ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: مسرح
مسرحية «صوت ماريا» لمانويل جيجي

2008-10-24 13:50:32

مونودراما تدين الحروب بصوت المرأة - الضحية

 

دمشق - ابراهيم حاج عبدي    

 

منذ حصان طروادة الخشبي وحتى يومنا هذا، تسجل الحروب، وبلا انقطاع، فصولها المؤلمة. والحصيلة المتوقعة من الحروب، دائماً، هي أن بعض الناس يموت، والبعض الآخر يبكي. وإذا كان الموت غالباً من نصيب الرجال، فان النساء نصيبهن البكاء على الراحلين، وقد يتعرضن للإغتصاب كما تصور مسرحية «صوت ماريا» للمخرج السوري مانويل جيجي، التي عرضت، أخيراً، على خشبة المسرح الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، في إطار احتفالية دمشق عاصمة للثقافة للسنة الجارية.

 

المسرحية، المأخوذة عن نص للكاتبة ليديا شيرمان هوداك، تخوض في التداعيات النفسية والإنسانية التي تخلفها الحروب الأهلية على شخصية المرأة التي غالباً ما تكون ضحية لأهواء الجنرالات، وأمزجة القادة العسكريين، من دون أن يكون لها أي دور في الخراب الذي يحيط بعالمها، فالمرأة تجد نفسها عند نهاية كل حرب وقد فقدت ابناً أو أباً أو أخاً أو زوجاً... وثمة حروب تترك ندوباً عميقة في دواخل المرأة، كأن تتعرض لاغتصاب وحشي تصعب، إزالة آثاره السلبية التي تستقر عميقاً في ثنايا الذاكرة. ولا تني هذه الذكرى الموجعة تحفر في الوجدان حتى لتغدو المرأة، مجرد كائن بائس فَقَد التناغم مع موسيقى الحياة، وراح يسعى إلى نسيان تلك الحادثة الاستثنائية بلا جدوى. فكلما أمعنت في النسيان جاء الكابوس أكثر وضوحاً، وسطوة ليعصف بهدأة «المرأة المغتصبة». الباحثة عن أمان تلاشى، مرة واحدة وإلى الأبد، مع تلك الصرخة المدوية التي أذنت بامتهان كرامتها التي لطخت بالنزوات العابرة للجنود.

 

«صوت ماريا» هي عبارة عن مونودراما مسرحية تناقش هذه الفكرة، إذ تروي مأساة إحدى النساء (تجسد دورها فدوى سليمان) في حرب أهلية في بلد ما، وفي زمان غير محدد. والواقع أن هذه المأساة الواحدة تتشعب لتتوزع على الأم (الجدة) والابنة والحفيدة معاً. فقد تعرضت الابنة للاغتصاب وحملت سفاحاً ثم وضعت وماتت أثناء الولادة، وعلى الأم - الجدة يقع عبء لا يحتمل، فقد رحلت الابنة، وعليها أن تتبنى، وترعى هذا الطفل الذي جاء نتيجة الاغتصاب. كيف لها أن تتأقلم مع واقع سلبها ابنتها ومنحها حفيداً غير شرعي؟ هنا تبدأ الحبكة الدرامية القاسية، فعلى خشبة متقشفة، كئيبة، وعلى وقع موسيقى جنائزية حزينة تبدأ المرأة في النشيج، وتروي فصول التراجيديا بنبرة باكية، موجعة، وبمزاج معطوب وهش. ففي زمن بعيد مضى كانت الحياة سهلة، وزاهية: النهر يجري بهدوء ودفء، والورود تملأ الحديقة والسهول المجاورة، وشدو الأطيار يحلق في فضاء بهي بينما تضيء شمس الصيف المشهد الجميل ليبدو كأنه أبدي، وسيقوى أمام المحن... غير أن نداء الحروب المتأصل في داخل الإنسان سرعان ما يعلو ليعصف بسيمفونية الحياة الرخية تلك، ويترك تلك المرأة أسيرة الحرمان، والانكسار، والحسرة... تصاب بهستيريا، وتنتابها حالات من الفزع والوحشة، فينصحها الطبيب النفسي بالرسم. لكن كيف لقلب كسير، مثقل بالهموم أن يقوى على النسيان بالرسم. وحتى الرسوم الناقصة، غير المكتملة، بخطوطها الحادة، المتداخلة والمتعرجة، التي ترسمها، والتي تتصدر الخشبة تفصح عن حالة الضياع والتشتت والكآبة التي وقعت فيها هذه المرأة - الضحية.

 

لا يحدد المخرج مانويل جيجي أي إشارة توحي بمكان أو زمان هذا الحدث. هو يستل هذه الواقعة المحددة من صخب الحروب الكثيرة التي شهدها العالم، ويتخذ منها نموذجاً عاماً ليدين من خلاله بشاعة الحروب وقسوتها، وتحديداً تلك القسوة التي تطاول المرأة التي كانت دوماً - كما يقول جيجي - «أهدافاً للحروب، ورهينة في النزاعات التي يشعلها الرجال، والواضح أن العدو لا يغتصب النساء دوماً من أجل المتعة الجنسية بل من أجل الظفر بالهزيمة النفسية والمعنوية لذوي المغتصبة». وهذا ما يركز عليه جيجي، الذي يعد واحداً من أهم الأسماء المسرحية في الساحة المسرحية السورية، في عرضه المتخفف من الأبعاد السياسية والأيديولوجية، والذاهب بعيداً في رصد البعد الإنساني، وإظهار الآثار النفسية المرعبة لتلك المآسي.

 

مانويل جيجي، الذي أخرج منذ إنهائه الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية في أرمينيا عام 1975 ما يزيد عن خمسين عرضاً مسرحياً، يستثمر التأثيرات الوجدانية للموسيقى التي أعدها واختار مقاطعها بنفسه، ويتكئ على المؤثرات الصوتية عبر الاستعانة بأصوات هدير الطائرات والمدافع، وأزيز الرصاص، وصرخات البشر المرعوبين، من غير أن يولي عناية مماثلة لمفردات أو عناصر الخشبة الدائرية التي تكاد تتداخل مع مقاعد الجمهور: سرير مقفر في الوسط، أسمال بالية ملطخة بدماء الطفل الوليد، فضاء أسود قاتل تخترقه إضاءة ماهر هربش في اللحظة التي تسبق أو تلي الكارثة.

 

لعل عرض «صوت ماريا» الخالي من البهرجة البصرية، يحفر عميقاً في تربة الروح المغتصبة، فهو يصغي إلى أنين الجراحات الخافت، والى نبض القلوب المحترقة، يمعن في توثيق لحظة الخسارة، ويقرأ سطور الوحدة والعزلة لامرأة لا تمل الشكوى عبر مونولوج طويل (نحو خمسين دقيقة) أجادت فدوى سليمان في نقله عبر التلوين في نبرات الصوت، وتوظيف الجسد عبر الحركات والإيماءات والإشارات التي نجحت في اختزال المأساة التاريخية للمرأة على خشبة المسرح. لكن الأرجح أن المأساة على مسرح الحياة ستبقى مستمرة، وسنسمع على الدوام صرخات تحتج، وتستنكر كما هي حال هذه المونودراما المترعة بنزعة إنسانية، تواسي ضحايا الحروب في كل زمان ومكان.

 

المصدر: "الحياة"، لندن، 20 أكتوبر 2008

http://www.daralhayat.com/culture/fine_arts/10-2008/Item-20081019-15e80244-c0a8-10ed-00aa-b9bdfcd05daf/story.html

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1579

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web