ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: لقاءات
الدكتور خاتشادور بيليكيان يحدثنا عن كلكامش في لغة ورسومات الكاتبة الأرمنية زابيل بوياجيان

2008-11-13 21:12:42

الدكتور خاتشادور بيليكيان يحدثنا عن كلكامش في لغة ورسومات الكاتبة الأرمنية زابيل بوياجيان بقلم ليلى كوركيس

 

حين تكون (ملحمة كلكامش) هي العنوان!

 

مونتريال: أن تغوص في الميتولوجيا القديمة يعني أن تحملَ على كف يدك كرةً صغيرةً تتجاذب وتتفاعل وتتشعّب وتتقاطع على تضاريسها قرون وحقبات من حضارات وأديان ومعتقدات وشعوب، كلها مدفونة حية تحت غبار الزمن. يكفي أن تجرؤ على نفخ التراب عنها كي تدرك بأن كل الأجوبة تختبئ تحت تلك طبقات التاريخية العتيقة العتيقة .. وهي كلها لنا نحن .. دَرَسَ محتوياتها الغرب وعرض عدداً لا يستهان به من رموزها ومعالمها في متاحفه، لكنها منا ولنا.. فهل نفلح باستعادة ملكية نصوصها وتاريخها على الأقل؟!

 

حين تكون ملحمة كلكامش هي العنوان، لا اسأل نفسي إن كنت سأتفرغ للمحاضرة أم لا. ألغي كل شيء، نقطة.

 

كانت صديقتي تدرك حماسي واهتمامي بتلك المواضيع، فدعتني إلى الأمسية قائلةً : خاتشادور بيليكيان يحاضر عن زابيل بوياجيان مع نصوصها ولوحاتها "الكلكامشية" والميتولوجية الأرمنية ! وأضافت "ولكن ستكون المحاضرة باللغة الأرمنية ". حتى ولو كانت باللغة الصينية "سأحضر"! في الموضوع مزيجٌ ثقافي غريبٌ ومغرٍ، تماماً مثل المُحاضر د. بيليكيان. هو أرمني الأصل مولود في الموصل حيث أمضى طفولته. إنتقل مع أهله إلى لبنان سنة 1952. سافر إلى ايطاليا للدراسة سنة 1958 ثم عاد إلى لبنان سنة 1977. هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية سنة 1978 حيث تابع دراسته ونال شهادة الدكتوراه بأطروحة عن ليوناردو دى فنتشي من جامعة إنديانا بوليس. منذ سنة 1980 هو مقيم ومستقر في لندن.

 

أُقيمت الأمسية بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الجمعية النسائية الأرمنية في كندا. تخلل البرنامج نشاطات عديدة أهمها محاضرة د. بيليكيان، الذي له تاريخ مع الثقافات والفنون. هو أستاذ جامعي في علم الموسيقى (مجال تخصصه) والرسم، مغن أوبرا، باحث وكاتب وشاعر. له مطبوعات عديدة بالأرمنية والانكليزية وهو ناشط أيضا في عدة منظمات تعنى بحقوق الإنسان.

 

بعد استماعي للمحاضرة (وإن بالأرمنية التي لا أفقه فيها الا أغنية "ساريري" للمطربة لينا شاماميان) ومشاهدتي للرسومات الرائعة التي عُرِضت، قررتُ أن أحاور د. بيليكيان الآتي من ضباب لندن إلى خريفنا المونتريالي الساكن بعض الشيء. بالرغم من اتقانه للغة العربية الا انه فضل ان يتحدث بالانكليزية ممازحني "سأوفر عليك فك رموز لهجتي العراقية-اللبنانية إضافة الى الفصحى أيضاً".

 

هو معترض على الحروب التي تحرق العالم ولكنه يؤمن بأن الوعي الثقافي والفني لدى المثقفين وأكبر عدد ممكن من الناس، سيكون هو الأقوى وفي النهاية هو الذي سينتصر على الجهل والتخلف ولو بعد حين أو ربما بعد أجيال وأجيال .. هو متمسك بالضوء الذي يراه في نهاية النفق، فكان اللقاء معه مشحوناً بأحلام جديدة متفائلة.

