ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: جغرافيا
خصائص جغرافية أرمينيا

2009-09-18 20:44:45

الهضبة الأرمنيةبقلم هراج كل سحاكيان

 

أرمينيا منطقة جغرافية متميزة تقع إلى الشمال من بلاد الرافدين، تمتد حدودها شمالاً إلى سلاسل جبال القوقاز وجنوباً إلى جبال كردستان تركيا، أما شرقاً فتمتد إلى بحيرة أورمية وغرباً إلى جبال طوروس. وتبلغ المساحة التقريبية لهذه المنطقة حوالي 300 ألف كيلومتر مربع. ولا بد من الإشارة هنا بأن حدود أرمينيا التاريخية تباينت في أحيان كثيرة عن حدود الممالك الأرمنية المتعاقبة والإمارات الإقطاعية المختلفة التي ظهرت على مسرح الأحداث.

 

تقع أرمينيا التاريخية بين خط طول 37 ْ – 42 ْ وخط عرض 38 ْ – 47 ْ، وهي تدخل في نطاق مناطق الزلازل في العالم. ويذكر التاريخ الأرمني حدوث زلازل كثيرة في العصور السابقة، أشهرها ذلك الذي أصاب مدينة آني، عاصمة أرمينيا في القرون الوسطى وأدى إلى دمارها عام 1319. ولا يقل معدل ارتفاع الهضبة الأرمنية عن سطح البحر عن 1500-1800 متر، حتى أنها دعيت أحياناً بالجزيرة الجبلية.

 

ويمكن اعتبار أرمينيا التاريخية أرضاً تقليدية للبراكين، ولكن لا توجد اليوم براكين فاعلة، ويستثنى من ذلك جبل تونتوريك (الواقع في جنوب غرب جبل أرارات في تركيا الحالية)، والذي يؤلف القمة البركانية الفاعلة الوحيدة في الشرق الأدنى، ولا تزال تندفع من فوهتها أبخرة غازية وحجارة صغيرة وتنبجس من سفوحها ينابيع مياه معدنية.

 

وإذا أردنا أن نكوّن فكرة عامة حول موقع أرمينيا، فلا بد أن نشير إلى تواجدها بين هضبة آسيا الصغرى غرباً والهضبة الإيرانية شرقاً، لكن في مستوى أكثر ارتفاعاً منهما. وللدلالة على الأهمية الإستراتيجية التي تشغلها الهضبة الأرمنية نذكر بأن الغزاة كانوا يسعون أولاً إلى ضم أرمينيا إليهم تمهيداً لبسط نفوذهم بسهولة ويسر بعد ذلك على البلدان المجاورة.

 

من الناحية الجيولوجية ترجع فترة تشكل الملامح النهائية لأرمينيا إلى عهد ليس ببعيد نسبياً، كنتيجة لتأثيرات الطيات الجبلية الثلاث الألبية والقوقازية والهيملائية والتداخل بين هضبتي آسيا الصغرى والهضبة الإيرانية، مما أدى إلى نهوض منطقة أرمينيا بكاملها.

 

ويلاحظ تنوع كبير في العوامل الطبيعية من مناخ وتربة وحياة حيوانية ونباتية، ولا يستغرق الأمر أحياناً سوى قطع 10-20 كيلومتراً للإنتقال من طبيعة شبه صحراوية إلى جبلية أو إلى أخرى شبه قطبية. وقد فرض هذا التنوع ووجود السلاسل الجبلية الفاصلة بين مختلف أنحاء أرمينيا تأثيره الملزم على واقع السكان. وأبلغ ما يلاحظ ذلك في انتشار اللهجات المحلية في ما مضى انتشاراً واسعاً. ويمكن القول بأن العوامل الجغرافية هذه مجتمعة (ولا سيما الموقع الجغرافي ووجود الحواجز الطبيعية المتمثلة بالجبال الشاهقة والأودية السحيقة)، هي التي رسمت المعالم الرئيسية لتاريخ الشعب الأرمني وحددت مقومات شخصيته وتسببت في اكتسابه النزعة المحافظة وتشبثه بالمفاهيم والعادات المتأصلة.

