ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: مسرح
المرود والمكحلة... مسرحية تُكحّل الجرح الذي أعماه الدم

2009-06-01 00:14:01

المرود والمكحلة... مسرحية تُكحّل الجرح الذي أعماه الدم  بقلم سامر محمد اسماعيل

 

يمكننا الخروج من سطوة النص القديم والأشكال المسرحية الجديدة، لنراهن مجدداً على فعل اللهجة وقدرتها في ابتكار الحركة على خشبة المسرح، وصولاً إلى الخصوصية، وتأصيل الفن المسرحي العربي على الأقل في الشكل الإخراجي وأصالة الحكاية التي يتناولها النص.

 

من هنا لم يتردد الكاتب المسرحي عدنان عودة بالذهاب أكثر خلف ملحمته "المرود والمِكحلة"، التي تبدأ عام 1917 بمذبحة الأرمن في جبال أرارات*، لتنتهي عند حي المهاجرين على سفح جبل قاسيون. ‏

 

تقطع الملحمة مسافةً طويلة في السرد المشهدي للمخرج عمر أبو سعدة الذي قدم حلاً ذكياً هذه المرة في التعامل مع كمّ متنوع من البيئة الكثيفة للنص، فالأحداث المحمولة على منصات متحركة لا تلبث هي الأخرى أن تستوعب كل جدران البيوت الطينية في الرقة وحمص وخيام البدو في الجزيرة السورية وقوارب الصيادين في نهر الفرات وصولاً إلى بيوت الشام المعاصرة.

 

هكذا، على مساحة اتسع لها مسرح الاستعمالات المتعددة في دار الأوبرا السورية يقدم "المرود والمكحلة" لجمهوره صمتاً مختلفاً للفرجة، واضعاً إياه أمام الحكاية المتحركة، الجهد الجماعي على مستويات متعددة من البيئة السورية والتنويع إلى مالا نهاية بين هذه المستويات التي تقتحمها قصص الحب منذ اللحظة التي يقوم فيها أحد رجال عشيرة الفدعان "فواز ـ محمد زرزور" بالعثور على الطفل "كريكور ـ الطفل روميو كوشي" الناجي للتوّ من مذبحة أهله الأرمن. ‏

 

يدمج عدنان عودة بين لهجات الأمكنة السورية التي تتنقل عليها أبطال حكايته، من غير أن يقع في أزمة وسائل الإيضاح التي تتطلبها الحبكة الدرامية للنص، حيث يكتفي مخرج العرض بمنصاته التي تأتي من عمق المسرح في ذهابات وإيابات متكررة يكبر الممثلون عليها، وتتقاطع معهم أجيال متجاورة، فتبدو عليهم ضراوة الأمثلة التي يقومون بتشخيصها، ليكون هذا الحل شرطياً لمضمون يقدمه أداء الشخصيات بصيغته النفسية الواقعية، وهذا ما لم يكن في صالح ميزانسين المنصة الذي ألغى حركة الشخصيات على أرض الخشبة معولاً على "نقالات" لشخصيات يبدو عليها أنها بلا أقدام، أي بلا إرادة حركية على خشبة المسرح التي تحولت إلى "طوافات" تحمل معها قسمات متشظية من المشهد العمومي للعرض. ‏

ربما هذا ما دفع بالمخرج لتغيير رأيه أحياناً بالهبوط عن هذه المنصات المتحركة، كما في مشهد انتحار الزوج المخدوع "فقرو ـ جمال سلوم" إذ أتى المشهد بتسليط قوي لإضاءة حمراء على وجه جمهور الصالة، تتبعها خدعة السكين والرقبة التي نفذها المخرج بأناقة خارج خطته العامة، كاسراً مونوتون زلاجاته. ‏

 

