ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: تاريخ
بروتوكولات حكماء الأناضول

2009-10-29 12:09:49

بقلم: آرا دمبكجيان

 

مقدمة

 

إطلعت مؤخراً على خبرٍ مفادهُ أن الرئيس السويسري باسكال كوشبين أهدى الرئيس التركي عبد الله غول قبل عدة أشهر هديةً قيمةً جداً و لها دلالة معنوية عالية لتركيا ألا وهي المائدة المستديرة التي وقّعت عليها إتفاقية لوزان في 24 تموز/يوليو 1923 في لوزان، سويسرا.

 

والى القراء الذين لا يعرفون ما هي إتفاقية لوزان، أقول:

 

بعد التوقيع على معاهدة فرساي في 1919 التي تخص الدول المنهزمة في الحرب العالمية الأولى وهي الدولة العثمانية و المانيا القيصرية و أمبراطورية النمسا- المجر و غيرها من الدول الصغيرة، خُصت تركيا التي قامت على أرجلها الضعيفة من أنقاض الدولة العثمانية بإتفاقية سيفر في 10 آب/أغسطس 1920. بموجب هذه الإتفاقية حصلت جمهورية أرمينيا على عموم الأراضي الأرمنية في تركيا الشرقية و أُعطي الأكراد وعداً بالإستقلال.

 

غيّرت الدول العظمى موقفها من إتفاقية سيفر بعد ثلاث سنوات من توقيعها بعد أن أقام مصطفى كمال آتاتورك تركيا جديدة و على أرجلٍ متينة. في الوقت نفسه كان لينين يحاول أن يُغري كمالاً بالذهب و السلاح لإدخالِ شيوعيته الناشئة الى تركيا نزولاً نحو الشرق الأوشط. رأت الدول الأوروبية أن التحالف مع تركيا قوية أفضل من تقطيع أوصالها الى شعوب المنطقة من أرمن و أكراد...فوقّعت إتفاقية لوزان... و ألغت إتفاقية سيفر...

 

تعتبر أتفاقية لوزان الى تركيا صك إستقلالها و ضامنة وحدة أراضيها من 1923 و الى اليوم و الى ... ما شاء الله.

 

والسؤال لذي يتبادر الى الذهن هو لماذا أهدت سويسرا، و هي الدولة الراعية لتوقيع بروتوكولات زيوريخ بين أرمينيا و تركيا، تلك المائدة بالذات و بعد خمسة و ثمانين سنة و في الوقت الذي كانت المفاوضات جارية بين أرمينيا و تركيا و ... برعاية سويسرا...؟

 

الجواب الوحيد هو لتطمين تركيا بعدم إستقطاع أيّ أراضٍ منها لصالح أرمينيا بضمانة إتفاقية لوزان و بدلالة تلك المائدة الخشبية الأثرية، حفظها الله من جوع دودة الأرضة...

 

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945 كان يدور في الأوساط الغربية همس حديث هاتف عن بعث الدولة العثمانية مع (مستعمراتها) السابقة كالعراق و سوريا و لبنان و فلسطين و مصر للوقوف بوجه المد الشيوعي السوفييتي في المنطقة بعد أن وقف الإتحاد السوفييتي السابق بعنفوان المنتصر في الحرب على الرغم من تكبده خسائر جسيمة في البشر و الإقتصاد.

 

مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية المنطقة بكل قوتها وضعت تلك الفكرة عن إحياء الدولة العثمانية على الرف و أستُعيضت عنها بإقامة أحلاف إقليمية مع وجود تركيا في الأحلاف كافة، ومنها حلف بغداد، للغاية نفسها... كبح المد الشيوعي.

 

ومع قيام إيران شيعية في 1978 في المنطقة و تنامي دورها و سقوط الإتحاد السوفييتي المريع في 1990 والتداعيات الناتجة عن ذلك السقوط، ثم ولادة ما سُمِّيَ بالإسلام السياسي، أصبحت الحاجة مُلِحّة لقيام تركيا قوية قي المنطقة، و خاصة مع ترشيح آذربيجان و جيورجيا للإنضمام الى حلف شمال الأطلسي (ناتو) وبقاء أرمينيا الحليف الأوحد لروسيا في منطقة القفقاس. و مع السيطرة الأمريكية على أرمينيا ستبقى روسيا وحيدة في المنطقة، فيتنامى الدور الأمريكي من حقول النفط في جمهوريات آسيا الوسطى مروراً الى آذربيجان مع مد خطوط أنابيب نقل النفط نحو اليحر الأبيض المتوسط متحاشياً المرور عبر روسيا.

