ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: الأرمن والعرب
من الإبادة الأرمنية إلى محاولة إبادة لبنان

2008-04-26 18:29:40

بقلم نديم القنطار

 

في البدء كانت الكلمة وهي اليوم كما في كل يوم كذلك...

 

هذه الكلمة التي قال عنها جبران في سالف الايام الماضية، انها قد تتولد من فكرة في رأس انسان. وربما في تجسيدها ان شفاهة "في خطبة" او مكتوبة على قرطاس، او مسموعة في جهاز اذاعي، او مرئية على شاشة تلفزيونية.

 

وللحقيقة القول بأن مفاعيل واصداء ما افرزه الفكر الانساني هذا، قد يغيّر وجه الكون، فيدك صروحا ويهدم ممالك ويقوي عروشا ويطيح انظمة، عبر شذرات وشيفرات ورسائل، من شأن كل هذا ان يحدث تغيرات والتاريخ يشهد.

 

في العودة الى التاريخ وبدايات القرن الماضي، العشرين، اقدم النظام العثماني على اقتراف ابشع المجازر بارتكابه عمدا وعن سابق تصور وتصميم، على قتل وذبح مليون ونصف ضحية من الشعب الارمني بمن فيهم النساء والشيوخ والاطفال، كما لم يستطع هذا الحكم إلغاء او طمس هوية شعب بكامله، عريق في انسانيته متجذر في وطنيته، مؤمن بمسيحيته التي رأى فيها السلطان العثماني في حينه خطرا عليه، واين ذلك الخطر؟ وكم كانت التعددية سواء في الديانات السماوية ام في الانتماءات السياسية وفي تنوع المذاهب والمشارب من بني البشر، الا دليلا على انفتاح وعنصر تعارف وكسب على اختلاف الصعد، لان في ذلك يتم التكامل عبر تلقح الحضارات والتفاعل والتخالط ومعرفة الآخر. من هنا لا يجد العاقل تبريرا لمجزرة، ادمت القلوب وصعقت الالباب وهزت الضمائر، واين هي الانسانية في القوانين والاعراف ليكون القفز فوق كل الضوابط والثوابت والخطوط الحمر، فيحصل ما حصل عام 1915 وبالتالي تفرغ القرى والمنازل والمدائن من ساكنيها ويصبح من بقي على قيد الحياة مشردا لاجئا في بطالة الدنيا.

 

هذه الحقيقة ظاهرة ساطعة امام العالم، لكن ماذا حصل، إذ لتاريخه لم يلق المجرمون عقابهم العادل، وانما كان التراخي الدولي في التعامل مع المجزرة تلك بعد اغداق الوعود الكثيرة من الدول المعنية.

 

وبذلك تم تجاوز الموضوع بما يخدم مصلحة تركيا بدلا من تعليق المشانق للمجرمين مهما علا شأنهم وانزال القصاص العادل، ممن حمل دماء الابرياء وتلطخت اصابعه بالاعباء والاثقال من اوزار القهر والظلم. تجدر الاشارة الى ان ناشطي الارمن لم يغمض لهم جفن، وانما كان النضال والسعي والمتابعة بحيث عاد المجتمع الدولي ليستفيق مجددا، عبر مجتمعات مدنية ومؤسساتية في اكثر دول العالم وهي اميركا عبر الكونغرس، الذي يدين المجزرة اخيرا لكونها جريمة ضد الانسانية بامتياز؟

 

ولعل الاستمرارية النضالية للشعب الارمني في اصقاع الدنيا قد تؤتى ثمارها يوما. ويحصل التعويض المادي والمعنوي المطلوبين، اضافة الى اعادة الاراضي والممتلكات الى اصحابها سواء في تركيا او في الجوار، وليست ارمينيا السوفياتية اليوم الا القاعدة التي يمكن البناء عليها تمكينا لاستعادة الحقوق المستلبة ان في الارض او في سواها، مما هو حق للطائفة الارمنية. هذه الملة التي عرفت تاريخيا بمهاراتها ووطنيتها أينما حلت، وهي محبة للحياة وتعشق ثقافة التجدد والرقي والعلم والحضارة، ولذلك فان الاماكن التي شغلتها عبر مرافق كثيرة تدين لها ولاء وإخلاصاً، طبعا مع عشق الحياة الآمنة المستقرة مع شرائح المجتمع كافة.

