ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: علاقات تركيا مع دول الجوار
تركيا... ماذا تريد منا وماذا نريد منها؟

2009-12-06 01:54:23

جميل مطر

 

أينما ذهبت في بلاد المشرق ستسمع من يشيد بما فعله رجب طيب أردوغان حين انسحب من أحد لقاءات مؤتمر دافوس «احتجاجا على أقوال نطق بها شيمون بيريز بينما واصل عمرو موسى الأمين العام للجــامعة الـعربية اللقاء ولم يغادر». سمعت الرواية تحكى بنـغمات مختلفة ولم اسمع سوى مرات قلائل من يحكيها كما وقعـت بالفعل، وهو أن أردوغان انسحب لأن دافيد إجناشيوس، وكان يدير الجلسة، لم يعطه حــقه في الرد. على كل حـال، كانت الرواية كما تداولها الناس في تركيا والشــرق العربي والشرق الآسيوي، هي الرواية التي تحن الشعوب إلى سماعها، رواية ترضي أمما باحــثة عن بطل، أو أمـم تحن إلى دور كان لها وفقدته. لذلك كان استقــبال الأتراك لأردوغان عندما عاد من دافوس إلى بلاده أسطوريا، حتى أن صحافيين أميركيين أعربوا عن الشك في أن يكون الاستقبال غير مدبر أو مرتب من جانب حزب العــدالة والتنمية. ومع ذلك فإن التشكيك في عفوية الاستقبال التـركي لا يفسر عفوية الشعبية التي حـازها أردوغان في أوســاط عـديدة في العالم العربي، حـيث يفتقر الناس بالفعل إلى زعيم يتجرأ ويغادر محفلا يشارك فيه قادة إسرائيليون كبار، وبخاصة بعد أن صاروا يألفون منظر قادة عرب من رجال دين وسياسة وثقافة يستقبلون إسرائيليين في مكاتبهم، ويهرولون نحوهم في المؤتمرات، ويتصدرون معهم المآدب والاحتفالات. قد لا يكون هذا الحدث نقطة البداية في مسيرة اهتمام العرب بتركيا وزعمائها، لكنه بدون شك لعب دور «المسرع» في علاقة جديدة بين تركيا والشعوب العربية والإسلامية.

 

البداية متعددة النقاط، ولم تكن عشوائية أو وليدة الصدفة. إذ اشتركت أحداث دولية كبيرة في التأثير على مسارات تركيا أبلغ الأثر، أولها سقوط الاتحاد السوفياتي، ونحن نعرف أن الاتحاد السوفياتي كان التبرير الأقوى أمام العالم لانضمام تركيا للحلف الأطلسي ولقبولها القيام بدور هام في أمن المنظومة الغربية. وثانيها أزمة الخليج الأولى، حين اكتشفت تركيا أن حاجة أميركا إلى تركيا الإسلامية تفوق حاجتها إلى تركيا العلمانية، وحين كان المطلوب أميركيا أن تشترك تركيا وسوريا ومصر في الحرب لتحرير الكويت لأنها دول إسلامية وليس لأي اعتبار آخر. ثالثها حـرب العـراق، فـمنذ اليوم الأول تأكدت تركيا أن المصالح القومية التركية لم تعد تتطابق مع المصالح الأمنية الغربية، وأظن أن مصر والسعودية، شعرتا الشعور ذاته وإن بحدة أقل جدا. ساد وقتها اقتناع بأن الغزو الأميركي للعراق يعني احتمالا قويا بتمزيق العراق. بمعنى آخر، تأكدت تركيا أن أمنها صار مهددا بالاحتلال الأميركي للعراق وهو الأمن الذي كان يعتمد اعتمادا قويا على استقرار العراق، كاعتماده على استقرار سوريا. أما رابع التطورات التي أقنعت حكومة أنقرة بضــرورة تسـريع مسيرة تغيير سياساتها الخارجية، فكان خيبة الأمـل في تركيا من مواقف دول أوروبية، بخاصة فرنسا وألمانيا، من مسألة الانضمام التركي إلى الاتحاد الأوروبي. هنا لم تكن خيبة الأمل حافزا يدفع نحو التخلي عن حلم الانضمام، بل العكس تماما، وهو أن تعود تركيا من مسيرة جديدة في سياستها الخارجية وفى حقيبتها نفوذ قوي في المنطقة العربية والإسلامية وفي القوقاز ووسط آسيا، وإن أمكن، في أفريقيا جنوب الصحراء.