 

فما هي التنازلات، أو حتى الإمتيازات، التي ستقدمها تركيا الى أرمينيا، بموافقة الولايات المتحدة للإبتعاد عن حليفتها روسيا ... أو ربما العصا أو الجزرة الأمريكية فقط.

 

المفاوضات نحو البروتوكولات

 

أمضى السيد سيرج سركيسيان، رئيس جمهورية أرمينيا، السنة الماضية من رئاسته مفاوضا تركيا في قبول الإنكار التركي المستمر لحقيقة أنّ سلفها الدولة العثمانية و المجموعات القومية العنصرية تحت قيادة آتاتورك إرتكبوا حريمة إبادة جماعية إعتباراٍ من 1915. في الوقت نفسه تنازل عن حق إسترجاع الأراضي الأرمنية كافة و التي جرى إخلاؤها من سكانها نتيجة لتلك المذابح و المجازر.

 

تعتبر هاتان النقطتان مجتمعتين وجه الخلاف الرئيس بين أرمن المهجر و القيادة السياسية لجمهورية أرمينيا و بعض من سكانها، و بهما تتنازل الحكومة الأرمينية (نسبة الى الدولة و ليس الشعب الأرمني) عن حقوق الأرمن في التعويضات المادية و المعنوية. منِ هذا المنطلق يرى الأرمن عموماً أنّ الرئيس سركيسيان يكمِّل ما قام به ثلاثي حزب الإتحاد و الترقي طلعت و جمال و أنور في 1915 ...

 

في 31 من آب/أغسطس 2009 نُشِرَ نص البروتوكولات الخاصة بتطبيع العلاقات بين أرمينيا و تركيا عن طريق وزارتي خارحية البلدين بعد أن إستمرت المفاوضات بين يريفان و أنقرة منذ إستقلال أرمينيا من الإتحاد السوفييتي طوال ثمانية عشر عاماً الماضية. و قد ظلت هذه المفاوضات سرية و في ظل الكتمان مع إصرار أرمينيا على عدم إستغلال تركيا تطبيع العلاقات الثنائية للأغراض السياسية.

 

كانت نية أرمينيا إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، و لكن بعد أن أغلقت تركيا الحدود مع أرمينيا بسبب أحداث منطقة غاراباغ الجبلية في 1993، شملت مفاوضات تطبيع العلاقات إعادة فتح الحدود.

 

في الوقت نفسه، كانت تركيا تطلب تحقيق َ أمورٍ ثلاثة من المفاوضات القائمة و هي، أولاً: أنْ تقطع أرمينيا علاقاتها من الحملات الدولية المستمرة لإجبار تركيا الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية الي إقترفتها الدولة العثمانية و مصطفى كمال بعدها. ثانياً: أن تعلن أرمينيا بصورة رسمية عدم مطالبتها مستقبلاً بأي مطالب أرضية بالأراضي الأرمنية في تركيا الشرقية. و ثالثاً: مساعدة آذربيجان في إستعادة منطقة غاراباغ الجبلية من سيطرة الأرمن.

 

كان إغلاق الحدود يرمي الى مضايقة أرمينيا إقتصادياً للتنازل الى رغبات آذربيجان. و كانت هذه النقاط الثلاث المطالب التركية الرئيسة لتطبيع العلاقات الثنائية و فتح الحدود بين الدولتين.

 

و تشير الدلائل أنه كان بإستطاعة أرمينيا نفسها أن تضع شروطاً مسبقة لتطبيع العلاقات بينهما فيما يخص إعتراف تركيا بالإبادة الجماعية كجريمة ضد الإنسانية لإحترام و تقديس ذكرى ضحاياها، و كذلك الوصول الى برنامج عمل يوافق عليه الطرفان لتقديم التعويضات المناسبة.

 

تتلخص وجهة نظر أرمينيا في عدم وضع شروطٍ مسبقة أن الحدود يجب أنْ تكون مفتوحة و أنْ تقام بين الدولتين علاقات دبلوماسية طبيعية لإمكان حل المشاكل المتعلقة كافة بينهما عن طريق الدبلوماسية نفسها و بحسن نية. لهذا السبب لم تضع أرمينيا أي شروط مسبقة الى يوم الإعلان عن بروتوكولات التطبيع هذه ولم تقبل بأيِّ شروطٍ تركية تُفرض عليها.

