ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: تراث
البيت الأرمني

2009-05-23 05:23:16

بقلم آرا  سوفاليان

 

طلب مني إعداد هذه الدراسة البسيطة وأنا أعترف بأني لست ضليعاً في هذه المسألة لكن يمكن لي أن أنقل مشاهداتي وما قرأته في الكتب ، وللدخول في هذا السرد لا بد من التوضيح الآتي:

 

الأرمن كشعب مهجَّر خضع لإبادة مروعة، وعاش مرحلتين أساسيتين، بمعنى في طريقتي عيش متباينتين وطريقتي بناء بيوت ومعيشة مختلفتين كل الاختلاف، الأولى قبل التهجير والإبادة والثانية بعدهما.

 

ففي الموطن التاريخي للأرمن والممتد من جبال القوقاز في الشمال الشرقي لآسيا الصغرى وعلى تخوم جورجيا من الشمال وأذربيجان من الشرق وإيران من الجنوب وحتى آراكس وآراراد حيث الحدود الحالية لجمهورية أرمينيا مع تركيا من جهة الغرب فإن هناك شكل هندسي للبناء ونمط معيشة يتعلقان بهذه المنطقة الباردة نسبياً، ففي هذه المنطقة التي يغلب عليها الطابع الجبلي فإن البيوت هي حجرية ضخمة وتتألف من طابق واحد وسطح وقبو وبئر ماء زلال وفرن تنور، ويكون للبيت سور حجري مرتفع وباب خشبي ضخم يوصد ليلاً في أيام السلم ويوصد دوماً في أيام الحرب والقلاقل وما أكثرها!... الباب يفضي إلى ساحة الدار الداخلية  وهي مساحة فضاء يتم فيها الاحتفال بالمناسبات التي تتعلق بالعائلة صاحبة الدار وكان يطلق على الدار اسم دار العائلة ويكنَّى بكنيتها مع إضافة علامة الجمع.

 

ففي مدينة آرابكير التي كانت تعود لولاية خاربيت (خربوط)، وهي البلدة التي جاء منها من بقي على قيد الحياة بعد الإبادة في العام 1915 من آل سوفاليان وهم 3 أطفال فقط كان منزل آل سوفاليان يطلق عليه عبارة Souvaliannerou dan أي منزل آل سوفاليان، وكان صاحب المنزل يرثه عن والده ويورثه إلى أبنائه، ويطيب له أن يزوج أولاده فيه ليعيشوا في ظلِّه هم وزوجاتهم وأولادهم وكان الخروج عن الأب والاستقلال يعتبر أمراً معيباً.

 

في باحة الدار الداخلية وفي مواجهة الباب الموصل إلى داخل البيت كانت هناك بحرة ماء تسمح بأن تدور حولها عربة تجرها الجياد وفي جهة اليمين بئر الماء الذي كانت تعلوه البَكَرة والحبل والسطل والذراع المحرك والسطح القرميدي، إلى أن درجت مسألة تركيب المضخة المعدنية ذات الذراع المفردة، وللساحة السماوية هذه شأن في الحفلات والمناسبات وفي سهرات أيام السبت حيث كان رب الدار يولِمْ... ويدعوا الأقرباء والأصدقاء فتتم حفلات الشواء والرقص والغناء حول النار بمصاحبة جوقة مؤلفة من ضاربي الطبل Dohol ونافخي المزمار Zorna والـ Doudoug والـ Shevig وهي آلات تشبه المزمار ولكن بشكل أصغر وبفتحة تشبه البوق أو مزمار على شكل الشبَّابة القصيرة الرفيعة التي يمكن بواسطتها عزف الألحان الحادة وتقليد صوت العصافير.

 

وغالباً كان الافتتاح يتم من قبل رب الدار وبرقصة على الحصان أمام نار موقدة، وكانت الأحصنة مدربة وتجيد الرقص على الإيقاعات والألحان الأرمنية وهي إيقاعات وألحان خاصة لا يجيدها إلاَّ الأرمن.

 

شواء الحملان هو الطبق الرئيسي في المناسبات، وعلى عكس عادات الشعوب المجاورة حيث يجلس رب الأسرة إلى المائدة وحوله أبناؤه الذكور أولاً، فيتناولون الطعام وينتهوا منه ليجلس فيما بعد النساء والأطفال، فإن الحال هو غير ذلك عند الأرمن، حيث يمنع تناول الطعام من قدر مشترك، ويمنع تناول الطعام في وضع القرفصاء ولا يوضع الطعام على بساط ولا على سجادة بل على الطاولات، ولكلٍ صحنه وملعقته وشوكته وكوب الماء للصغار وكوب الشراب للكبار.

