ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: شؤون عربية
الكل يقبض ولبنان يضيع!

2008-04-07 11:11:26

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني )

 

كأن المشهد السياسي اللبناني كان بحاجة إلي من يفضحه من داخله ويرمي بورقة التوت جانباً ليظهره علي حقيقته. فقد اتهم النائب جورج قصارجي، وهو نائب ارمني عن منطقة زحلة، قوي 8 آذار و14 آذار، من دون استثناء، بالمشاركة في ضياع الوطن والإفادة من عدم الاتفاق لزيادة رساميلهم من الحنفيات المالية المفتوحة .

 

فقد قال هذا النائب قبل أيام اننا نعيش في الوقت الضائع في انتظار ألا يتفقوا وأن يبقوا علي عدم اتفاقهم انهم جميعا يستفيدون من هذا الوضع. مراجعهم الخارجية ترسل إليهم المال بغية اطالة عمر الأزمة وتمرير الوقت. كلهم مشاركون في اللعبة، وكلهم يقبض، ولبنان يضيع !

 

لعل هذا الاتهام الصريح والمباشر للطبقة السياسية اللبنانية كلها بانها تشارك في اطالة عمر الأزمة، وبالتالي في اللعبة الدائرة، من أجل استدرار المزيد من المال من مراجعها الخارجية، هو أوضح اتهام إلي هذه الطبقة يوجهه سياسي من داخلها. واللافت في هذا الاتهام ان من يوجهه نائب لبناني من أصل ارمني.

 

 والمعروف ان الأرمن وفدوا الي لبنان في نهاية العقد الثاني من القرن الماضي بعد المذابح التي تعرضوا لها في تركيا وانتهت بخسارتهم لوطنهم الاصلي في تركيا. فهو اذن نائب يعرف ماذا تعني خسارة المرء لوطنه، ويحذر من ضياع لبنان كما ضاعت ارمينيا من قبل، ويوجه كلامه الي هذه الطبقة السياسية الطفيلية التي لا يهمها الا ان تقبض وان يستمر القبض، وان تستمر الازمة في حين يضيع الوطن.

 

قد يقول قائل ان القبض تحصيل حاصل طالما ان الازمة مستمرة، وطالما ان الحل ليس بيد السياسيين اللبنانيين، بل بيد مرجعياتهم الخارجية. ولكن السياسيين اللبنانيين مسؤولون اذ ان باستطاعتهم لو شاؤوا ان يتمردوا علي هذه المرجعيات، وان يتحدوا في اطار عمل وطني انقاذي عرفته اوطان كثيرة مرت بمثل ما مر ويمر به لبنان اليوم.

 

ولكن الواقع ان طينة هؤلاء السياسيين أو أكثريتهم الساحقة علي الأقل تختلف عن طينة أي سياسيين آخرين. فالمصالح الشخصية تعلو عندهم علي أية مصالح أخري. والمال هو في رأس هذه المصالح. والفرصة التي يمر بها بلدهم فرصة طيبة ومؤاتية بنظرهم لتجميع ما أمكن من المال.

 

 والمال يأتي من الخارج بالملايين، وبالأمكان ايداعه في بنوك أوروبا بأيسر السبل ودون ان يعرف أحد. فهل يرفض عاقل فرصة قد لا تتكرر؟ وهل من مصلحة هذا العاقل ان يعمل للقضاء علي هذه الفرصة الذهبية عن طريق التفاهم مع خصوم واعداء بينه وبينهم ما صنع الحداد؟

 

والواقع ان السياسيين اللبنانيين قد حصنوا انفسهم بوجه أية تهمة يمكن ان توجه اليهم. فكل فريق من الفريقين المتصارعين بامكانه ان يقدم ما لا يحصي من الحجج والبراهين علي سلامة موقفه وعلي خطأ موقف الآخر. أي انه هو الوطني، وان الآخر هو اللا وطني. ولكنه موقف خادع لا أكثر، لأن ابسط القيم والمباديء الوطنية تقضي بان يتنازل المتخاصمان لصالح الوطن وانهاء المشكل القائم.