 

وقفت أرمينيا موقفاً صلباً من هذا الإتجاه. فالحصار لم يجوِّع اليلد كلياً. و على الرغم من الحجم و الثراء و القوة التي تتفوق بها تركيا على أرمينيا، لم تكن الأخيرة في وضعٍ ميؤوسٍ منه لتتنازل عن مطالبها القومية مقابل فك الحصار. و في خلال السنوات الثمانية عشر الماضية كان هذا موقف الطرفين تجاه الآخر.

 

ولكن ... حصلت أرمينيا على مبتغاها في تطبيع العلاقات بينها و بين تركيا بموجب البروتوكولات التي أُميط اللثام عنها في 31 آب/أغسطس الماضي بتأثيرٍ من العرّاب الأميريكي و السويسري و الفرنسي و ... الروسي.

 

ولكن بأي سعر؟

 

هذا هو السؤال الدائر على ألسنة الجميع. ماذا كلّف توقيع البروتوكولات أرمينيا ؟

 

لا يحتاج السؤال الى راسخ في العلم يجيب عليه...

 

إن المطلب التركي الأول، كما ذكرنا، أن تنهي أرمينيا الحملات الدولية للإعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن و تشكيل لجنة دولية من المؤرخين و بمشاركة الدولتين لدراستها، و هل كانت حقيقة تاريخية أم لا... في الواقع ليس بمقدور حكومة أرمينيا أن تحقق الجزء الأول من هذا المطلب، لأن الجاليات والمنظمات الأرمنية، السياسية منها و الأجتماعية، هي التي تحرك قضية الأعتراف الدولي حتى لو سحبت الحكومة (الأرمينية) يدها منها.

 

وأما المطلب التركي الثاني في تشكيل لجنة دولية من المؤرخين معناه إطالة المماطلة التركية في الإعتراف بالموضوع لسنوات طويلة قادمة، إذ لن تكون بمقدور المنظمات الأرمنية في المهجر مطالبة برلمانات الدول في الإعتراف بالإبادة الجماعية ما زالت هناك لجنة مشتركة برعاية أرمينيا الرسمية تدرس حقيقة حدوثها... و لا يخفى على أحد أن مجرد الموافقة (الأرمينية) على تشكيل اللجنة تعني إفساح المجال في تشكيك حدوث تلك الفاجعة في 1915.

 

وهذا ما تريده تركيا بالضبط...

 

ومن المطالب التركية أيضاً أن تعترف أرمينيا بالحدود القائمة بين البلدين de jure، أي وضع قانوني لا يمكن المساس به. فالجزء الأعظم من الهضبة الأرمنية و مهد حضارتها، حيث عاش الأرمن من آلاف السنين، كانت تركيا قد إحتلتها بإنتهاء الحرب العالمية الأولى. و أهدى لينين ما تبقى منها الى تركيا حسب معاهدة بريست- ليتوفسك السيئة الصيت في 1918. و بعد وفاته أهدى ستالين في 1923 مناطق غاراباغ الجبلية و ناخيجيفان الى آذربيجان بجرة قلم واحدة. و مع الإغداق على مصطفى كمال بالذهب و السلاح، كان للكرم السوفييتي هدف واحد...إدخال الشيوعية الى تركيا للوصول الى الشرق الأوسط.

 

التوطئة الأميريكية

 

في الخطاب الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما في السادس من نيسان/أبريل الماضي في إسطنبول ذكر أن المحادثات بين أرمينيا و تركيا "ستعطي ثمارها عن قريب جداً". و أستجابة للموقف الرئاسي الأمريكي، قال الرئيس التركي عبد الله غول "إن النتيجة النهائية للمحادثات ليست حتمية" و " أن القضايا المتعلقة بين أرمينيا و آذربيجان" يجب أن تُحل أولاً. و في 19 نيسان/أبريل ذكر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان "أن قرار فتح بوابة الحدود مع أرمينيا سيعتمد على قضية غاراباغ الجبلية. فإذا استمر إحتلال أرمينيا للمقاطعة الآذرية فإن تركيا لن تفتح بوابة الحدود". و على مر الشهور كرر أردوغان العبارة في أعلاه عدة مرات.

