ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: الأرمن والأكراد
كردستان تودِّع آرام تيغران .. بلبلها الأرمني

2009-09-06 18:57:19

كردستان تودِّع آرام تيغران .. بلبلها الأرمني"هبّت الريح لتبدّد عشك أيها البائس اليتيم المهاجر"

 

هوشنك أوسي

 

الشعوبُ بثقافاتها. والثقافة بغناها وتنوِّعها وثرائها. لا يمكن أن يتحدَّث المرء، في أيّ مكانٍ من العالم، وتحديداً في الشرق الأوسط، عن وجود ثقافة خالصة، نقيَّة، صرفة لشعب ما، خاليَّة من أيَّة إسهامات أو تأثيرات للشعوب الأخرى فيها. بمعنى، هل يمكننا الحديث عن ثقافة عربيَّة صرفة، خالية من بصمات وإسهامات وتأثير الفُرس والكُرد والروم والتُرك...، طبعاً لا. وينطبق ذلك، على الثقافة الفارسيَّة والكرديَّة والتركيَّة، وحتَّى الأوروبيَّة أيضاً. مغزى هذا الكلام، هو الإشارة إلى أن عظمة أيّ شعب، لا تتأتَّى من كونه صاحب ثقافة تنعدم فيها ملامح وبصمات الآخر. على العكس من ذلك. وكمّ من أمثلةٍ غزيرة، يعطينا أيَّاها التاريخ والحاضر، تأكيداً على هذه الفكرة. وكم من مثقفٍ أو فنانٍ، كان جهدهُ ونتاجهُ الإبداعي، رافداً لثقافةٍ وفنٍّ شعب آخر، غير شعبه، دون أن يعني هذا، القطيعة عن ثقافته الأصل، أو إعلان الطلاق منها. وكذا كان حال الفنان الأرمنيُّ الأصل، الكرديُّ ثقافةً وإبداعاً، آرام تيغران، الذي رحل عن عالمنا يوم 8/8/2009، بعد رحلة عطاء، زادت عن نصف قرن من الزمن، رفد فيها المكتبة الموسيقيَّة الكرديَّة بعشرات الأشرطة والاسطوانات الموسيقيَّة، يقارب عدد الأغاني فيها الألف.

 

"آهٍ يا بلبلي الحزين./ هبَّتُ الرِّيحُ مُبدِّدةً عشَّكَ./ ألا يا أيُّها البائسُ، اليتيم، المُهاجر./ أنتَ الآن تتحسَّرُ على وجودِ عشٍّ، ولو كان من حجر." بهذه الكلمات، يبدأ آرام تيغران أحد أشهر مواويله الكرديَّة، محاولاً فيها الإيحاء إلى مرارةِ حياةِ الإنسان الغريب المهاجر من وطنه، نتيجة الأهوال والكوارث. كائناً من كان هذا الغريب، كرديَّاً، عربيَّاً أرمنيَّاً...، وكيف أنَّه يتوق، ولو لعشٍّ حجري. المهمُّ أن يكونَ في وطنهِ. يعني، عشٌّ من حجر، خيرٌ من نعيم الغربة. وكثيراً ما نجد في التركة الفنيَّة الكبيرة التي خلَّفها آرام تيغران أغاني تنحو هذا المنحى، وتنطوي على كلمات من قبيل؛ "أوف، آه، آخ...." أغانٍ تقطرُ ألماً وحزناً، سعى فيها آرام، الى ترجمة آلام وأحزان الإنسان الكرديّ، بالدرجة الأولى، لأنَّ جمهوره كان كرديَّاً. ونجح آرام في مسعاه أيَّما نجاح. فباتت أغانيه على كل لسان، وترددها الأجيال الكرديَّة تباعاً، ويعيد غنَّاءها الجيلُ الشابّ من الفنَّانين الأكراد.

 

آهٍ يا ويلي آه... ما هذه الدنيا./ كردستان باتت تحت نير الاحتلال./ أموالنا وأملاكنا صارت نهباً للناس الآخرين./ آهٍ من هذه الدنيا التي لم يعد لها ثقة وأمان.." هكذا عبّر تيغران، كإنسان كرديّ، عن خيانة القدر له، وغدر الدنيا به، وكيف أنَّ العالم لا يحرِّكُ ساكناً أمام المظالم والجرائم التي يتعرَّض لها الأكراد. ولديه، عشرات الأغاني من هذه الطينة. لقد رأى تيغران أن ترجمته لعذابات الأكراد هي في الوقت عينه ترجمة لعذابات وآلام الأرمن، وكلِّ الشعوب المظلومة أيضاً.