 

القوة التركية الناعمة

 

جلست بقدر ما سمح وقتي ووقتها مع مليحة أتومشبك، أستاذة العلاقات الدولية والمتخصصة في علاقات تركيا بالمنطقة العربية؛ بادرتني بأنها تتردد على الدول العربية منذ سنوات عديدة، وأنها ذهلت للحفاوة التي استقبلت بها في أنحاء العالم العربي كافة وبخاصة في سوريا، التي زارتها الأسبوع الماضي. قالت «ذهلت لدفء استقبالي وللتغير في مشاعر السوريين الذين كنت قبل سنوات أخشى التصريح أمامهم بأنني تركية».

 

الفضل في تغيير مشاعر السوريين، وغيرهم من العرب، يعود في رأيي إلى أن تركيا استخدمت وبكفاءة مدهشة عددا من أساليب «القوة الناعمة» في علاقاتها الجديدة مع العرب. تقول مليحة «بضائعنا صارت في كل أسواق العرب، مواقفنا السياسية، وبخاصة موقف حكومـتنا من عدوان إسرائيل عـلى غــزة والمذابـح التي ارتكبـها الإسرائيـليون فيها وموقفنا من سعي الدول الغـربية لفرض عـقوبات على إيران، ودعمنا المعلن لحق إيران في الحــصول على التكنولوجيا النووية، وموقفنا من وحدة الكيان العراقي، ودعوتنا قيادات سياسية في السـودان وحــماس لزيارة أنقرة رغم ضغوط الغرب وإنذاراته، وتوسطنا في لبنان وحصولنا الفوري على قبول حزب الله لــنا ولدورنا بل وإعلانه استعداده أن يفضلنا على إيران لو غيرت إيران سياستها تجاه الفلسطينيين، كل هذه المواقف وأكثر منها تعرفوه، جلب لنا شعبية وافرة في الشارع العربي».

 

المسلسلات التركية الناطقة بالعربية

 

لم أكن يوما من عشاق المسلسلات الطويلة المتعددة الحلقات وإن كنت من الدارسين لدورها في تشويه ثقافة قائمة وصنع ثقافة بديلة. وكان قد لفت انتباهي منذ سنوات هذا الشغف المكثف من جانب المشاهدين في مصر ودول عربية كثيرة بالمسلسلات التركية. كنت أتحرق رغبة لأعرف إن كان للدولة التركية دور في إنتاج هذه المسلسلات أو تشجيعها والترويج لها، خاصة أنه سبق لي أن طالبت المسؤولين عن الإعلام في الحكومة المصرية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات بالتدخل للمحافظة على هذه الموهبة الناعمة التي تمتلكها مصر، وحمايتها من الاختراق، ومنع توظيفها لصالح مذاهب دينية غريبة عن المزاج المصري، ولغرس تقاليد اجتماعية تمارس في دول عربية أخرى، وتتنافى مع تقاليد مصر ودرجة تطورها وسمعتها وثقافتها. عرفت وقتها أن منتجين من خارج مصر يفرضون مسلسلات أبطالها يتحدثون بلهجة بين بين، أي بين أن تكون مصرية وبين أن تكون شيئا آخر. عرفت أيضا أنهم يختارون نساء ورجالا يمثلون أدوارا لا تعكس الطبائع الحقيقية للمصريين، وإن كان بعضها يعكس حالات منحرفة صارت في نظر المشاهدين العرب والمصريين طبيعة مصرية خالصة بعد عقود من التكرار والاحتكار.

