ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: علاقات تركيا مع دول الجوار
تركيا والدور الإقليمي وحقوق العرب

2009-05-31 23:08:48

بقلم أحمد محمود عجاج 

 

عندما صرخ إردوغان في البرلمان التركي مُذكرا الدولة العبرية إبان احتراق غزة أن الذين أنقذوا اليهود من يد المسيحيين المتعصبين في إسبانيا كانوا أجداده العثمانيين، وأن موقفه المؤيد لحماس والفلسطينيين ينطلق من مبدأ حماية الضعيف والوقوف مع الحق. إردوغان كان يعرف أن احتجاجه سيجلب التأييد له ولحزبه في داخل تركيا والعالم العربي خاصة والإسلامي عامة، فكرر مواقفه «الكلامية» تباعا وفي مناسبات عدة كان أبرزها معركته في دافوس مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز. كثيرون رأوا في تلك المواقف أنها نابعة من إحساس إنساني إسلامي مع شقيق يتعرض للقتل، وكذلك رأى آخرون، وإن كانوا قلة، أنها مواقف سياسية محسوبة سلفا ومعروفة النتائج. بالفعل استطاع إردوغان، وبمساعدة قناة الجزيرة، أن يحصل على نسب تأييد عالية، ويحجب بقامته رؤساء دول عربية، لم تجد في استعراض كهذا أية فائدة ترجى.

 

يبقى السؤال: لماذا عادت تركيا إلى عالمنا العربي بعدما خرجت منه لاعنة العرب ومن معهم لأنهم تآمروا عليها وحطموا خلافتها؟ ليس صعبا الإجابة على السؤال لأن الدول عندما تشعر بالاستقرار والمنعة والقوة، تستبد بها رغبة الخروج، والبحث عن المصالح والسمعة والدور في العلاقات الدولية، وكذلك تهيمن عليها روح المنافسة مع آخرين يريدون أن يحققوا مصالحهم على حسابها أو لنقل في حديقتها الخلفية. وتركيا التي اختارت العزلة في عهد أتاتورك وتوجهت صوب الغرب، تستدير حاليا إلى العالم العربي، وتريد أن تلعب دورها، وتريد أن تنافس إيران، وتكون الحامي للضعفاء. وتعتقد تركيا حسب نظرية وزير خارجيتها الجديد، احمد داود اوغلو، أنها قادرة على لعب هذا الدور لأنها تحظى بثلاثة عناصر هامة: الروابط الثقافية والقوية مع العالم العربي والإسلامي، والموقع الجيوستراتيجي، وقدرتها على إقامة تحالفات متعددة تضمن لها المفاضلة وتعدد الخيارات. وقد سـمى أوغلـو نظريتـه بعبـارة «ZERO DISPUTES POLICY» ومعناها انتفاء الخلاف أو سياسة التصفير. لقد استطاعت تركيا أن تزيل الخلاف مع سوريا ولكن من خلال تفوق تركي واستسلام لمطالب أنقرة، وقبول سوري بالتخلي عن أرض سورية، ورضوخ لتهديدات تركيا العسكرية كان آخرها إجبار سوريا على التخلي عن عبد الله أوجلان؛ كذلك تمكنت تركيا عبر القوة العسكرية من ضرب المتمردين الأكراد في عمق الأراضي العراقية وبموافقة أمريكية، وقبول عراقي وحتى رضوخ كردي عراقي، لأن تركيا عنصر فاعل في المعادلة ولا يمكن إغضابها. وتابعت تركيا أيضا موقفها الرافض لما حدث للأرمن، وقلبت الدنيا في واشنطن، عندما شعرت أن الكونغرس قد يتخذ قرارا ضارا بموقفها من الأرمن. ولم تتوان تركيا عن الوقوف مع أذربيجان في صراعها مع أرمينيا، ولم تبخل على الإطلاق في المواجهة، لأن المصالح التركية مهددة.

 

يبدو من مراجعة السياسة التركية أنه حالما تنتهي خلافاتها المادية مع دولة ما وتحقق ما ترجوه من مطالب، تعمد إلى لعب دور الطرف المحايد والموضوعي وترفع شعارات عدة لأنها تعرف أنها ستكون مستفيدة في النهاية.

 

لكن هذه السياسة الجديدة رغم مظهرها الحضاري تخفي في طياتها مكامن ضعف، وتناقض سرعان ما سيظهران، ولن تحصد تركيا تبع ذلك ما ترجوه من تلك السياسة التي يعتبرها المنظر أوغلو أنها المدخل الحقيقي إلى الشرق الأوسط والرافعة الموضوعية لإحلال تركيا في المعادلة الدولية التي يعتقد كثيرون من رجالها، وبالذات في أوساط المد الإسلامي، أنهم حرموا منها يوم تداعت الخلافة.

 

أولا، لا يوجد شيء في السياسة ولا في التاريخ البشري ما يسمى انتفاء الخلاف، لأن البشر بطبعهم ميالون للاختلاف وتضارب المصالح، واللجوء إلى القوة، وإلى أساليب أخرى لتحقيق ما يرونه حقا.

وهذا الاختلاف البشري ينطوي، كما علمنا القرآن، على نفع للبشر لأنه لولا وجوده « لهدمت صوامع وبيع».

 

ثانيا، الروابط التاريخية والدينية تستدعي التزامات بقدر ما تجلب من امتيازات؛ فالعالم العربي تجمعه روابط بتركيا، لكنها روابط مثقلة بالتاريخ، وبالذات التاريخ التركي الطوري في الفترات الأخيرة من الخلافة، وما رتبه من تجاوزات وآلام بحق المسلمين العرب. فلا يمكن، انطلاقا من سياسة التصفير، أن ننفي خلافاتنا، ما لم نفتح المراجعة، ونستخلص العبر.

 

ثالثا، الموقع الاستراتيجي وتنوع التحالفات يُرتب على تركيا التزامات؛ فموقعها على حدود العالم العربي، واشتراكها مع أوروبا بجسر بري صغير، يجبرها على ترتيب أولويات التحالف، وليس المتاجرة بالعرب.

 

إن العربي والمسلم الناظر للسياسة التركية يشعر بالخوف لأنه يرى سياسة خالية من المبادئ، وسياسة مصلحيه، وسياسة قصيرة النظر، وسياسة شعارها: قول يخالفه العمل. لقد صرخ إرودغان في البرلمان ضد إسرائيل، وأرغى وأزبد، لكنه سرعان ما عزز العلاقة مع تلك الدولة الغاصبة، ووقف مع حماس، فازداد الانشقاق الفلسطيني، ولعب دور الوسيط مع سوريا، ونسي سلبه لأراضيها، ووقف مع أذربيجان لكنه سرعان ما تناساها لضمان سكوت اللوبي الأرمني في أمريكا، وهدد في العراق ولكن فقط ليضمن ضرب المتمردين، وتناسى مسلمي العراق وروابطه معهم وما يعانونه من ظلم وقهر. نعم، إردوغان يريد دورا إقليميا منافسا لإيران، لكنه لا يملك الأيديولوجية، ولا النموذج، ومع ذلك يمضي قدما، لتحقيق ما يريد، مثل إيران، على حساب العرب والمسلمين وعلى حساب دمائهم ونكران حقوقهم. نأمل ألا ينجح! 

 

المصدر: "الوطن"، ابها، 30 مايو / أيار 2009

http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=3165&id=11766

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1216

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web