ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: قصة قصيرة
في الطريق إلى الحنين

2009-10-10 10:52:26

ملكون ملكونملكون ملكون*

قصة قصيرة

 

عندما كنا نهرع صغاراً نحو محطة القطار القديمة بحثاً عن فضاء مجهول لسبر أغواره و اكتشافه بعيداً عن طينية بيوتنا، وحفر شوارع مدينتنا ... كانت براءتنا تعلن تمردها على لحظات يومنا، فالسفر في القطار لحلب كان مطمحاً بل احتفالاً عائلياً بكل المقاييس، والعربة التي سنركبها لا تحمل مواصفات القطار الطويل بعرباته المتعددة بل عربة واحدة طويلة حمراء اللون تسمى "الاوتومتريس" تسميتها غريبة وصفيرها غريب ولكننا كنا نركبها بكثير من الفضول والدهشة والاستغراب .

 

عندما كنا نمر صغارا في الأراضي التركية حيث "القطار الأحمر" يجتازها ليصل بنا لحلب كان النوم يجافي مآقينا، وتتعلق عيوننا بالشبابيك حيث العسكري التركي متجهم الملامح ... يرمقنا بنظرات جامدة صقيعية، وحيث البيوت يعلوها القرميد الأحمر في شكل جديد للبيوت لم نألفه من قبل، وحيث محطات القطار في المتسع التركي تحوي الكثير من الهدوء والنظافة والألفة بحجارتها السوداء وجرسها اليدوي وصفير حارس المحطة وقبعته الزرقاء، رغم انه لم يكن يسمح لنا بالنزول في المحطات للاستراحة أو لإشباع فضولنا و إرواء دهشتنا إلا أننا كنا نستمتع كثيرا في هذه الرحلة العجيبة .

 

الآن وبعد عقود من ذلك الزمن المدهش امتطينا براءتنا من جديد بحثاً عن دهشتنا المفقودة، وعبرنا الحدود ثلاثة من الحالمين بأرضٍ سمعوا عنها في سهرات الطفولة الشتائية حول المدفأة ..... حكايات عن بلاد جميلة غادرها أهلها قسراً، وانتزعت منهم بيوتهم وذكرياتهم انتزاعاً، ولكن لم يتمكن احد من انتزاع الحنين من شغاف قلوبهم بل أورثوه لأولادهم ومن ثم لأحفادهم .

 

الآن و بعد عقود من ذلك الزمن المدهش امتطينا حلمنا وزرنا الأراضي التي حدثونا عنها، وكلما كنا نقترب منها كانت المشاعر تزداد تناقضاً والأحاسيس فوراناً، والقلوب تصبح أكثر انقباضاً في الصدر الواجف .

 

فجأة همس صديقي إنها "حسن كيف" سرت قشعريرة في شراييني، وزاغت نظراتي تريد أن تلتهم المكان، وتختصر الزمان لتوقف قسوته عند زمن مضى ولم يبرح الذاكرة بعد التي انتعشت من جديد ....

من هي هذه الوجوه الغريبة الملامح؟؟؟

 

ما الذي شهدته هذه الصخور والجبال و تشهد عليه؟؟

 

من ابتلع هذا الماء وبأي أسرارٍ يحتفظ؟؟؟

 

في أي تجويف في هذا الجبل احتموا ذات شتاء؟؟؟

 

أية لحظات قاسية عاشوها هنا في هذه الأزقة وعلى أطراف هذا النهر؟؟

 

غابت الشمس، نظرت إلى عيون أصدقائي كانوا يحتفلون بصمت في هذا المكان كما احتفل كأنهم يشاركونني مشاعري الخاصة لأنهم قرروا أن يقتحموها بمحبة فجدران الروح رغم الفوضى التي تعيشها لا يزال فيها متسع لمحب و صديق لم تجمعك المسافات معه ذات صباح بل سمحت له أن يتعربش على جدران روحك بمحبة .

 

غابت الشمس، لملمنا ذكرياتنا ....  براءتنا .... دهشتنا ..... فضوليتنا ..... حنيننا الذي كان الطريق إليه طويلاً استغرق عقوداً من الزمن عدنا وصدى أسئلتنا تصطدم بجبال "حسن كيف" وتمضي مع ماء نهرها بإصرار إلى حيث يستقر بلا إجابات كما هو طائر الروح الحزين يحلق بنا منذ سنين مثقلاً بتساؤلاتٍ مقلقة لم تجد إجابات لها بعد.  