رغم ذلك بقي التحدي مشروعاً أمام عودة و سعدة في إنتاج افتراضي للأحداث التي ترجع إلى ثمانين سنة خلت من عمر السوريين، أي في خضم أحداث الحرب العالمية الأولى، وعلينا أن نتذكر هنا أن تلك الفترة كان لها صياغات جغرافية مختلفة تماماً عن الصياغة الجغرافية الراهنة لبلاد الشام، فإذا عرفنا أن المرحلة التي بدأ منها العرض أي عام 1917 كانت ذروة من ذروات الدعوة القومية العربية التي طالبت بتأسيس ولايات عربية مستقلة لها برلمانها وحكومتها ولغتها العربية، مستقلةً بذلك عن الدولة العثمانية، وما تعرَّض له رواد تلك المرحلة من قمع واضطهاد وصولاً إلى إعدامات السفاح بين عامي 1915 ـ 1916 فإن ذلك يجعلنا نتساءل لماذا سرد علينا كاتب نص "المرود والمكحلة" ثمانين سنة من ملاحقة رجال البادية السورية للنساء بين حمص والرقة واللاذقية دون أن يمر ولو مرور الكرام على إحدى تلك الترميزات التي دمغت الأرض السورية بدمغتها النهضوية؟ ولماذا هذا الإهمال والتهميش لواقع هذه الجغرافية الحضارية واختصارها في مستويات فلكلورية. ‏

 

قد لا يحتمل العمل مجايلة دقيقة لمختلف مستويات الأحداث، وهذا قد يبدو مفهوماً بالنسبة لعرض مسرحي غير مطالب أصلاً في التوثيق لحركات التحرر والنهضة السائدة في تلك المرحلة، لكن من الغريب أن يتم ابتسار شخصية الرجل السوري العربي في نماذج على نحو شخصية "فقرو" التي أرادها الكاتب مثالاً للرجل المهتك والمقطع الأوصال، العاشق والزوج المخدوع الذي يقدِم على الانتحار بعد أن هربت زوجته "وردة ـ لويز عبد الكريم" مع عشيقها "الرقاوي" تاركةً دكانها في حمص وابنتها الوحيدة "ناديا ـ نسرين فندي" نهباً للأقدار المجهولة؟. ‏

 

ولماذا الإصرار على طرافة البدوي ابن القبيلة الذي يغير على النساء ويغويهن في خيامهن البعيدة سارداً بطولاته الغرامية على أخته في مشهد يلتقي فيه "شامل ـ سلطان العودة" مع أخته "أزنيف ـ ناندا محمد" وفق المونتاج السينمامسرحي لأبو سعدة تحديداً عندما يسرد شامل قصة غرامه الفاحشة مع سيدة القبيلة "راوية ـ هدى الخطيب" تاركاً إياها لحمأة السكين (الحامية أصلاً في مجالس الذكر وضرب الشيش بعد أن وهبته نفسها امرأةً تلوذ تحت أقدامه؟. ‏

 

هل حقاً استطاع عرض "المرود والمكحلة" ومن عتبته الأولى، أي العنوان، أن يطرح علينا توريته الجنسية كحلّ درامي للمرحلة التي تناولها؟ ثم ما هذه العزلة التي يفرضها العودة على الإنسان السوري لاسيما في نموذج ابن الريف الحمصي فقرو المهووس برفقة علماء البعثات الآثارية تاركاً زوجته لأِشواقها ولواعجها مع مرطبانات الموالح وصناديق الخضار في حانوت القرية؟. ‏

 

إن الغََرْف من البيئة السورية على تنوعها الفسيفسائي سيبدو خطراً للغاية أمام نمذجة رجالها ونسائها على هذا النحو من الطرافة الممزوجة بالمأساة، حيث تتحول هذه النماذج إلى كودات مبسّطة عن الواقع الذي أُخِذت منه، وهذا بدوره سيعمل على الإطاحة بكل مفردات النص الأصلي للبيئة التي اقتُبس عنها العرض إلى التهكم والمزاح؛ حتى في لحظة الذبح التي تمارسها العشيرة في حق بناتها تحت شعارات الشرف والفدية وغسل العار، ولهذا لن تبدو التشابكات للأجيال التي يولدها العودة سوى نوع من التطريب الزائد عن الحاجة لتزويق الدم بالكحل، واللعب على قسوة السكين وعماوتها بالتهريج والغراميات البدوية المضحكة. ‏

 