 

وتفتتح الموائد من قبل رجل الدين ويبارك الطعام ويصلى عليه قبل تناول ويحمد الله على نعمه، وإذا تصادف وجود أكثر من رجل دين، فيتولى المهمة صاحب الرتبة الأعلى والناس وقوفاً كبار وصغار.

 

وتكون الأولوية للأطفال حيث تفرش لهم طاولة مخصصة أو عدة طاولات تم دمجها... ويتناولون الطعام أولاً ويهتم بهم النساء فكل أم تخدم أطفالها والكنّة الكبيرة تخدم الجميع والأولوية لمن فقدوا أمهاتهم أو آبائهم، وبعد أن ينتهي الصغار من تناول الطعام توضع لهم الحلويات والفاكهة، يأتي دور الكبار ويتم إحضار آنية الطعام الكبيرة من المطبخ  ولا بد من وجود منسف الخروف المكتف المحشي بالأرز والصنوبر والمكسرات بالإضافة لأطباق اللحم المشوي المجللة بغطاء من الشطة الحمراء الحارة والكبب Kufta والمحاشي   Dolma كالكوسا المحشية بالأرز واللحم والشطة الحارة، أو الباذنجان المحشي بالبرغل واللحمة المفرومة المجبولة بالشطة الحارة والجوز.

 

وفي الحفلات والمناسبات كالزواج والخطبة والعماد والصوم والفصح والعنصرة ورأس السنة وعيد الميلاد فإن المناسبة وأهميتها تفرض نوعية الطعام ومقداره كأن يكون عادي أو يخص الصيام حيث يمنع أن يكون فيه أي من المشتقات الحيوانية.

 

وفي عيد الصليب فقط يكون هناك صحن موحد يعرفه كل الأرمن منذ القدم في موطنهم الأصلي وفي المغترب وهو صحن طعام يدعى الـ Djadabour  ويعتبر هذا الطعام من اغرب أنواع الأطعمة في العالم من حيث فترة الإعداد وطريقة التحضير حيث يبدأ الطهو وفي حلل ضخمة منذ المساء وينتهي الطبخ في ظهيرة اليوم التالي، وهو عبارة عن حلة نحاسية كبيرة جداً وعميقة يوضع فيها لحم خروف أو خروفين وكل خروف مقسَّم إلى أربعة أقسام ويتم الاهتمام باللحمة المدهنة، وتتم إضافة القمح المقشور والماء، ويتم الطهي على نار هادئة للغاية وتحريك المزيج بملاعق خشبية ضخمة دون توقف ويتناوب النساء على التحريك حتى ظهيرة اليوم التالي والنتيجة هي انفصال اللحم عن العظم وذوبانه التام في المزيج، ولا يؤكل مع هذا الطبق أي طعامٍ آخر.

 

أما الفواكه والحلويات التي تقدم بعد الطعام فهي لا تُعدْ  ولا تحصى ويختلط فيها النقل بالمشموم ومن أطيب أنواع المكسرات كالفستق الحلبي والجوز واللوز والبندق والفستق العبيد وجوز الهند المحلّى والتين والمشمش المجففين والزبيب والأشلميش والبستيق والملبن،  والمربيات كمعقود زهر الورد ومعقود المشمش ومعقود الكبّاد ومعقود النانرج والحلويات وأهمها الغريبة بالقشطة والغريبة بالفستق والبرازق والكنافة الخشنة المصنوعة في صواني النحاس على شكل طبقتين تتوسطهما حشوة من الجوز البلدي المتبّلة بالسكر والقرفة وماء الزهر، والمعمول بأنواعه مزين بالنقوش ومجلل بدقيق السكر الناصع البياض، وكعكة خاصة اسمها الـ Kata  مصنوعة من الدقيق الخشن والمكسرات والزبيب، وشراب التمر وشراب ماء الورد والقهوة.

 

ولكل هذه الخيرات مصدر واحد وهو المخزن القبو Kedni dag Marane حيث جرار السمنMan Youghi والعسل والقمح والعدس والسميد والأرز والقمح المجروش والبرغل والفريك، والمكسرات والنقل والمشموم مروراً ببراميل النبيذ الخشبية والكونياك ووصولاً إلى الأرزاق التي لا يمكن تخزينها إلاَّ لمددٍ وجيزة.