 

وهو ما لا يريده أحد منهم لا خوفا فقط من المرجع الخارجي، بل خوف ايضا علي الحنفية المالية الواردة من الخارج. وهذه الحنفية لم تضخ مرة كما تضخ اليوم، وكما تضخ منذ سنوات. فهل يقفلها عاقل طالما ان لديه باستمرار ما يقوله للدفاع عن وجهة نظره؟

 

هناك من يزعم بأن الفرقاء السياسيين المتناحرين في الساحة الداخلية اللبنانية هم عبارة عن دمي يحركها الخارج كما يشاء، وان هذه الدمي تتعرض لأقسي العقوبات ومنها الاغتيال فيما اذا امتنعت عن التنفيذ.

 

قد يكون في هذا الزعم بعض الصحة، ولكن هذه الدمي المتحركة ليست فاقدة كلياً لارادتها، فبامكانها باستمرار ان تعترض، أو ان تلفت نظر المرجع الخارجي، وبإمكانها أيضا ان تثور علي هذا المرجع الخارجي فيما اذا استيقظ وجدانها الوطني والتقت مع سائر القوي علي قرار وطني تاريخي، كثيرا ما التقت حركات سياسية متصارعة في بلدان أجنبية علي مثله، وبخاصة في لحظات مصيرية كاللخطة اللبنانية الدقيقة التي ينبه النائب اللبناني اليها.

 

هذا مع الاشارة الي ان السياسيين اللبنانيين كثيرا ما تنازعوا في السابق ثم اتفقوا فيما بينهم عندما شعروا بان لبنان في خطر. ولكن المشكلة اليوم تكمن في ان نسل اولئك السياسيين السابقين قد انقرض، وفي كون الساحة اللبنانية الحالية تفتقر إلي رجال دولة بالمعني الرفيع للكلمة.

 

 فالموجود حاليا هو الطبقة السياسية الطفيلية التي تعرف انها تكذب عندما تصرح أو تقف هذا الموقف أو ذاك، كما يعرف الشعب ايضا انها تكذب ولكن دون ان يكون بامكانه ان يفعل شيئاً. ذلك ان الترويض وتجييش المشاعر الطائفية والمذهبية والاستسلام لارادة الخارج هو السائد حتي إشعار آخر، كما هو الذي يحول دون الثورة علي هذه الطبقة.

 

من السهل تحميل المرجعيات الخارجية المسؤولية عما يجري في لبنان، فهي التي تعطل الإرادة السياسية اللبنانية وتحول دون فتح أبواب مجلس النواب وانتخاب رئيس جمهورية جديد وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ولكن هذه المرجعيات الخارجية ليست وحدها المسؤولة. فالفريقان المتصارعان: 8 اذار و14 اذار مسؤولان ايضا لأنهما باستجابتهما العمياء لاملاءات الخارج، وعدم تناديهما للقاء في خطوة انقاذية تاريخية، يطيلان عمر الأزمة ويحولان بالتالي دون انقاذ بلدهم. النائب الأرمني الأصل يتهمهم جميعا لا بالتقصير وحده، بل وبالمشاركة في اللعبة الدائرة وفي اطالة عمر الأزمة لاستدرار المزيد من المال من مراجعهم الخارجية، مختصراً موقفه منهم بالقول: الكل يقبض ولبنان يضيع !

 

قد لا يكون جورج قصارجي مبالغا في اتهامه. فلا شك ان لديه معلومات اكيدة عن الحنفيات التي تضخ لبناً وعسلاً. كما لا شك ان الطبقة السياسية اللبنانية، في اكثريتها المطلقة، أرذل من عليها لقد شكت نخب ثقافية وفكرية كثيرة من فساد هذه الطبقة وافتقادها الي أبجدية المصلحة الوطنية وكون العمل السياسي عملا أخلاقيا بالدرجة الأولي. وها هو نائب من داخل هذه الطبقة يؤكد باتهاماته أن النزعة الوطنية لدي زملائه فريضة غائبة، وأن الحاضر علي مدار الساعة هو تكديس المال الحرام.

 

المصدر: جريدة "الراية"، الدوحة، 7 أبريل 2008

http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=338291&version=1&template_id=24&parent_id=23

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1768

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web