 

تذكرت قصتي مع هذا الرصيد من قوتنا الناعمة، وأنا أسمع من مليحة وآخرين في تركيا عن الدعم الذي بدأت الحكومة تقدمه إلى المسلسلات التركية التي حازت رضا المشاهدين، وصارت تمثل جانبا أساسيا من وسائل الترفيه الأساسية في البيوت والمقاهي العربية. قيل لي إن استطلاعا للرأي أجري في المملكة العربية الســعودية أثبـت أن أكثر من 70 بالمئة من نساء المملكة يشاهدن هذه المسلسلات بانتظام. كذلك سمعت من أتراك أن الرجل الذي يملك البيت حيث جرى تصوير مسلسل «نور» قام بتحويله إلى متحف يقصده السياح العرب مقابل خمسين دولارا للفرد. ويضيف هؤلاء الأتراك بفخر واضح «هل تعلم أن النسبة الأكبر من الزوار لسيدات قادمات من السعودية خصيصا لزيارة البيت، وكثيرات منهن يصلن بطائرات خاصة ويعدن إلى بلادهن فور الانتهاء من زيارة البيت»؟ تجنبت التعليق واكتفيت بهزة من رأسي.

 

تركيا والحكام العرب

 

لو كنت حاكما عربيا، محكوما بقيود ورثتها عن اتفاقيات مع إسرائيل وأميركا أو معتمدا بالكامل أو بقدر كبير على دعم الغرب وحمايته، فبدون شك لن أنام مطمئنا وأنا أرى «تركيا الإسلامية» تكسب موقعا بعد آخر في قلوب أبناء شعبي أو أمتي. حرمتنى لباقة أكاديميين وصحافيين أتراك، خلال لقاءات سريعة، من أن أسمع تفصيلات عن استقبال حكومات الدول العربية الكبيرة للانفتاح التركي على المنطقة العربية. لم يخرج الرد على سؤالي الذي بقيت أردده بصياغات مختلفة عن أن «واجب الحكومة التركية هو أن تتجاوز العلاقات الرسمية وتتوجه إلى الشعوب ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني». أحدهم توسع في الرد فقال «يهمنا جدا أن نقنع العرب بتغيير مناهج التعليم ومحتويات الكتب المدرسية لنمحو الضغائن الموروثة لدى الطرفين». ومع ذلك اجمع كل الذين قابلتهم على أن المشكلات التي ستواجه حكومة أردوغان على صعيد العلاقات الخارجية لا يجوز الاستهانة بها.

 

لم أكن أقل تشاؤما من هؤلاء الذين يعتقدون أن مسيرة الانفتاح التركي على العرب ستكون صعبة ومعقدة حين طرحت رأيي قائلا: «إن التعقيدات الصعبة ستأتي عندما تجر تركيا معها في رحلتها الشرق الأوسطية مشكلاتها، مثل المشكلة القوقازية «الأرمينية ـ الآذرية»، والمشكلة القبرصية، ومشكلات آسيا التركمانية، والمشكلة الكردية، وتطلب من العرب دعمها .

 

ماذا نريد وماذا يريدون؟

 

كنت دائما وأنا صغير، أقف منبهرا أمام مهرج في سيرك يقبض بيديه على خمس كرات وأحيانا سبع يقذفها في الهواء ويتلقاها بحرص يمنع سقوط إحداها على الأرض. تصورت دائما أن مهارة الرجل تكمن في قدرة فائقة على التركيز وتقدير الوقت وحسن توزيعه بين الكرات السبع. وتكمن أيضا في ثقة كبيرة بالنفس.