 

أما ورشة العمل فهي في المطبخ وباب المطبخ هو غالباً الباب الثاني على اليمين بعد دخول باب البيت الذي يتم الوصول إليه بالصعود درجة أو درجتين أو ثلاثة وهو الباب المواجه دوماً لبحرة الماء.

 

وتصطف أبواب الغرف من جهة اليمين ومن جهة اليسار وتتوزع على ساكنيها (الأبناء المتزوجين) حسب الأهمية التي تزداد بالابتعاد عن الباب الرئيسي، أما القاعة الرئيسية فهي قاعة الاستقبال، قسمها الأقرب إلى الباب مخصص لمائدة الطعام الكبيرة والموائد الملحقة للصغار، وفي الصدر قوس كبير من الحجارة تحته ديوان كبير ووسائد يجلس في ناحيته اليسرى رب البيت وضيفه إلى جهة اليمين ويوجد موقدان يعملان على الحطب في الزاويتين ولا بد من فرش المكان بالسجاد الأرمني الفاخر والطنافس المغطاة بفرو الخراف أو الغزلان، في وسط هذه الغرفة التي تسمى القاعة الرئيسية وعلى اليمين واليسار هناك بابين متميزين وفيهما رواقين الأول نازل والثاني صاعد اليميني منهما يوصل إلى غرفة القبو حيث يتم الاحتفاظ بالمؤونة وهي الغرفة التي سبق تسميتها بغرفة الجرار والنبيذ، واليساري يوصل إلى غرفة الحطب حيث يتم تخزين مؤونة تكفي لشتاء كامل ويتم فيها عزل الأخشاب حسب الحاجة فهناك خشب الصندل والسرو والصنوبر والزيتون وبعض الأخشاب العطرية التي تستعمل في التدفئة وتلك الجافة التي تستعمل في حاجات الطبخ، أما الرواقين الصاعدين فيفضيان إلى السطح حيث الشقوق المشبعة بالزفت والمدحلة المخصصة لترميم السطح، وكان يحظر على الأطفال الصعود إلى السطح الذي كان يستعمل لأغراض تجفيف المحاصيل وتعقيمها وإعداد رب البندورة ورب الشطة والدبس وأنواع المربيات ، ونشر الغسيل وتنظيف الفرشات وتنجيدها.

 

أما الغرف الباقية فكلها للمنامة ولها بابين الأول من القاعة الرئيسية والثاني يفضي إلى الممر الدائري الذي يحيط بسور المنزل إلى الداخل حيث توجد في الخلف حديقة كبيرة مزروعة بأشجار الليمون والبرتقال والتوت والتفاح حيث يحلوا للأطفال اللهو والمرح ونصب الأراجيح أو التحلق حول التنّور وتناول شطائر الجبن المبسوس بالسمن وهي تخرج ساخنة من الفرن، وبالطبع كانت هناك عاملات للخبز تصل إحداهن ليل الجمعة لتعد العجين وتضع الخميرة فيه وتتركه لفجر اليوم التالي السبت حيث تعود بصحبة بناتها وتتولى معهم إعداد الخبز، وتفرغ من عملها وقت الغذاء.

 

وفي الزاوية اليسرى للحديقة الخلفية يوجد الحمَّام والمستراحات، أما الزاوية اليمنى ففيها الإسطبل والخيول ومخزن العلف الملحق.

 

وكان لا يسمح بإدخال الحيوانات كالغنم والأبقار إلى الدار ويمنع بناء الحظائر داخل الدور وفي جوارها بل تبنى بعيداً عنها في الأراضي الزراعية، وينظر إلى الروث كسماد للأرض ولا ينقل ولا يمسك بالأيدي ولا تصنع منه قوالب ولا يجفف ليستعمل في الموقد ولا يحرق في الدور بحيث يخرج الدخان المنبعث من فتحات في السقف كما جرت عليه العادة لدى الشعوب المجاورة.

 

وفي الهجرة الكبرى إلى الغرب عندما اضطر عدد كبير من الأرمن ترك ديارهم بسبب هجمات التتار والمغول وضياع الاستقلال نقلوا معهم هذه العادات ونمط العمران والبناء إلى الغرب وأسسوا مملكة هي مملكة كيليكيا وعاصمتها سيس وجعلوا لها كنيسة رسولية ونصبوا بطريرك شغل الكرسي الرسولي المقدس هناك.