 

في حوار أجراه معه الصحافي الكردي كاكشار أورامار، الذي بصدد تأليف كتاب خاصّ عن الفنان آرام تيغران، يجيب الأخير، على تساؤل؛ لماذا اختار الغناء باللغة الكرديَّة: "كان أبي، شأنه شأن الكثير من الأرمن، الذين أنقذهم الأكراد من حراب وبنادق الأتراك، آناء المذابح التي طالت الأرمن سنة 1915. لذا، كان يكرر دوماً على مسامعي: بُني، كنْ دائم الاحترام والتقدير للشعب الكردي. أنا مدين لهم بحياتي. هم الذين ربُّوني. وإذا كنتم الآن أربعة أشقاء وشقيتين، على قيد الحياة في هذه الدنيا، فالفضل في ذلك يعود للأكراد. لو كان الأعداء قتلوني، لما كنتم أيضاً موجودين الآن. ذلك الآغا الكرديّ الذي أخفاني في بيته لسنين، ثمّ أرسلني لما وراء الحدود (يقصد قامشلو في كردستان سورية)، هو من أنقذني من الموت، وأنتم أيضاً مدينون له بحياتكم. بأغانيك، اعتني باللغة الكرديَّة. القصائد الكرديَّة التي أعطيها لك، ألبسها ألحاناً عذبة. كنْ صديقاً وفيَّاً للكُرد، ولا تنسَ فضلهم أبداً. بيتناً كان يحوي روحاً كرديَّة، منشأها والدايّ. لقد تعلَّمت اللغة الكرديَّة في صغري. صحيح أنَّ والديَّ كانا يتحدثان معنا بالأرمنيَّة، إلا أنَّهما كانا يتحدثان الكرديَّة فيما بينهما. وهكذا تسرّب حب اللغة والثقافة والموسيقى الكرديّة إلى حياتي. وبالتالي، كان أبيّ السبب الرئيس في الاندفاع نحو الغناء الكرديّ. كان ينظم لي القصائد، ويطالبني بتلحينها. والكثير من أغنياتي، هي من كلماته. كان يحضر بروفاتي، ويركِّز على ضرورة النطق السليم لمخارج الحروف الكرديَّة".

 

غنَّى آرام الأغاني القوميَّة الكرديَّة، التي تشيد بالمقاومة والنضال والكفاح الكردي. وألَّف أغاني كثيرة تشيد بالمقاتلين والثوار الأكراد، وأغاني تمجِّد الشهداء الذين فقدوا حياتهم على قمم جبال كردستان دفاعاً عن حقوق الشعب الكردي. وأغانيه بهذا الخصوص، لا يمكن إحصاؤها. ومن الأهميَّة بمكان أن آرام تيغران كانت تربطه علاقة حميمة بالزعيم الكردي عبدالله أوجالان. وبكى آرام مريراً على وقوع أوجالان في الأسر والسجن في جزيرة إمرالي. كما أن أوجالان، كان يقول دوماً: أن الاستماع لصوت آرام تيغران، واغانيه العذبة، هو ما دفعه للسعي نحو النضال، بقوله: "مررت ذات يوم قرب منزل في مدينة جيلان بنار الكرديَّة، فشدَّني صوت أغنيَّة كرديَّة، صادر من آلة تسجيل. قلت وقتها؛ هذا الصوت العذب، يستحقُّ منَّا أن نؤسس له وطناً حرَّاً. دون أن أعرف وقتها، أنَّ الذي كان يُغنِّي هو آرام تيغران".

 

ولد الراحل الكبير في مدينة قامشلو، أو "مدينة العشق"، كما يحلو لأكراد سورية تسمية مدينتهم، في 15/1/1934. اتَّجه لعالم الموسيقى والغناء باكراً، وكان يغنِّي باللغات الأرمنيَّة والعربيَّة والكرديَّة، عازفاً على آلة الجنبوش الوتريَّة. وسرعان ما مال به الحال والذوق إلى الغناء الكرديّ، للأسباب التي أتى الراحل على ذكرها أعلاه. وسنة 1966، أتَّجه مع أبيه وبعض أفراد أسرته إلى يريفان، عاصمة جمهوريَّة أرمينيا، التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي السابق وقتئذ. ولكن لم يقطع أواصره بوطنه سورية، وبقي محافظاً على جنسيته السوريّة حتّى بعد حصوله على الجنسيّة اليونانيَّة أيضاً. لكن، الإعلام السوري، وبخاصّة الإذاعة والتلفزة، تجاهلت هذه القيمة الفنيَّة الإبداعيَّة الفريدة، بسبب الموقف السبيلي والإنكاري والتهميشي والإقصائي للمؤسسات الرسميّة السوريّة من الثقافة والغناء والموسيقى الكرديَّة. وكان آرام دائم التردد والزيارة لسورية، ومدينته قامشلو، كما كان يسميها هو أيضاً، وشديد التواصل مع أكراده وأرمنه هناك، ويحيي حفلاتهم.