 

من المعروف أن علاقة وطيدة كانت تربط بين الحضارة الأرمنية وحضارات بلاد ما بين النهرين وذلك استناداً على عدد وفير من المخطوطات القديمة الشاهدة على عدة محطات ميثولوجية وتاريخية. فهل تكون هي السبب الذي دفع بزابيل بوياجيان وخاتشادور بيليكيان الى البحث في "كلكامش" ملك الحياة والموت؟

 

"ملحمة كلكامش" عرفتني على الكاتبة الأرمنية زابيل بوياجيان

 

أثناء اللقاء مع الدكتور بيليكيان 

 

كيف ارتبط اسم الكاتبة والفنانة التشكيلية الأرمنية زابيل بوياجيان (1872-1957) بملحمة كلكامش؟

ولدت زابيل سنة 1872 في دياربكر من أم بريطانية وأب أرمني. كان والدها قنصل بريطانيا آنذاك، غير أن مركزه الدبلوماسي لم يشفع به، فقُتِلَ في المذابح الأرمنية الأولى سنة 1892. عادت زابيل مع والدتها إلى بريطانيا حيث عاشت بقية حياتها وماتت في لندن سنة 1957. أما ارتباطها بالملحمة فجاء من خلال إطلاعها على النصوص الميتولوجية وقصائد الكاتب والمؤرخ الأرمني آرام رافي. في كتبه الصادرة سنة 1916، يذكر الكاتب "همبابا" حارس غابة الأرز المذكورة في ملحمة كلكامش وأحداثاً أخرى مثل اقتلاع كلكامش لأشجار الأرز. يكشف رافي عن خطين متوازيين تتشابه وتتقاطع على ضفافهما أحداث ومحطات وشخصيات موجودة في كلكامش وفي الميتولوجيا الأرمنية كملحمة ديفيد ساسون. من أهم عناصر التشابه مخاطبة كلكامش وانكيدو للجبال طالبين منها أن تهبهما الحلم. نحن ندرك أن سومر هي منطقة غير جبلية. هذه الصور والمشاهد موجودة في الملحمة الأرمنية أيضاً. أعتقد ان تلك المقارنة أثارت حشرية زابيل بوياجيان ورغبتها في الغوص بملحمة كلكامش. إن معرفتها بمثقفي لندن وإطلاعها على المصادر التاريخية المخزنة في المكتبات العامة هي التي شحنت لغتها الإبداعية وخيالها وتحليلاتها ورسوماتها. من المعروف ايضاً أن علاقة قوية كانت تربطها بأخ الكاتب وزوجته الذين هاجرا من جورجيا سنة 1855 ليستقرا في لندن. قصة حب قوية جمعت بين زابيل وآرام رافي ولكنها لم تتكلل بالزواج بسبب وفاته عام 1919 وهو في الـ 43 من عمره. لم ترتبط من بعده وانكبت على ترجمة معظم نصوصه وقصائده التي تركها وراءه ثروةً أدبيةً مهمةً خصّ بها الحضارة الأرمنية وتواصلها مع الشعوب الأخرى، أهمها حضارات بلاد ما بين النهرين. إذن نصوص آرام رافي هي التي فتحت أمام زابيل بوياجيان أبواب عالم "ملحمة كلكامش" التي قرأت عنها للمرة الأولى في نصوصه فغاصت فيها وقارنت رموزها مع الميتولوجيا الأرمنية ورسمت لوحات رائعة تعكس التوارث والتقاطع الحضاري للشعوب. من الجدير ذكره أن آرام رافي كتب عن كلكامش قبل أن تُتَرجَم كل الألواح بين 1929-1930. في ذلك الوقت كان جورج سميث قد أتمَّ ترجمة نص الطوفان فقط الذي فُكَّت رموزه سنة 1872. من المعروف أيضا، وهذا أمر مهم جدا، ان تاريخ ملحمة كلكامش يسبق الأوديسا اليونانية بحوالي 1500 سنة.