 

هكذا تخيلت المهمة الصعبة التي قررت حكومة تركيا تنفيذها وتحمل مسؤولياتها. تخيلت صعوبة التوفيق بين طموحات العثمانية الجديدة، التعبير المفضل الذي يطلقه المحافظون والديموقراطيون الأتراك على السياسة الخارجية التركية الراهنة، وبين المبادئ الكمالية الأتاتوركية التي اختارت التركيز على الداخل وعدم الاهتمام بالخارج، بحجة أن تحقيق السلام في الداخل يضمن تحقيق السلام في الخارج. وأظن أن فكرة قريبة من هذا المبدأ الأتاتوركي يعتنقها كثير من الحكام العرب. تخيلت كذلك صعوبات أخرى في التوفيق بين سياسات وسياسات، مثلا بين المصالحة مع أرمينيا من ناحية وسياسات التحالف التقليدية مع أذربيجان من ناحية أخرى خاصة ونحن نعرف أن بين الدولتين نزاعا عجزت قوى عظمى عن تسويته، أو التوفيق بين سياسات هدفها كسب ود العرب وسياسات غرضها عدم فقدان إسرائيل، وبين دعم تطلعات حكومة إيران ونقمة حكومات عربية عليها وخوفها منها، وبين التقارب مع كردستان العراق والمحافظة على وحدة العراق وكلاهما هدفان استراتيجيان، أو التوفيق بين الانفتاح على العرب والمسلمين والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبين صعود شعبية تركيا في العالم الإسلامي وعضويتها في حلف الأطلسي الذي يخطط مع إسرائيل لغزو إيران والتدخل في الشئون الداخلية للدول العربية.

 

حفزني التفكير في هذه الحقيبة السياسية التي تحوى أهدافا وطموحات صعبة المنال وبعضها شديد التناقض إلى البحث عن تفسيرات مقنعة وإجابات مفصلة لأسئلة بالفعل حائرة. توجهت بقائمة من الأسئلة إلى أحد كبار الدبلوماسيين الأتراك، جانب منها يتعلق بمسيرة الانفتاح على العالم العربي، ويتعلق جانب آخر بتجارب في التعامل مع قضايا داخلية أعتقد اعتقادا قويا أن كثيرين من مفكرينا يترددون في الاقتراب منها، بينما في تركيا إقتربوا منها بالفعل، ورأيتهم يتعاملون معها.

 

سألت الدبلوماسي الكبير، متعمدا لفت انتباهه إلى السهولة التي تحقق بفضلها الانفتاح على العرب في خطواته الأولى. سألته إن كان المسؤولون الأتراك يدركون أن العرب ليسوا، كما تصور العثمانيون القدامى، كتلة واحدة. وأضفت قائلا «إن العرب الآن يتوزعون على اثنتين وعشرين دولة، لكل منها علم وحكومة وشركة طيران ولكل دولة من هذه الدول حاكم يعتقد، وبكل الثقة، أنه وحده الأعمق فهما لأحوال العرب وأمنهم ومصالحهم، وهو الوحيد الذي يمكن أن يؤخذ رأيه باطمئنان، وإذا تجاوزته تركيا أو لم تتوقف عنده طويلا لتستشيره خلال زحفها الجديد وتطلب نصيحته فسيشن حربا إعلامية وسياسية ضدها ويهيج شعبه ضدها ويؤلب زملاءه من الحكام العرب على تركيا». قلت أيضا إن تركيا الأتاتوركية، على عكس تركيا العثمانية، تجاهلت حقيقة أن فيها شعوبا من أصول عرقية ودينية وطائفية مختلفة عن أصل الجسم الرئيسي للأمة التركية. هذا الأمر ليس ممكنا تكراره في تركيا اللبرالية وبالتأكيد ليس ممكنا في العالم العربي بأوضاعه الراهنة، حيث صارت مشكلة الهوية القضية التي تتحدى أكثر من غيرها ذكاء الحكام العرب وخبرتهم وحنكتهم . أضف إلى ما سبق رواسب الماضي الشديدة منذ أيام الامبراطورية وبعدها في أيام الغطرسة الأتاتوركية. عدت إلى سؤالي فصغته كالآتي: «كيف استعدت الدبلوماسية التركية لهذه التحديات التي ستواجه حتما مسيرة عودتها إلى العالم العربى؟». وتدفقت أسئلة أخرى. سألت عن الحد الذي وصلت إليه تركيا على طريق إبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة ووقف تدخــلها في الوظائف والمهام السياسية. وسـألت، أيهما لعب الدور الأكبر في تحقيق هذا الانسحاب الملحوظ من جانب العسكر، أهو الداخل أم الخارج، وأقصد تحديدا الشـعب والطبقة السياسية أم الاتحاد الأوروبي وضـغوط الولايات المتحدة ؟. ولم أخف عنه اقتناعنا في دولنا وفي العــالم النامي عموما بأن مشكلة دور الداخل والخارج في تحديد مسارات بلادنا التنموية والديمقراطية تكاد تشل حركتــنا السياسية وتؤثر بشكل حاد في تحديد اختياراتنا الخارجية واستـقلال قراراتنا.