 

وتبدلت بعض أساليب العمران لتواكب أساليب العمران في المدن حيث  المساحات الأقل وتم بناء الدور ذات الطابقين والغرف ذات الحجوم الأصغر وتم الاستغناء عن باحات الدور الأمامية والفسحة السماوية والحديقة الخلفية وكان البيت عبارة عن باب في زقاق يتم الولوج منه إلى أرض الديار وفي اليمين درج حجري يأخذ القاطنين إلى الغرف العليا ثم السطوح، وتم نقل الحمامات إلى داخل الدار، وتكرر نفس النهج في حارات الأرمن في استنبول وفي بعض المدن الهامة الأخرى.

 

في الغرب وبالتحديد في الاسكندرونة وجبل موسى وتمشياً مع الطبيعة الساحلية أحياناَ والجبلية أحيانا أخرى ولوجود البساتين والأراضي الخصبة والرطوبة العالية وظروف القرية  ومحصول أوراق التبغ وضرورة التجفيف والنشر في الشمس فلقد تم بعض التعديل على الدور التي صارت تتألف من أربعة غرف متراصة تحمل فوقها أربع غرف متماثلة وبينهما شرفة طويلة يصعد إليها بدرج خشبي ويستفاد من السطح بأعمال نشر أوراق التبغ وبعض المحاصيل الأخرى في الشمس لأغراض التجفيف والتعقيم.

 

وظلت الهناءة والسعادة تواكب نهارات تلك الأيام السعيدة و تضيء تلك الليالي الرغيدة التي كانت وأصحابها تتمتع بخصوصية وجمالية رائعة وحياة هادئة وهانئة إلى أن حكم القضاء بما حكم فتهدمت اللذات وتفرقت الجماعات.

 

فوجد الأرمن أنفسهم في الصحراء السورية، نفوس مشتتة وأثمال ممزقة حفاة عراة جياع أطفالهم يشحذون كسرة الخبز اليابس فلا يجدونها ويطلبون كأس الماء فلا يجدونه إلاَّ إذا دفعوا ثمنه... وكان ثمنه ليرة ذهبية.

 

وفي نهاية خط الترحيل و الإبادة الجماعية الكارثية تحولت بيوتهم إلى معسكر كبير في الصحراء مسيَّج بالأسلاك الشائكة وكان عابروا الطريق يرمون إليهم بكسر الخبز وببعض الأثمال ليلبسونها فلقد كانت غالبيتهم من النساء والشيوخ والأطفال، وانتهت الحرب وآلت بلاد الشام إلى آل هاشم وأستنفر الشريف حسين أبناءه الأمراء فهبوا لإغاثة الملهوف وحرروا الأرمن من معسكر الاعتقال في دير الزور وهرب من هرب من أفراد الحامية العثمانية وقتل من بقي وتم تدمير السكك الحديدية وعربات الخط الحديدي الحجازي التي استخدمها الجيش الألماني الحليف للجيش العثماني في الانسحاب، وتولى فائز الغصين الذي عاد من منفاه في ديار بكر والتحق بقوات الملك فيصل ملك سوريا وزكَّى الأرمن وعطف عليهم ونقل بؤسهم ومعاناتهم للشريف حسين الذي أصدر أمراً من الديوان الملكي الهاشمي يوجب إكرام وفادة الأرمن ومعاملتهم معاملة طيبة لأنهم أهل ذمة المسلمين الذين أوصى بهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: من أخذ عليهم عقال بعير كنت خصمه يوم القيامة.

 

في حلب وفي دمشق وجد الأرمن أنفسهم في غرف الخشب والصفيح وفي المخيمات وكان في دمشق قرب كنيسة الصليب المقدس في منطقة القصاع مخيم كبير للأرمن دعي بكامب خاتشير وخاتشير هذا أرمني ثري اشترى هذه الأرض من حكومة الاحتلال الفرنسية وكانت سوريا في المجمل واقعة تحت الاحتلال الفرنسي، ووهب هذه الأرض للأرمن الذين بنوا فيها بيوت الصفيح وفتحوا فيها ورشات صناعة الأحذية وهي الحرفة الوحيدة الممكنة المزاولة من قبل جماعات لا تملك رأس المال.