 

في هذا المضمار تقتضي الامانة بالاشارة الى اعمال حركة اللبنانيين الارمن الاحرار المتعددة الاوجه، وخاصة عبر الاضاءة على المشكلة الارمنية تصويبا للامور واحقاقا للحق، من اجل المحصلة المنتظرة حيث ينبغي المتابعة والتواصل بما يخدم الوصول الى الغرض المطلوب. في مجال آخر فان لبنان يعاني مشكلة مختلفة لكنها تتقارب موضوعيا مع المشكلة الارمنية عبر التاريخ البائد، وهي ممثلة بمسارات متعددة تجسد بعضها عمليا في اغتيال القادة الشخصيات من النخبة، وتاليا في تخويف الناس وترويعهم بما حصل من تفجيرات عبر سيارات مفخخة ام في قنابل موقوتة طاولت العديد من اللبنانيين وسواهم، ترويعا للشعب ودفعه الى الخوف لثنيه عن التطلع الى الامام بما يحقق طموحاته ورُؤاه نحو مستقبل حر ناصع وواعد.

 

تجسد هذا في تعميم ثقافة الخنوع والقهر والاستسلام، او في القضاء على الوجه الشبابي البراق وصولا الى تدجين الشعب او "حيونته" عفوا، ربما يتاح عندئذ، في شكل يجعل منه قابلا لكل شيء. ولذلك فالابادة اللبنانية قائمة فعلا ولكن بتدرج، وفصولها معاشة منذ اكثر من ثلاث سنوات لم ينفك المخططون وأصحاب الطبخات السياسية من ولوج مسالكها، من هنا فان الترابط قائم ما بين المسألتين اللبنانية والارمنية اقرب ما يكون الى حقيقة الاولى بشكل ام بآخر. لكن المقاومة والتصميم لكل أعراض هذا المنحى التدميري والمنهجي للبنان الشعب والارض في تواصل وتتابع من اجل الحؤول دون تحقيق الهدف المراد.

 

وكما كان الشعب الارمني في جهاده وتطلعاته وتواصله مع مشكلة لم ينأ عن ذاته ابدا، وانما بدا اكثر جدية ومثابرة على استعادة حقوقه بشقيها المعنوي والمادي وانما في جهود سلمية حضارية، ايصالا للصوت لمن يسمع وخاصة المؤسسات الدولية، فان لبنان لم يفتأ يطالب ويعمل ويجهد في الوصول الى تحقيق سيادته على ارضه ووطنه لبنان، ومن اجل هذا فانه في اي مكان من العالم اضحى صوته ملء السمع والصبر، ويعرف مشاكله ويطلب حقوقه، ولا بد من ان يأتي اليوم الذي يرى فيه الحصاد ويبادر الجنى من حبات القمح السمراء.

 

من هنا، قيمة الكلمة ومردود الاقلام والصحافة عموما في توعية الشعوب، وبعيدا عما هو في التاريخ فقد نرى وجوبا التطلع الى ما يفيد بلدنا لبنان، ونعمل على متابعة ما ينبغي وصولا الى بر الامان والاطمئنان للبنانيين كل اللبنانيين. ذلك عبر الابتعاد عن الوهن او السأم. لان في المتابعة والمثابرة والتواصل بر الاعمال وخير النجاح. وهنا تحضرني كلمة غاية في الاهمية للشاعر الكبير التونسي (الشابي) عندما قال:

اذا الشعب يوما اراد الحياة

فلا بد ان يستجيب القدر

 

وعسانا من الشعوب وان أضناها المسير واثقل كاهلها بالاعباء والاثقال، لكنها في النهايات واصلة حتما الى ما يريح النفوس والقلوب معا، وكم تكون الفرحة كبيرة عندما يعقب الكفاح تحقيق الاهداف بنشوة الانتصار وبلوغ الظفر.

 

المصدر: "النهار"، بيروت، 24 نيسان / أبريل 2008

http://www.annahar.com

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1565

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web