 

كذلك كنت مهتما بشكل خاص بأن أسأل عن قدر الإنجاز الذي تحقق في تركيا في مجال إصلاح القطاع الأمني ووقف تجاوزات الشرطة وغيره من أجهزة الأمن المتعددة، وما إذا كانت تركيا قد تأكدت من أن لا عودة إطلاقا بعد الآن من جانب أجهزة الأمن لاستخدام أساليب قمع وانتهاكات لحقوق الإنسان، ولو بالقدر الذي نجحت به بعض دول أمريكا اللاتينية ودول في أوروبا الشرقية. لم أنتظر إجابته إذ كان سؤالي التالي على طرف اللسان منذ اللحظة الأولى وكان واضحا على قسمات وجهي تلهفي لسماع الرد عليه.

 

سؤالي كان عن تفاصيل المؤامرة التي يحاكم بسببها ضباط في الجيش كانوا يخططون لإثارة فوضى في تركيا عن طريق شن حملة اغتيالات لقادة المعارضة والطوائف غير الإسلامية والكردية. وكنت أعلم أن رئاسة الأركان ترفض الادعاءات الحكومية، وأن الصدام بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية مؤجل لا محالة لأنه على عكس الصدامات السابقة نتائجه غير مؤكدة، فالحزب الحاكم يتمتع بشعبية متصاعدة، وقواعده في القرى والمدن الصغيرة قوية، والانتماء للهوية الإسلامية، وإن باعتدال وثقة في النفس واقتناع بمزايا الديموقراطية، كاسح. لم أحصل من الصديق التركي على إجابات شافية. ولا أخفي أنني خرجت بانطباع أن «الموظفين» الأتراك كالموظفين في عديد من الثقافات لديهم حسابات أخرى.

 

الأتراك قادمون

 

