ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: قضايا للمناقشة
الاتراك يواجهون إلحاح المسألة الارمنية

2009-04-30 22:45:52

د. بشير موسى النافعد. بشير موسى نافع*

 

قبل أسابع قليلة من نهاية العام الماضي، قام ثلاثة من المثقفين الأتراك بكتابة بيان يعتذرون فيه عن "المذبحة" التي طالت الأرمن العثمانيين في 1915، ويبرئون فيه ضمائرهم من التنكر للكارثة الأرمنية. خلال فترة قصيرة، انضمت مجموعة أخرى من المثقفين للثلاثة الذين أعدوا البيان، الذي وضع على موقع إلكتروني، بهدف فتح المجال لأكبر عدد ممكن من أنباء الشعب التركي لتوقيعه. طبقا لمصادر صحافية تركية، وصل عدد الموقعين على البيان زهاء العشرين ألف مواطن.

 

ما لوحظ على البيان، في صورة خاصة، أنه استخدم في وصفه لأحداث 1915 كلمات مثل "مذبحة" أو "كارثة إنسانية" ولم يستخدم مصطلح "الإبادة الجماعية" الذي يريد القوميون الأرمن للعالم (وللدولة التركية) أن تعترف به.

 

الملاحظة الثانية، أن ما يقصده البيان من التنكر للكارثة التي أصابت الأرمن في سنوات الحرب الأولى يستبطن إدانة للدولة والرأي العام التركيين، لرفض تركيا الاعتراف بوقوع ما يمكن وصفه بإبادة جماعية مخططة للأرمن أو لضرورة اعتذار الدولة الجمهورية عما وقع للأرمن.

 

خلال أيام من نشر البيان، اندلعت في تركيا أزمة اشتباك سياسي، لا يمكن تفسيرها إلا بعمق المعضلة القومية في تركيا الجمهورية، وحجم الاستقطاب الذي يحيط بمسألتي الأمة والدولة.

 

جاء رد الفعل الأولي من أوساط الحزب القومي، الذي هاجم المثقفين الذين أعدوا البيان ووقعوا عليه، ووصف البيان بأنه إهانة للأمة التركية. ولكن المفارقة كانت في اختلاف موقفي رئيس الوزراء، طيب رجب أردوغان، ورئيس الجمهورية، عبدالله غول، الصديقين القديمين اللذين أسسا حزب العدالة والتنمية الحاكم. كما موقف قيادة الجيش، استنكر رئيس الوزراء مبادرة المثقفين الأتراك، وقال ان ليس هناك ما يعتذر عنه. أما رئيس الجمهورية فقال في تصريح له: 'أعتقد أن الحوار هو الحل للمشاكل مع جيراننا. تأبيد المشاكل لن يفيد أحداً.' كان من الممكن أن يمر هذا الجدل بسرعة لولا التدخل الذي قامت به النائبة البرلمانية عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، جنان أرتمان، التي شنت هجوماً عاصفاً على رئيس الجمهورية، مدعية أن تعاطفه مع البيان ومعديه يمكن تفسيره بأصول والدة غول الأرمنية. بالرغم من النزعة الديمقراطية للرئيس، فإن تركياً لا يقبل أن توصف والدته بأنها أرمنية؛ هذا، إضافة إلى أن تصريح أرتمان يستبطن تشكيكاً في ولاء الرئيس الوطني. وسرعان ما أصدرت عائلة الرئيس بياناً ردت فيه على ادعاءات أرتمان، مؤكدة على الأصول التركية لعائلة غول؛ كما أصدر الرئيس نفسه بياناً منفصلاً، قال فيه أنه يحترم الخلفيات الإثنية ومختلف الاعتقادات والأواصر العائلية لكافة مواطنيه، وانه يرى هذا التنوع والاختلاف باعتباره واقعاً ومصدراً لثراء الوطن التركي بتاريخه الإمبراطوري. أكد غول على أن عائلة أمه، ساتوغلو، كما عائلة أبيه، هم أتراك من مدينة قيصرية، كما تثبت مصادر سلالات المدينة منذ قرون.

 

كان حزب الشعب الجمهورية قد أعلن عدم اتفاقه مع تصريحات نائبته، ولكن الحزب لم يتخذ أي إجراء تأديبي بحقها، وهو ما دفع عدداً من المعلقين باتهام قيادة الشعب الجمهوري بالجبن والتواطؤ، مطالبين بطرد أرتمان من صفوف الحزب. ولكن أرتمان لم ترتدع. وفي كلمتها أمام مؤتمر حزبها السنوي، قالت أرتمان: "أنا لم أطلب من الرئيس أبداً أن يعلن خلفيته السلالية. كل ما طلبته ان يقوم بحماية الأمة والدولة، وهي المهمة التي أوكله بها الدستور. لماذا لا يأخذ الرئيس موقفاً كالموقف المبدئي الذي أظهره رئيس الوزراء؟".