 

وتم شراء أرض صغيرة تقع بين حدائق الصوفانية  وجامع باب توما المطل على نهر بردى ونوافذه الشرقية تواجه مطحنة الحبوب التي كانت تدور أحجارها بفعل مياه النهر وبعد الحارة المؤدية إلى فرع نهر بردى الذي يدخل في حدائق الصوفانية فيقسمها إلى قسمين وتم إشادة كامب للأرمن هناك لم يبق طويلاً فلقد هجره أصحابه بعد فترة وجيزة.

 

وفي منطقة الباب الشرقي وخارج السور وفي الطريق نحو المقابر  كانت هذه المنطقة نائية ومخيفة وتقع خارج السور أي خارج منطقة الأمان وتحت سيطرة المجرمين وقطاع الطرق أنشأ الأرمن حارة لا زالت تسمى في قيود الدولة حتى اليوم حارة الأرمن وهي تلك الحارة الواقعة في مواجهة معمل بوظة أمية الشهير في دمشق منطقة الباب الشرقي، وكان آخر أرمني قد غادرها منذ زمن طويل وكانت بيوتها بالمجمل مصنوعة من الطين والخشب والصفيح وهي لا تصلح للسكن في حال من الأحوال، وبسرعة قياسية استطاع الأرمن تحسين أحوالهم وتم منحهم الهوية وجواز السفر وحق العمل فاشتروا البيوت في منطقة زقاق الصخر ومنطقة عرنوس والشعلان والصالحية والمزرعة وباب توما داخل السور وفي حارات المسبك وطالع الفضة والعبَّارة وحنانيا وحارة اليهود والقصاع وجنائن الورد والقصور والتجارة والعباسيين حيث منزل أهلي.

 

وضاعت بيوتهم التاريخية وتقاليدهم وعاداتهم، وانصهروا في كل شيء عدا اللغة لإصرارهم على التحدث بالأرمنية ووضع أولادهم في مدارس أرمنية وقراءة الكتاب المقدس بالأرمنية وضاعت بعض هواياتهم فلقد كانوا في موطنهم التاريخي مولعون ببناء الكنائس فكان في سيس عاصمة كيليكيا ألف كنيسة أرمنية  تهدمت أغلبها بالديناميت، وجاؤوا لمواجهة حقيقة مؤلمة وهي وجود كنيسة واحدة لهم هي كنيسة الأرمن الأرثوذكس في منطقة الباب الشرقي حيث لا يملكون في دمشق كنيسة غيرها وهذه الكنيسة تم بناؤها قبل التهجير والإبادة فلقد كانت محطة لاستراحة الحجاج الأرمن الذين كانوا يقصدون القدس.

 

أما بيوتهم التاريخية فلم يبق منها شيء غير بعض التحف الصغيرة التي يجلبونها معهم من جمهورية أرمينيا التي كانت تسمى قبل عهدٍ قريب جمهورية أرمينيا السوفياتية، والمؤلم أكثر أن قيود الحكومة السورية تشير في الخمسينات من القرن الماضي إلى أن عدد الأرمن في دمشق بلغ حوالي المائة ألف مواطن... وهم اليوم وبعد 94 سنة من الإبادة الكبرى أربعة آلاف وثلاثمائة أرمني لا غير! والبقية هاجروا إلى أوروبا وأميركا وكندا واستراليا... ذهبوا إلى هناك ليعمروا بيوت لا تشبههم ولا يشبهونها وليطبخوا طعاماً لا يحبونه عدا الـ djadabour وهو طعام متعلق بتقليد كنسي تمت حمايته بعناية متعلق بعيد الصليب وهو باقٍ لطالما بقيَّ هذا العيد، وقد شرحت لي طريقة تحضيره والدتي الحبيبة أم آرا التي وصلت حديثاً من كندا وشاركتني بعرض أفكار هذه المقالة وعمرها اليوم خمسٌ وسبعون سنة،ومن يدري فقد يعود الأرمن لبناء بيوت تشبههم، وقد يتخلص أبناء اخوتي في كندا من عادة إجبار جدتهم ووالدتهم على إعداد المأكولات الغربية، وقد يتخلون أيضاً عن عادة الرد بالإنكليزية أو الفرنسية بدلاً من الأرمنية، وقد أنجح أنا في رمي الصالون طراز لويس الرابع عشر وطقم السفرة الملحق به من بيتي، هذا الطقم الذي أحبه بالرغم من أني لا زلت أشعر بأنني غريب عنه وهو بالتالي غريب عني!  واستبدله بكنبة عليها سجاد أرمني وفرو الخراف، وقد يمنحني الله أحفاد ألاعبهم على الأرجوحة المعقودة حبالها على أغصان شجرة التوت في حديقة الدار الخلفية، وقد يكف أخي الأميركي الكندي حديثاً والعربي السوري سابقاً والتركي من أصل أرمني قبل ذلك والأرمني الأصل في فترة تسبق كل ذلك ... قد يكف... فلا يطلب من والدته أن تحضِّر له فطوراً شامياً في مونتريال  الكندية!