نعم تركيا عائدة إلى المنطقة العربية، تعود كدولة وليس كامبراطورية، كما يقول إينالشيك هاليل أستاذ التاريخ بجامعة بيكنيت بأنقرة، تعود بالقوة الناعمة، اقتصادية كانت أم تلفزيونية أم دبلوماسية. وليس بالقوة الصلبة أو الخشنة. لكنها تعود. ويشير إلى أن في الغرب الآن حيرة وترددا واستفسارات شتى، هل يؤيدون الزحف التركي بأمل التقريب بين المسلمين والغرب أم يعرقلونه خشية عواقب اجتماع هويات إسلامية ضد إسرائيل ومصالح الغرب. سمعت من أستاذ آخر أن المسؤولين يلاحظون كثافة ما ينشر في الآونة الأخيرة من مقالات في صحف الغرب تتضمن تهديدات مبطنة لهم. مثال على ذلك ما كتبه سانار كاباتاي ويعمل مستشارا في معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى التابع لجماعة الضغط اليهودية، متسائلا في خبث واضح، «هل قررت تركيا الرحيل عن الغرب؟». وبخبث أشد يذكّر المسؤولين فى واشنطن بأن حزب العدالة والتنمية، الذي يقوده أردوغان، كان صاحب وصف هجوم القوات الأميركية على الفلوجة بأنه حرب إبادة، وأنه الزعيم التركي الذي اتهم حكومة عباس في الضفة الغربية بأنها غير شرعية، وهو الذي انتقد بشدة هجوم إسرائيل على غزة ومنع قواته المسلحة من الاشتراك في المناورات الدورية المشتركة مع إسرائيل. سانار وغيره عشرات من كتاب المقالات في الصحف الأميركية يشنون حملة شرسة ضد حزب العدالة والتنمية بسبب هذه المواقف. وباطمئنان شديد يتحدث محللون أتراك عن مستقبل علاقات بلادهم بالغرب . يقولون إن الغرب ليس واحدا ولا موحدا. ويضربون المثل بنصيحة أوباما للأتراك خلال زيارته الشهيرة لتركيا بأن يواصلوا التقدم ضمن أوروبا الموحدة، وهي النصيحة التي دفعت ساركوزي الرئيس الفرنسي الى توجيه نقد لاذع الى أوباما في أول صدام علني بينهما عندما طالبه «بأن يهتم بشؤونه ولا يتدخل في شؤون الآخرين». ولا ينسى الأتراك لساركوزي خطابه الذي دعا فيه زعماء أوروبا الى التوقف عن الكذب. وأضاف «لا أستطيع أن أقول لطلاب مدارس فرنسا إن حدود أوروبا تقف عند سوريا والعراق . تركيا تقع في آسيا الصغرى وليس في أوروبا». ولعل أكثر ما آلم المسؤولين الأتراك في انتخاب رئيس وزراء بلجيكا رئيسا للاتحاد الأوروبي لم يكن تصريحه العام 2004 الذي قال فيه «تركيا ليست جزءا من أوروبا .. ولن تكون» وإنما أن تصريحه هذا لم يقف عائقا ضد ترشيحه وانتخابه من جانب قادة الاتحاد.

 

كنت أستمع الى محدثي يكرر على سمعي تفاصيل الحملة الإعلامية الغربية ضد مواقف أردوغان وحكومته بينما ذهب تفكيري الى إعلاميين عرب وصفوا مواقف أردوغان وتصريحات زملائه «بالعنتريات التي لا تخدم بلاده ولا تخدم القضايا التي يتصدى للدفاع عنها».

 

هل يكون الترحيب الشعبي بتركيا نتيجة اقتناع بما حققه الأتراك في بلادهم من ديموقراطية وتعليم جيد وإعلاء للمجتمع المدني وتقدم صناعي وتكنولوجي عالي المستوى ودبلوماسية واعية وشجاعة، وكلها إنجازات لم نحقق منها في بلادنا إلا النذر اليسير . أم يكون لأن تركيا توحي بأنها عاقدة العزم على التخلي عن أواصر التعاون الاستراتيجي التي تربطها بإسرائيل، وبدأت بالفعل تتعمد صنع مسافة تتسع باستمرار وتباعد بينها وبين إسرائيل .

 

ما زلنا في بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط. اللاعبون الجدد ليسوا من الخارج، لكنهم أيضا ليسوا منا، ليسوا عربا.

 

ينشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

 

السفير، بيروت، 5 كانون الاول / ديسمبر 2009

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1406&ChannelId=32589&ArticleId=608

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1659

 
التعليقات المرسلة:
الاتراك
2010-01-04 01:22:27 | سمير
الدور الذي تلعبه تركية هو دور اسند لها من الدوائر الامريكية وهو لتمرير المخططات الامريكية. ولهذا اختارها أوباما لالقاء اول خطاب سياسي موجه للعالم الاسلامي، بعدما عجزت امريكا ان تلعبه من خلال اسرائيل.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web