 

الجدل التركي حول المسألة الأرمنية استمر طوال الشهور الأولى من هذا العام، سيما على خلفية من زيارة الرئيس أوباما لتركيا، وهو الذي كان وعد أثناء حملته الانتخابية بإدانة 'الإبادة العرقية' المدعاة التي تعرض لها الأرمن. قبل أيام قليلة، أصدر أوباما رسالته حول المسألة في الذكرى السنوية لإحيائها، مستخدماً مصطلح 'المجازر' وليس 'الإبادة الجماعية'. هذا التراجع من أوباما لم يكن كافياً لإرضاء الحكومة التركية، التي أشارت على وجه الخصوص إلى خلو رسالة أوباما من المذابح التي تعرض لها المسلمون العثمانيون؛ وأصاب القوميين الأرمن بخيبة الأمل، بالطبع.

 

في الوقت نفسه كانت أنقرة تعلن عن الاتفاق على 'خارطة طريق' مع الجمهورية الأرمنية المجاورة لبدء محادثات ثنائية، تؤدي في النهاية إلى تطبيع العلاقات بين البلدين. أوباما كان بالتأكيد على اطلاع على تقدم المباحثات بين البلدين، وهو الذي يعمل على إعادة بناء العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وتركيا، مما دفعه ربما إلى تجنب استفزاز الأتراك باستخدام مصطلح الإبادة.

 

في أحد وجوهها، تبدو المسألة الأرمنية شأناً تاريخياً أكاديمياً بحتاً. فمنذ بداية عصر التحديث العثماني في منتصف القرن التاسع عشر، شهد شرق الأناضول انفجار توترات متفرقة بين السكان الأرمن المسيحيين والأكراد والأتراك المسلمين. عادت أسباب التوتر إلى نشاطات العناصر القومية الأرمنية على الجانب الروسي من الحدود العثمانية ـ الروسية، أو إلى النشاطات المتزايدة للمبشرين الغربيين، أو إلى الأجواء القومية للقرن التاسع عشر، والأساطير التي رافقت ولادة الفكرة القومية. ولكن ما شهدته سنوات الحرب الأولى كان شيئاً آخر مختلفاً تماماً. فبعد فشل الهجوم العثماني على روسيا، وبداية اهتزاز وضع السلطنة العسكري، أخذت المنظمات القومية الأرمنية، بتشجيع ودعم روسي، في تسليح مجموعات أرمنية عثمانية للعمل على تقويض الجهد العسكري العثماني. ولأن مناخ العلاقات بين الطوائف والأعراق في المنطقة لم يكن صحياً، انتشرت الفوضى المسلحة، وهوجمت قرى كردية وتركية وأرمنية. في نهاية 1915 وبداية 1916، تعهدت سلطات الحكم العثماني، الذي كانت تقوده جمعية الاتحاد والترقي، نقل أغلبية السكان الأرمن من مناطق تواجدهم في منطقة شرق وشمال شرق الأناضول، المستهدفة من الروس، إلى الجنوب والجنوب الغربي، بينما هاجر آخرون إلى منطقة القوقاز الروسية. ما حدث خلال عملية النقل القسري الهائلة، أو الهجرة، التي تمت في شهور شتاء قارس وأجواء حرب مدمرة، أن عشرات وربما عدة مئات ألوف من الأرمن لقوا حتفهم.

 