 

البريد الالكتروني للكاتب: ara@scs-net.org

 

الصور الملحقة:

الصورة رقم 01

صورة لدار قره مانوكيان في عينتاب والأحفاد السياح يلتقطون الصور، ربما كان جد أحدهم قد ساهم في هذا البناء الجميل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 02

أرض الدار وهي مزينة بالرخام الملون وخطوط سوداء ورسوم جميلة وبحرات من الرخام التزييني المقصوص تشكل رسوم هندسية صمدت حتى اليوم وبقيت على رونقها وصنعت بأيادٍ أرمنية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 03

جرن الحمّام في دار قره مانوكيان ولا زالت الحنفيات النحاسية المشغولة يدوياً على حالها وأضيفت قطع من البورسلان العاجي الغامق خلف الحنفيات شوهت المنظر لأن البورسلان لم يكن معروفاً قبل مائة عام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 04

غرفة نوم العروسين ويلاحظ السرير النحاسي الجميل والمنقل الذي كان يوقد والنافذة مفتوحة ولا يترك في الغرفة أبداً عند النوم وكانت صنعة صب النحاس وصنع الأسِرَّة ومناقل النحاس والأواني وكل ما يمت اليها بيد الأرمن ، وتلاحظ السجادة الأثرية تحت المنقل وهي من صنع الأرمن أيضاً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 05

الأحفاد على درج منزل آل قره مانوكيان  المفضي إلى غرف النوم العليا والسر هو في صنعة الدرج المندخل في جدران المبنى دون اساسات ولا اسمنت ولا تدعيم ويستطيع هذا الدرج حمل هذا العدد الكبير من الناس دون أن يتحطم ربما لأنه يعرف بأنهم الأحفاد الذين جاؤوا بعد طول انتظار!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 06

غرفة المفارش أو غرفة نوم الأطفال، وأذكر أبي عندما أنظر إلى هذه الصورة فلقد كان يقول افرشوا للأولاد ليناموا على الأرض لأن الأولاد يتقلبون في نومهم ويقعون عن الأسِرَّة أما الأولاد الذي يتقلبون على فرش موضوعة على الأرض فإنهم لا يقعون، لأنه لا يقع أحد إلى أكثر من مستوى الأرض.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 07 

صورة لجزء من منزل قره مانوكيان من الجزء الآخر المقابل له والى يسار الصورة شجرة خضراء جميلة إنبثق منها فرع يابس رمادي ولا بد أن هذه الشجرة تمنحنا عبرة وتخبيء سر لا نعرفه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 08

الباب والدرج المفضيان إلى القبو الذي ورد ذكره في متن المقالة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 09

القبو الخالي الآن على عرائشه!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 10

قاعة الجلوس ويلاحظ على الجدار سجادة جميلة وثمينة والى يسار السجادة ثلاث جعب مشغولة باليد كانت شائعة الاستعمال منذ مائة عام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 11

بيت ريفي لأسرة أرمنية من جبل موسى هجره أصحابه هرباً من الموت وبقي مهجوراً حتى اليوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة رقم 12

كنيسة السيدة العذراء في عينتاب وهي تحفة معمارية رائعة، ولا بد أنه قد تم الاحتفال بآخر قداس فيها يوم 23 ابريل نيسان من العام 1915 قبل أن يتم تحويلها إلى متحف اليوم.

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:6965

 
التعليقات المرسلة:
السلام عليكم من حفيد فائز الغصين
2010-02-17 01:49:39 | محمود الغصين
انا مش ارمني و لكن عشت بين الارمن في يريفان و استطيع ان اقول ان الارمن من اطيب الشعوب. و اشكر الشخص الي عرفني بالشعب الارمني و هو جدي فائز الغصين.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web