 

في الطريق من ماردين لديار بكر

ظهيرة 8/8/2009

 

*قاص سوري اصدر المجموعة القصصية "حارس الكآبة" عن مركز الانماء الحضاري بحلب.

 

ينشر في آزاد-هاي بترتيب مع الكاتب

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:2097

 
التعليقات المرسلة:
حنين الحنين
2009-10-10 19:04:01 | دعد ألكسان
في كل مرّة أنتهي من قراءة إحدى قصصك، يعربش الحزن على ( جدران روحي) ويبللني الندى وكأني أوراقٍ خريفيه ..سقطت سهواً وفي غفلة من الزمن... ما اجملك وأنت تختزن عالمك بكلمات...وتبحر ونبحر معك بين أطياف الماضي وكأنها حاضرة الآن نعيشها بتفاصيلها وبدقة مكوناتها.. دائماً جميل..بروحك..ولتبق جميل..وسأبقى أيضاً أقرأ لك وأستمتع.

الطريق الى الحنين
2009-10-10 20:42:27 | نادر حنا
استاذ ملكون
عندمـا انظر الى الصور القديمـة حياتنا
اطلق تنهيدة حسرة وانـا اسمع صدى صوتي في زمن تلك الصورة، وانا اقول "لتكن صورة للذكرى ...."
يتنفس الأنسان شي من عبق الماضي الجميل، فلا يجد الا رائحه الحنين لأيام ذهبت دون عودة. تحية حنين. نادر حنا


حنين
2009-10-11 00:20:13 | nelly
الغالي ملكون، انها قصة رائعة تداعب مشاعرنا وعواطفنا وتأجج فينا روح الحنين لماضينا الأليم فشكرا لك.

تحياتي لك
2009-10-11 01:41:22 | رافي
لملمت ذكرياتنا .... براءتنا .... دهشتنا ..... فضوليتنا ..... حنيننا
أدهشتنا برائعتك هذه شكرا لك أستاذ ملكون.

روعة
2009-10-11 09:26:36 | رامي
شكرا لك استاذ ملكون على هذا الوصف الرائع لانك اخذتنا إلى عالم الماضي وحنينا إليه والحنين إلى تلك الأيام البريئة، فلك مني كل تقدير واحترام.

حياة
2009-10-14 16:20:47 | سركيس
احييت فينا ذاكرتنا التي تؤرقنا وماضينا الذي أصبح جزء لا يتجزء منا نمضي في طريق الحياة ولكن لايمكن أن ننسى ماضينا طريق الحنين والشوق يقتلنا.
أتمنى لو كنت أستطيع التعبير مثلك أستاذ ملكون.

حصن كيفو
2009-10-14 23:29:22 | ملكون سيمو
اخي العزيز. على تخوم حسن كيف (حصن كيفو) سرت القشعريرة بجسمك لانك زرت ارض الاجداد ............. وانا سرت قشعريرة غريبة في جسمي وانا اقرأ كلمات سطورك التي خطتها اناملك الرقيقة .وكانني اغوص في كهوف حسن كيف (حصن كيفو) ارض الاجداد. حيث كان جدي وجدك يصنعون الالات بمواد بسيطة مما يتوفر لهم (احد الاجداد يوجد باسمه سكين في متحف اسطنبول محفور عليها اسمه - يوسف الهسكيفي - نسبةً الى حسن كيف) في ذلك الزمن البعيد. لم يتوقف الزمن عند الاجداد فها انت يا اخي تكتب وتكتب كي تثبت ان ارض حسن كيف وماء دجلة الذي يجري بقربها قادرة على ان تنبت كتاب وادباء يطيعون الحرف كما طيع اجدادك الفولاذ. مشاعر مبعثرة بدون اي رابط اخطها بردي هذا لاني منتشي بسطورك الرائعة. اقبل حروفي المبعثرة كما هي. حسن كيف = حصن كيفو = الحصن الحجري لانها تحتوي على قلعة مبنية من الحجارة.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web