 

كان آرام دائم الحضور في حفلات الأعياد القوميّة والدينيّة والاجتماعيّة الكرديّة، شادياً ومشاركاً. وبذا، كان يشارك ويشاطر الشعب الكردي الدمعة والبسمة، وإلى جانبهم في الأفراح والأتراح، يواسيهم في مصائبهم، يشيد ببطولاتهم ومقاوماتهم، يحضُّهم على التعلُّم بلغتهم الأمّ، إذ يقول في إحدى أغانيه: "اللغة الكرديَّة، لغتنا./ اللغة الكرديَّة، وجودنا./ ولن نضلَّ ونضيع، طالما بقت هي." غنَّى آرام للعشق كثيراً، وأغانيه مشهورة، أدَّاها فنَّانون أكراد كُثر: "آهٍ يا قلبي... آه. آلام العشق، بالغة الوجع./ أيَّها الحكيم؛ آتني بدواءٍ يشفيني منها...." وفي أغنية مشهورة له يقول على لسان الفتاة العاشقة: "كاد الليل يرحل، ألن تأتي بعد يا فتاي./ جافاني النوم، وكيف لي أن أنام بدونك./ البيت بدونك غدا سجناً لا نومَ لي فيه./ لن أنام، وكيف لي ذلك بدونك؟." وهكذا، لم يبقِِ الراحل الكبير شيئاً في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة الكرديّة، إلاَّ وأعطاها أرام من عصارة فنِّه. وأغانيه، تتميّز ببساطة الكلمات، وحلاوة الألحان وسلاستها، وتنوّع إيقاعاتها بحسب الغرض واللحن، فمنها السريع الراقص، ومنها الطربي الهادئ. ما جلعها سهلة الحفظ والتداول على الألسنة.

 

ورغم بلوغه من العمر عتيّا، إلاّ أنَّه كان دائم الحيويّة، ولا يودّ رؤية نفسه بعيداً عن المكيروفون، محتضناً جنبوشه، أمام جمهوره. وفي 6/8/2009 أصيب البلبل الأرمني الذي غنّى لأكثر من نصف قرن، بجلطة دماغيّة، تمّ إدخاله على إثرها الى العناية المشددة في مستشفى "فان غليسمان" في العاصمة اليونانيّة أثينا. وفي 8/8/2009، فارق الحياة، موصياً أن يوارى في ثرى مدينة آمد/دياربكر، كبرى المدن الكرديّة جنوب شرق تركيا. وكان من المتوقّع أن يصل دياربكر بعد ظهر يوم الثاني عشر من الشهر الجاري، كي يُقام له قدَّاس جنائزي، على راحة نفسه، في كنسية "سورب غراسوس"، ثم يوارى الثرى في مدافن الأرمن القريبة من باب روها، أحد الأبواب التاريخيّة لمدينة دياربكر. إلاّ أن القوانين التركيّة حالت دون ذلك، حيث لا يوجد نص قانوني يجيز دفن من لا يحمل الجنسيّة التركيّة على الأراضي التركيّة. وحسب ما ورد من أنباء؛ فإن وزارة الخارجيّة التركيّة ربما تتدخّل في حلّ هذا الإشكال، إذ لا يوجد نصّ يمنع دفن غير الأتراك في الأراضي التركيّة أيضاً. هذا وكان عمدة مدينة دياربكر، عثمان بادمير، قد صرّح: أن بلديّة المدينة، قد تبنّت إعداد مراسيم مهيبة تليق بهذا الفنان الكبير.

 

برحيل آرام تيغران، يكون عالم الغناء والموسيقى الكرديَّة قد فقد أحد أساطينه البارزين. ومن نافلة القول، أن آرام ليس أوّل أرمني ترك بصمة قويّة في الغناء الكردي، فقد سبقه إلى ذلك المغني الكرديّ الشهير، الأرمني الأصل، غرابيت خاتشو، إلاّ أنّ آرام تيغران، يبقى علماً هامّاً من أعلام الغناء الكردي، وله أسلوبه الخاصّ به. رحل آرام تيغران، بعد أن عمل بوصيّة والده. وأمّا الآن، فالشعب الكردي، وموسيقاه وفنَّه وفنَّانوه ومثقَّفوه، مدينون لآرام تيغران، وللكثيرين من طينته، الذين خدموا الثقافة والأدب والنضال الكردي، وهم ليسوا بأكراد.

 

المصدر: "المستقبل"، بيروت، 06 أيلول / سبتمبر 2009

http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?storyid=366454

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1793

 
التعليقات المرسلة:
لن نسامح المشاركين في الإبادة
2009-11-04 04:04:02 | رافي
اولا : اشكر الاخوة العاملين في الموقع والاخوة الكتاب المشاركين في مقالتهم على الجهود المبذولة في كتابة ونشر المقالات التى من شانها تمتين العلاقة الاخوية القائمة بين الشعبين الصديقين العربي و الارمني. اما ثانيا: فلي رجاء خاص عندكم و ارجو ان تتفهموا وجهة نظري. ارجو عدم نشر اي مقال يتعلق بموضوع الاخوة بين الارمن والاكراد، لأن الأكراد شاركوا في الابادة و كان من نصيبهم الجزء الكبير في اعمال الابادة، وهم يطالبون بأراضينا التاريخية حتى اليوم و يزعمون انها ارض اجدادهم. انشروا عن العرب الشرفاء الذين قاموا بحمايتنا وفتحوا منازلهم لنا دون تمييز عرقي او ديني في الوقت الذي كان فيه الاتراك والاكراد يلاحقوننا في البراري من اجل القضاء علينا. ارجو منكم التفهم.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web