وإذا ما أخذنا جغرافية بلاد الشام مكاناً افتراضياً للعرض وعلى مدى ثمانين عاماً سنعرف أنها أكثر المناطق العربية تنوعاً من الناحية الدينية حيث وجدت فيها الأقليات العربية فرصها في التعبير عن ذاتها بأشكال مختلفة تحت وطأة الخروج من نظام المُلة العثماني القائم في آنذاك، والذي ولّد عندهم "أي عند هذه الأقليات من أرمن، شركس، أكراد" شعوراً عميقاً بالظلم والدونية. سنجد أن النص حاول إظهار هؤلاء في صيغتهم الثقافية غير المنحلة في المجتمعات العربية الناشئة وقتها لاسيما في شخصية "روزا ـ نسرين فندي" التي تهرب مع "كرير ـ أدهم مرشد" على ظهر حمار، على خلفية الزيجات من الأعراق المختلفة، مذكرةً كرير أنه، حسب الأعراف الشركسية، تذهب البنات العاشقات مع الذين يحببنهن على حصان أبيض وليس على حمار الشوايا. ‏

 

قدم العرض تنميطاً نهائياً للبدو، بساطتهم، وعاداتهم في القتل والحب والصيد والتغرير بالنساء؛ حيث تتعرى المرأة البدوية في خلواتها أمام رجل له صفات الكازانوفا بعد أن جاء نتيجةً، هو الآخر، لزيجات الصدفة بين أرمنيات جبل أرارات ورجال عرب الفدعان. وجاء عقاب «كركير»بذَرّ الرمل في عينيه عندما رفض مداواة عيني كلب القائم مقام الفرنسي؛ تنويهاً ملغزاً عن كرامة البدوي وشاعريته التي قدمها العرض مناقضاً نفسه ـ كفكاهات ونوادر لخيامٍ تدوخ من شرب الشاي!؟ ‏

 

على مستوى آخر حقق العرض سبقاً في اللقاء الصوتي لعدة لهجات أنتجتها البيئة السورية المتنوعة؛ ومن هنا تحدثت عامية الجزيرة والرقة مع القاف الواضحة لريف حمص، وتصالحت في بداية العرض ونهايته مع المحكية الشامية لتكون الصيغة المدينية للغة العاصمة، وبناءً على ذلك تجاورت الشخصيات مجدداً على منصاتها المتحركة، وتقاطعت بصرياً أكثر من مرة أثناء التراجع في سرد الأحداث، أو التقدم نحو تطور القصة على خشبة المسرح، لتكوّن العاميات حركيتها الخاصة بها وفق أزياء "ظلال الجابي" المنحوتة على أجساد الممثلين والمتآلفة مع سينوغرافيا "بيسان الشريف" التي قدمت فضاءً رمزياً عالي الدلالة، ومختلفاً عمّا قدمتهُ في أعمالها السابقة التي لم تستطع أن تحقق فيها حواراً جدياً بين الفضاء والشخصيات، فيما قدمت "بشرى حاجو" جهداً معقولاً في ماكياج الوجوه التي لعبت جميعها في مقدمة الخشبة حيث أهمل المخرج العمق للعتمة التامة مكتفياً بتثبيت المنصات أمام الصف الأول من مقاعد الجمهور؛ جاعلاً من شخصياته كوادر ثابتة لمجموعة كبيرة من اللقطات التي "كحلتها" إضاءة حسن البلخي بشكل متواليات متوازنة. ‏

 

اللافت للانتباه أن المنصات المتساوية تماماً في الحجم كانت أيضاً متساوية في الزمن الذي تتطلبه الحركة، فالبيت الطيني يمشي تماماً بالسرعة ذاتها التي يغيب فيها بيت المهاجرين، وكذلك عوامة نهر الفرات ومنصة الخيمة والبيت الريفي في حمص، ما ضيّع الفرصة على الخطة الإخراجية في التنويع على ميزانسين المنصات المتعادلة في الحجم والحركة والزمن. ‏

 

من الواضح أن "المرود والمكحلة" بذل قصارى جهده لنقل مياه الفرات إلى مصب نهر بردى تحت رغبة دفينة للتغني بالتنوع الثقافي السوري، فكان بمثابة تعشيق ذات البين السوري الذي انتهت حكايته بانتهاء زجاجة النبيذ .. لكن ما نسيه الكاتب أن محلات المشروب الروحي نادرة أو تكاد مفقودة في حي المهاجرين الذي لا يزال يدوخ من الشاي!.. ‏

 

‏البريد الالكتروني للكاتب: samerismael@yahoo.com

 

المصدر: "تشرين"، دمشق، 25 أيار / مايو 2009

http://www.tishreen.info/__archives.asp?FileName=172318832200905250442581

 

*يقصد أرمينيا.  

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1919

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web