 

بصورة عامة، تنطلق الملحمة الأدبية بنصوص شفهية تتناقلها الشعوب من جيل الى جيل، من حقبة الى حقبة، الى أن يكتبها مؤرخ، كاتب أو أديب. فما هو الرابط الأدبي والتاريخي لملحمتي كلكامش النهرينية ودايفد ساسون الأرمنية؟

مثلما ذكرت طبعاً هما ملحمتان ترويان أسطورة بطل في كل منهما، كلكامش في اوروك السومرية ودايفد في ساسون الأرمنية. هذا البطل يعبِّر عن قوة آلهة السماء وسحر جمال الأرض وطبيعتها. هو الإله-الإنسان الذي يجمع الخير والشر، هو البحث في أسرار الحياة والموت، هو يروي ويسلسل تاريخ شعبه وأصله مثل دافيد ساسون مثلاً... هذا ونجد رموزاً كثيرة مأخوذة من النصوص الميتولوجية ومذكورة في كتب تسمى "دينية"، مثل نص الطوفان المنقول من كلكامش الى التوراة (العهد القديم). لو بحثنا في هذا الأمر لطال الحديث. أما عناصر التلاقي بين الملحمتين فهي كثيرة، منها تشابه الأمكنة وذكرها في النصوص، أذكر على سبيل المثال ما قلته سابقاً عن ذكر كلكامش وانكيدو للجبال والذي في ملحمة ساسون هو جبل آرارات حيث وجدت آثار لسفينة نوح أي حادثة الطوفان المذكورة في كلكامش. التقاطعات كثيرة تظهر بوضوح في اللوحات والرسومات ايضاً.

 

لماذا اخترت زابيل بوياجيان وكلكامش عنواناً للمحاضرة؟

أولاً، وُجِهَت لي الدعوة للمشاركة بهذه الأمسية من "الجمعية النسائية الأرمنية في كندا" فكان من الطبيعي أن أحاضر عن امرأة تركت أثراً مهماً في الثقافة والأدب الأرمني. واخترت زابيل بوياجيان لأنها كانت امرأة نادرة وتركت لنا أعمالاً نادرة وقيمة جداً. مع الأسف هي لم تأخذ حقها كما يجب في حياتها، فأرى من واجبنا كأرمن أن نحافظ على تراثها الأدبي والفني وأن نتكلم ونكتب عنها. وأحب أن أضيف بأني اكتشفتُ أعمال زابيل الأدبية والفنية من خلال بحثي وقراءاتي عن ملحمة كلكامش. إذ إن زابيل هي من كتاب وفنانين عصرها النادرين الذين كتبوا في ذلك الزمن عن كلكامش، بالإضافة الى المقارنات التحليلية-الفرضية التي تجرأت أن تعبر عنها في نصوصها ولوحاتها. اخترتُ زابيل فكان اللقاء جميلاً بين كلكامش ودافيد ساسون وآرام رافي أيضاً الذي كتب الكثير عن الملحمتين. وفي عام 1957 كنت قد قرات في مجلة نسائية أرمنية مقالاً عن زابيل بوياجيان ولكني لم أتوقع حينذاك أن تكون بهذا المستوى فلم أتوقف عند نصوصها بعمق. شاءت الظروف أن أعود الى رسوماتها وقصائدها ونصوصها الأدبية وأعمالها المسرحية أيضاً كالتي تروي عن لقاء كلكامش بنوح في جبل آرارات مثلاً، وغيرها... غصتُ في أعمالها وقررت ان أكتب وأتكلم عنها لأنها أثرت التراث الأدبي والفني الأرمني وغير الأرمني، مثل الأدب الانكليزي مثلاً. هي لم تترجم فقط أفضل وأهم النصوص الأدبية والتاريخية الأرمنية إنما اهتمت بالحضارات ومررت بواسطة أعمالها رسائل شتى تنقل التراجيديا الإنسانية من زمن الى زمن. ليس غريباً أن نتكلم عنها اليوم فالطبقة المثقفة في بريطانيا كانت تحترمها وتقدر أعمالها كثيرا بحيث انها دُعِيت لإلقاء كلمة في إحتفالية ذكرى شكسبير الـ 300 ، فكتبت قصيدة مطولة للمناسبة.