 

السؤال الوارد هنا هو :"كيف وافق السيد غول و السيد أردوغان على توقيع البروتوكولات مع الوعد والإلتزام بفتح الحدود في غياب ذكر مصير غاراباغ الجبلية فيها؟"

 

1- إمّا أنهما قررا أن يتصرفا بحكمة فغيّرا موقفيهما يعد أن أيقنا أن الحصار لم يأتِ بالنتائج المرجوة و إنه من الأصلح تطبيع العلاقات أولاً لفائدة تركيا مستقبلاً بإعتبارها ستكون قوة عظمى في المنطقة، و ثم مساعدة آذربيجان بفعالية أكبر.

 

2- أو من الممكن أنهما متأكدان أن التوقيع على البروتوكولات سيفتح المجال أمام تشكيل اللجنة المشتركة من المؤرخين لدراسة قضية الإبادة الجماعية للأرمن لتأجيل إعتراف الرشيس أوباما و الكونجرس الأميريكي و برلمانات الدول الأُخرى. كل هذه لغرض الحصول على السمعة الطيبة اللازمة لقيادة منطقة الشرق الأوسط مستقبلاً.

 

وتبقى هناك نقطة أُخرى وهي أن البروتوكولات الموقعة لن تدخل الى حيِّز التنفيذ إلاّ بعد مصادقة برلماني الدولتين عليها. و في حالة عدم المصادقة سيبقى السيدان غول و أردوغان في موقف السمسار الشريف، و تبقى الحدود مغلقة لحين حل قضية غاراباغ حسب مرامهما.

 

3- والأحتمال الثالث أن القيادة التركية حصلت على تأكيد من الخارج على أن الشروط الموجودة في البروتوكولات سيعاد النظر فيها بعد شهرين من التوقيع عليها لحين فتح الحدود، إذ سيُعقد مؤتمر قمة بين أرمينيا و آذربيجان في مولدوفا، حيث سيوقع رئيسا الدولتين على إطار عمل مشترك حسب طلب رؤوساء الولايات المتحة الأميريكية و روسيا و فرنسا منهما في 10 تموز/يوليو الماضي.

 

تتوقع الجاليات الأرمنية في المهجر أن هذه البروتوكولات ستولد خديجة و تعاني من مخاضات الولادة المتعسرة، على عكس الحكومة (الأرمينية) التي تتوقع أن إعتراضات أرمن المهجر لن تؤطرها كمشروع (وطني)...

 

خاتمة

 

وأخيراً، وقِّعت بروتوكولات تطبيع العلاقات بين أرمينيا و تركيا في الساعة الحادية عشر و ستة عشر دقيقة حسب توقيت غرب أميريكا في يوم السبت العاشر من تشرين الأول/أوكتوبر 2009 بعد تأخير لبضع ساعات و ذلك في قاعة تشرتشل في جامعة زيوريخ في سويسرا.

 

أراد وزير خارجية أرمينيا السيد نالبانديان أن يذكر في التصريح المرافق للبروتوكولات قضية الإبادة الجماعية للأرمن، بينما قرر السيد داوودأوغلو وزير خارجية تركيا إضافة مسألة غاراباغ الجبلية في التصريح الختامي. لإقناع الطرفين، تدخلت وزيرة الخارجية السيدة هيلاري كلينتون بعصاها و جزرتها فأذعن الجانبان بعدم القيام بأي تصريح ختامي بعد مراسم التوقيع.

 

سؤال آخر يُطرح حالياً: هل إنتهجت النخبة (الأرمينية) الحاكمة سياسة صالحة في خدمة المصالح القومية و إستحقاق الشعب الأرمني حلاًّ منصفاً للمأساة التي حصلت في 1915...؟

 

وجواباً نقول: بيع التاريخ الأرمني...

 

المصدر: "صوت العراق"، 28 أكتوبر 2009

http://www.sotaliraq.com/articlesiraq.php?id=50785

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:2038

 
التعليقات المرسلة:
خيبة
2009-11-15 16:46:48 | samuel
لم أكن اتصور أن الحكومة الارمنية خانعة وخنوعة الى هذا الحد ان الشعب الذي لا أمال له انما شعب ايل الى السقوط ومن يتنازل عن حقوق مشروعة له يطمع الاخريين الى مزيد من التنازلات.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web