً العين مغرفة للنور، أو مارك شاغال 1887-1985 حين منح البشر عيوناً تحدق بالناظر إليها وكأنها تحاوره عن المصير.

 

 إن هذه الهندسة المرتكزة على وجه قوته تكمن في عينيه، لا بد وأن تشهد أنماطاً تتكرر لبقية أجزاء الوجه، الأنف مجرد عمود طالع، الفم تكوين جمالي اصطلاحي، الاستدارة الاوفالية للوجه ذات ملامح أرمنية، ولا ضرورة للعناصر الأخرى، إلا إذا شكلت مفاجآت أو مداخلات عفوية.

 

هندسة الوجه هنا هي هندسة افتراضية لمعادلة قوامها الدعوة إلى الحوار بين اثنين أحدهما يبحث عن الجواب والآخر يبحث عن السؤال التالي الذي يجعل الجواب ثانوياً، تماماً كالتبصير بالفنجان أو بورق الكوتشينو. حين تطرح البصارة اسئلة على الباحث عن أجوبة، لذلك يضطر هذا المخلوق إلى النظر (باستلاب) لما هو مرسوم أمامه.

 

 هنا الهندسة التي لا تحمل سوى تكوينها الأحادي هي القوة المركزية الكامنة وراء اللغة التعبيرية الرمزية لهذه الفنانة المتوحدة.

 

 السؤال الثاني: في الالتفاف حول صروح الوجوه ومحاولة الاغتراف من العالم الخارجي، الذي لم يعد سوى وجود ذهني مفترض لأن الواقع المقطوع عن واقعيته هو الذي يعني هذه الفنانة ضمن دائرة السحر الذي تضطر لممارسته بكل تجاوز.

 

المنظر هو رؤى تراكمية للعتمة المتصارعة مع النور، والحياة الساكنة هي محايدة بلا تأويل للعناصر والمفردات التي تستطيع أن تتعلق بأطراف حضورها.

 

لكن الذي يعوض هذه الانقطاعات هو الجانب التقني في العملية التكوينية لأن شكرجيان تتعامل مع المسطح التصويري بطريقة الإشباع اللوني التام. إنها تدق الفرشاة المملوءة باللون الزيتي على السطح مخترعة التداخل الشفاف للألوان المتدرجة.

 

لا ترغب إذن ووفقاً للوسيلة التأليفية أن تستنتج مسطحاً تجريدياً، بل تصر على إيضاح هذا التجريد بما يتلاءم مع النقلة المطلوبة من التعبيرية المباشرة إلى التعبيرية المدغمة.

 

إن بعض أعمال شكرجيان تذكرني بأسلوب فنان أمريكي من أصل انكليزي اسمه مالكولم مورلي وهو ينتمي حالياً إلى تيار السوبريالية SUPER REALISM إذ يرى هذا الفنان بأن الشكل الذي يرسمه الفنان وبخاصة الوجه البشري، إذا ما تركزت الصورة على جزء من الوجه سوف تتحول اللوحة إلى حالة ايقونية ثابتة ومتحركة في آن واحد.. لكن لنعترف بأن (الايقونية) التعبيرية عند شكرجيان دخلت حالة من حالات الترميز التشكيلي العالي، وأن مساحة اللوحة أثرت تأثيراً إيجابياً على الحضور التفاعلي للعمل.

 

ويتشكل الرعيل الأرمني الثالث في الفن اللبناني من مجموعة اختبارية مهمة من بينها أسادور بزديكيان الذي يرسم منياتورات مصغرة بأقلام الربيدو ويضع تراكماً من العناصر والأجساد مستبطناً ذلك العالم المقتول بالكم. فيما سيبدو هراير مشغولاً بأشكاله الثابتة المتشابهة وبلوحته الديكورية المحايدة سعياً وراء جمالٍ يمزج ما بين الموروث الباروكي والشعبي الأرمني. أما كريكور هاغوبيان المتين واقعياً والحاضر غرائبياً فإن لوحته تحيط بالنص البصري وتفضله على كل معطى تجريدي. لكن هوري شكرجيان تتقدم كقوة تأليفية مرتكزة على حضور الوجه الأنثوي الذي يتحول تارة إلى سياج من العيون أو إلى سؤال بالغ الدهشة والمهابة.

 

هوري شكرجيان حين ترسم العين كنافذة تتسع لكل هذا الحضور البصري فإنها تقرر مسبقاً مواصفات لوجه الأنثى إذ يأتي هذا الوجه على شكل بصمة موحدة تقريباً تؤكد وتشهد لمصلحة الدهشة والسؤال.

 

الفنانة في سطور

 اقامت معارض فردية في باريس وبيروت.

 شاركت في الكثير من المعارض الجماعية ابتداء من أواسط الثمانينات

 عرضت جماعياً في أوساكا اليابان، باريس، بيروت

 كتبت عنها دراسات معمقة.

 

المصدر: "الخليج"، الشارقة، 1 مارس 2008

http://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=486219

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1947

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web