 

مدينة الموصل هي مسقط رأسي

 

ما رأيك بالأحداث الأخيرة التي وقعت في الموصل مسقط رأسك؟

الدكتور خاتشادور بيليكيان يحدثنا عن كلكامش في لغة ورسومات الكاتبة الأرمنية زابيل بوياجيان مع الأسف ما حصل في الموصل كان متوقعاً لا بل أتوقع الأسوأ في المنطقة. الجرائم التي تُرتكب بإسم الدين والأديان لا تُغتفر ولا تواجه الا بوعي شعبي ونهضة ثقافية وفنية تتصدى لما يسمى بالعولمة والتي ليست سوى "أمركة" للعالم. إن الرأسمالية التي تدير العالم اليوم أدت الى أزمة إقتصادية مدمرة للدول الفقيرة والغنية معاً. تصوري ان 44000 طفل يموتون كل عام بسبب الجوع. فهل هذا معقول ومقبول؟ لا طبعا، ليس في الأمر اي عدل. أضيف الى ذلك كل ما نشهده من انفلات عقائدي وديني مرعب. أحزنني جداً ما حصل في لبنان وما يحصل في العراق وأدعو هؤلاء المتطرفين الذين يدَّعون التحرك بإسم الدين الى أن يطلعوا على نصوصهم كما يجب. أحب أن أذكرهم بآية وردت في الحديث الشريف : ۸۳ - يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء.الحل هو في العلم والفكر وتوسيع الآفاق، وليس في الجهل والتخلف الذين يؤديا إلى التطرف. هناك مؤامرات متتالية تتنقل من منطقة الى أخرى. فلسطين، لبنان، يوغسلافيا، أفغانستان، العراق، والآن نضيف الترقب الذي يخيم على جورجيا واوسيتيا واللائحة طويلة. لكن مهما طال الزمن سيأتي يوم ويُحاكم فيه كل من ارتكب جريمة ضد الإنسانية، ولو بعد حين.

 

في السنوات الخمس الأخيرة، نلحظ التفاتة خاصة و"صحوة" إذا صح التعبير في ما يخص الحضارات القديمة، من قبل بعض المثقفين والمجلات المتخصصة بالتاريخ والأديان. هل تعتقد بأنها ردة فعل على التطرف الديني الذي يمزق العالم؟

طبعاً قد تكون ردة فعل. وهذا شيء جيد ويدعو إلى الأمل. إني متفائل بالرغم من كل ما يدور من تجاوزات وانتهاكات ومصائب. ما يميِّز الإنسان عن المخلوقات الأخرى هي ذاكرته. لو نسينا تاريخنا القديم والجديد وثقافاتنا لما تبقى أي ذكرى لأي إنسان على الأرض. الحفاظ على تاريخ حضاراتنا يعني الحفاظ على ذاكراتنا الإنسانية وإلا أصبحنا كالنبات وكالحيوانات، نأكل نشرب وننام إلى أن نموت ونضمحل ولا يبقى لنا أي أثر. إن دماغ الإنسان وتكوينه الفيزيولوجي يرفض هذا النمط لهذا السبب ذاكرتنا تعمل دائماً وتسجل. مهم جداً أن نبحث عن الجذور والأصل كي نفهم الأحداث التاريخية ومتغيراتها فنتمكن بعد ذلك من قراءة المستقبل. الكتابة أو البحث في الحضارات القديمة هو دليل جيد وايجابي. البحث في الجذور يجمع الشعوب بسبب تقاطع وتشابه حضاراتها وتاريخها. هناك دائماً من سيتفوقون على زمنهم فيعودون إلى الماضي ويستخلصون منه الأفضل كي يتركوا للمستقبل أعمالاً تخلدهم، مثل زابيل بوياجان وغيرها... وهذا ما يدعوني إلى التفاؤل بالرغم من كل شيء.

 

كان الحديث مع د. بيليكيان مطولاً وشيقاً، تناولنا مواضيع كثيرة ومتعددة عن السياسة والأنظمة الإقتصادية وبالأخص الرأسمالية التي تستأثر بالعالم والتي حسب رأيه لا تدمر فقط الإقتصاد العالمي وإنما الآداب وفنونها بواسطة إغراءاتها لبعض المثقفين. إستخلصتُ من حوارنا قناعات كثيرة، أهمها أن الحروب لا تستخدم الأسلحة الحربية فقط وإنما تغتال الشعوب أيضاً بتشويهها واسترخاصها لآدابها وفنونها. علينا أن نحذر من السياسات التي تهدف الى تعطيل وتفريغ ذاكرتنا فنموت ونحن أحياء.

 

الصور:

1) لقاء مع الدكتور خاتشادور بيليكيان

2) كلكامش بريشة زابيل بوياجيان

 

المصدر: "عراق الغد"، 09 نوفمبر ٢٠٠٨

http://www.iraqoftomorrow.org/wesima_articles/Iraqiat-20081109-61359.html

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:2290

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web