 

بالرغم من ظروف الإنغلاق هذه فقد تمكنت أرمينيا دوماً من فتح نافذة إحتكاك واسعة مع الشعوب الأخرى، لا سيما بواسطة ممارسة التجارة والإستفادة من طريق الحرير الممتد من الشرق الأقصى وآسيا الوسطى إلى أوروبا مروراً ببعض المدن الأرمنية. ولكن الفائدة التي جنتها بسبب موقعها على طريق الإتصال البري بين أسيا وأوروبا كانت أقل بكثير من المتاعب والويلات التي حلت بها. فعندما كان الغرب يتقدم نحو الشرق بدفع من العجلة الحربية الرومانية أو البيزنطية أو الصليبية، وبالعكس، عندما كان الشرق يتقدم نحو الغرب نتيجة لغزوات الفرس والمغول والترك وفتوحات العرب، كانت أرمينيا تمثل معبراً لهذه القوات وفي أحيان كثيرة ساحة حرب لمقارعة الأنداد.

 

لقد مثلت طبيعة أرمينيا الجبلية عائقاُ رئيسياً أمام تشكل حكومة مركزية قوية، رغم الحاجة الماسة إليها لصد غزوات المعتدين وبناء الصرح السياسي والإداري الموحّد المتجانس، لدرجة أنه بات من الصعب لمّ شمل البلاد بسبب ما تمتعت بها الأسر النبيلة من استقلال محلي يحول دون الخضوع لأوامر سلطة أية مركزية.

 

لقد سعت الدول التي تعاظمت قوتها إلى احتلال أرمينيا، حتى تمنع المنافسين لها من مدّ نفوذها إليها، ولكنها لم تستطع أبداً من بسط السيطرة الكاملة عليها، فكانت تظهر دائماً، وفي ارجاء مختلفة من أرمينيا، قوى محلية شبه مستقلة أو متمتعة بالحكم الذاتي، الأمر الذي منح الشعب الأرمني فرصاً للإزدهار الثقافي والحضاري. وفي التاريخ المعاصر كانت الأهمية الإستراتيجية لأرمينيا وراء بقائها قروناً عديدة تحت السيطرة العثمانية، إذ لم ترضَ دولة عظمى معاصرة بأن تحلّ قوة عظمى منافسة في تلك البقعة الهامة، لأن ذلك قد ينطوي على تبدل كبير في موازين القوى الإقليمية. لهذه الغاية بالذات بذلت الدول الأوروبية - انكلترا وفرنسا - جهوداً جبارة لمنع احتلال روسيا هضبة أرمينيا في القرن التاسع عشر والعشرين.

 

من وجهة النظر العسكرية تعتبر السمة الرئيسية لجغرافية أرمينيا، تميزها بفصل شتاء شديد البرودة، كان سبباً في تقهقر وانهزام العديد من الغزاة. وصف المؤرخ والشخصية العسكرية الإغريقية كسينوفون (نحو 427 – 355 ق.م.) الشتاء الأرمني وما أصاب جنوده من عمى جزئي وتجمد الأطراف في مؤلفه الشهير "أنابازيس"، وذلك عندما اضطر أن يتراجع مع عشرة الآف منهم عبر جبال أرمينيا الوعرة نحو مجرى الفرات.

 

السمة الأخرى لجغرافية أرمينيا من الناحية العسكرية هي وجود السلاسل الجبلية الحدودية في شمال البلاد وجنوبها، بحيث شكلت موانع طبيعية في وجه المعتدين، لهذا نادراً ما تحقق احتلال أرمينيا من الشمال والجنوب. على النقيض من ذلك، يمكن التغلغل في عمق الأراضي الأرمنية بسهولة من الشرق والغرب بسبب وجود مجرى الأنهار الرئيسية.

 

فتح العرب المسلمون سوريا وبلاد الرافدين في القرن السابع الميلادي، ثم حاولوا ضم أرمينيا إلى الدولة الجديدة بغزوها من ناحية الجنوب، ولكن محاولاتهم الأولية باءت بالفشل. وفي مرحلة لاحقة، أي بعد فتح العرب لبلاد فارس، استطاعوا احتلال أرمينيا دون عناء عبر التقدم من الناحية الجنوبية الشرقية (سهل نهر أراكس).

 

بصورة عامة، تمثل هضبة أرمينيا قلعة طبيعية محصنة، تسيطر على المناطق الممتدة بين بحر قزوين والبحر المتوسط والخليج العربي. فالمنعة العسكرية الرومانية في آسيا كانت تعود بصورة كبيرة إلى تحصن قواتها في أرمينيا. نستخلص العبرة ذاتها في القرون اللاحقة، فما أن فقدت الإمبراطورية البيزنطية سيطرتها على هضبة أرمينيا حتى وصل بها التقهقر إلى الضياع والزوال.

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:3479

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web