السؤال الذي ما يزال محل خلاف بين مؤرخي تلك الحقبة يتعلق بما إن كان هناك تخطيط مسبق من قادة حكومة الاتحاد والترقي (سيما وزارة الداخلية) للقضاء على أكبر عدد ممكن من المواطنين العثمانيين الأرمن، وليس مجرد نقلهم من أماكن سكنهم، وهو الموقف الذي تتبناه الحركة القومية الأرمنية في جمهورية أرمينيا وفي كافة أنحاء العالم، ويوافقهم فيه عدد من المؤرخين وبعض الأوساط الغربية السياسية، بما في ذلك البرلمان الفرنسي. يستدعي هذا السؤال، بالطبع، أسئلة أخرى، مثل ما إن كانت الدولة الجمهورية التركية الوريث الشرعي للحكم العثماني، وتتحمل بالتالي المسؤولية الأخلاقية عن الكارثة الأرمنية، وربما حتى ما هو أكبر من المسؤولية الأخلاقية. القطاع الأكبر من الأتراك، سياسيين وأكاديميين ورأياً عاماً، ترفض فكرة اتهام الإبادة الجماعية المخططة أو ترفض مسؤولية الجمهورية عن أحداث وقعت في زمن وعلى يد نظام حكم مختلف. بل أن ثمة أدلة متزايدة، يقرها عدد من المؤرخين الغربيين، على أن عدد ضحايا العثمانيين المسلمين، من أتراك وأكراد، في جنوب وجنوب شرق الأناضول، على يد المسلحين القوميين الأرمن، لم يقل عن عدد الضحايا الأرمن. أما الموقف الحكومي التركي الرسمي فتمثل في دعوة اردوغان إلى فتح كل ملفات الأرشيف العثماني التاريخي للجنة مشتركة من المؤرخين الأرمن والأتراك للتحقيق في أحداث تلك الحقبة والفصل في حقيقة ما جرى.

 

المدهش، أن أعلى الأصوات المناهضة لبيان المثقفين الأتراك ولجهود اردوغان للتطبيع مع أرمينيا لم تأت من الدوائر القومية المحافظة وحسب، بل ومن القوميين العلمانيين، الذين لا ينظرون إلى الميراث العثماني نظرة عطف على أية حال. فالخلاف التركي حول المسألة الأرمنية في جوهره ليس خلافاً حول الانتماء العثماني، ولكنه خلاف حول الانتماء القومي للأمة التركية. تقوم الثقافة القومية التركية في نسختها الكلاسيكية المكرسة على رؤية أحادية، شمولية، نافية للتعدد، رؤية تفترض ارتباطاً حيوياً بين وجود الأمة التركية ووجود الدولة. المس بكيان الدولة، بمسوغاتها السياسية والأخلاقية، هو مس بكيان الأمة. وليست المسألة الأرمنية، بغض النظر عن صور التعبير عنها، فحسب ما يشكل تهديداً للدولة والأمة، ولكن المسألة الكردية كذلك، بل وحتى الاتحاد الأوروبي. ولأن الشعب التركي، ككل شعوب المنطقة، متعدد إثنياً، فإن القوميين الأتراك يعيشون مناخاً ثقيلاً من الشعور بالتهديد. ما لا يريد قطاع واسع من القوميين الأتراك أن يراه أن هذه الرؤية للهوية التركية، وهذا التلازم المصيري المفترض بين الأمة والدولة، يتطلبان مراجعة جديدة، يتطلبان إعادة إنشاء، إن صح التعبير. الفكرة القومية في نسختها الراديكالية النافية لم تكن وبالاً على شعوب البلقان وحسب، بل هي مصدر كثير من القلق وعدم الاستقرار في كل الفضاء الآسيوي الإسلامي، من شواطئ البوسفور إلى جبال الهمالايا. على القوميين الأرمن، من جهة أخرى، أن يدركوا أن الموقف من أحداث 1915 - 1916 لا يمكن ان يحسم بحملات الدعاية ومجموعات الضغط، وأن المسألة في النهاية لا بد أن توضع في أيدي مؤرخين مختصين. لا أرمينيا ولا الحركة القومية الأرمينية يمكن أن تخضع الإرادة التركية؛ وعلاقات طبيعية بين البلدين الجارين ستفيد كليهما.

 

قبل سنوات، نشر المؤرخ الأمريكي ديفيد فرومكين تاريخاً للحرب العالمية الأولى ونتائجها في المسرح الشرق أوسطي، تحت عنوان 'سلام ينهي كل سلام'. ما قصده فرومكين أن التسوية الغربية للحرب في الشرق الأوسط لم تأت إلا بسلسلة حروب وفقدان دائم للاستقرار. بعد تسعين عاماً على انهياره، لم يستطع أي من النظم الوليدة الارتقاء إلى مستوى السلم الأهلي والاستقرار الذي أقامه النظام العثماني، بكل عيوبه المسجلة. هذا النظام انتهى، بالطبع، ولا تمكن استعادته؛ ولكن ثمة حاجة ملحة لاستعادة عناصر القوة والاستقرار التي ميزته. هذه المنطقة من العالم تتطلب، وتتوسل، الخروج من الجدارات القومية الخانقة، والمولدة للانقسام والعنف والصراع الداخلي.

 

*كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

 

المصدر: "القدس العربي"، لندن، 30 أبريل 2009

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today%5C29qpt79.htm

 

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1454

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web