ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: شعوب وأقليات الشرق الأوسط
من تجاوز للطائفية؟

2009-12-02 19:57:46

بقلم المطران جورج خضر

 

أظنّ أننا لم ننتبه ولم نستطع أن ننتبه الى طبيعة المشاعر الدينيّة والمخلّفات التاريخية في كل طائفة على حدة، فاعتبرنا تسهيلاً للتأمل السياسي أن ثمّة كتلة واحدة تسمّى طائفة، ونظرنا الى هذا الكيان نظرة تجريديّة او حقوقيّة لتجاوزه في نظام الدولة. أتى ميشال شيحا إعدادًا منه للدستور ليرى الى الطوائف كأنها متماثلة، ونظر بخاصة الى الأقليّات والتمس حريّتها في مخزون ذاكرة عثمانية، وظنّ أن توازنًا بينها في العدل يؤمّن مشاركة لها في الدولة لا تبخس حق أحد. لكنه لم يفرّق بين الإسلام والمسيحية في طبيعتهما. فرّق في رؤية الوجود المجتمعيّ. ولم يميّز في المسيحية بين الموارنة وغيرهم من المسيحيين او بين رؤية الأرثوذكس الى الإسلام التاريخيّ ورؤية الموارنة اليه.

 

ما أطرحه هنا أن موضوع إلغاء الطائفية السياسية ليس كافياً لتجاوز الطائفة الى ما هو أبعد وأمتن وأبقى أي الى الدولة القومية أو الوطنية. أظنّ أن طابع الفكر القوميّ قائم على أنك قادر بتربية وطنية او حزبية على تجاوز الانتماء الطائفي في خلُق حضاري الى انتماء آخر أوسع. وهذا الفكر تابع لنمطية غربية لم تكن معقّدة مثلا عندما اكتشف الفرنسيون بعد ثورتهم أنهم أُمّة. كانت هناك قشرة الملكيّة المتحدة بالكنيسة الكاثوليكيّة التي تُبعدهم عن مفهوم الأمّة، لكنهم كانوا حقا أمّة كان ينبغي إزاحة النقاب عنها. أمّا عندنا فينبغي أن تُصنع الأمّة اذ لم نكن أمّة.

 

نحن جئنا من الحضارة الإسلامية ومن رؤية المارونية لكيانها وكيان الناس. عندما نسمع أئمة المسلمين او مفكّرين إسلامويين يذكرون الأمّة فهذا برجوعهم الى النص المقدس: "كنتم خير أمّة أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المُنكر" (آل عمران، 110)، وهذا لا علاقة له بالأمّة بمعناها القوميّ. ليس الإسلام رؤية روحية بحتة. انه أرضيّ أيضًا والأرض تعني سياسة. انا لست بقائل ان القناعة القوميّة ضرورية للتوحيد السياسي. بيزنطية والسلطنة العثمانية وامبراطوريّة النمسا- المجر ما عرفت وحدتها بالقوميّة ولكن بتنظيم الدولة المحتوية إثنيات عدة. لذلك يمكننا أن نفتش في لبنان فقط عن الدولة. وليس صحيحا أننا في الواقع جميعا دويلات. الإسلام كيان زمنيّ وأخرويّ معا وليس دويلة ولو أصرّ على إبقاء أحواله الشخصيّة. ولا يبدو أن أحدا في لبنان مستعدّ لتجاوز الأحوال الشخصية.

 

***

 

أما المارونية في حركتها السياسية فلها في عمق مشاعرها مطالعة لنفسها وللبنان تختلف كثيراً عن مطالعة الإسلام اللبناني لنفسه. المارونية إثنيّة في مقهوريتها التاريخية وفي احتمائها في الجبل كوّنت شعبا بالمعنى الكامل. وليس في الوحدة الوطنية ما يمنع قيام إثنيات متعددة كما في بلجيكا وسويسرا. اليوم لا يبدو أن هذه الإثنية تُصرّ على أوّليتها في الدولة. وإن كان ليس للإسلام حديث قوميّ إلا أن وجدانه يقيم في الأوّلية لاعتبار نفسه الوحي الأخير والكامل ولكن في التحرك السياسي المعاصر هذا لا يضطرّه الى أن يكون إثنية. المارونية وإن انتمت الى الكثلكة عقيدة لا تتحرك - على الصعيد السياسي - كاثوليكيا في لبنان لأن الكثلكة أخذت تكتشف، ولو ببطء، القومية. الكنيسة الكاثوليكية إذا قيست بأرثوذكسية الروس واليونانيين الحادّين بقوميّتهم آخذة اليوم بالقومية في كل بلدانها. الإسلام والمارونية وكل منهما كتلة كيف ينتقلان الى دولة لكل الناس ويعترفان لكل الناس بالحقوق الواحدة بحيث يُلغيان أيّ شعور بالتفوّق او الأفضليّة او الكبر التاريخي او الإسقاط التاريخي لعظمة العقيدة.

 

الأرمن ظاهرة فريدة لأنهم قوميّة حقيقية في حسّهم ووطنية في لبنان وهذا ممكن عقليا وفعليا. قوميون ليس من طبيعة مسيحيّتهم اذ هذه لا تتضمن قومية ولكن بفضل تاريخهم لافتخارهم بأنهم اول دولة مسيحية في التاريخ. والى زمن قريب كان تراثهم الأدبي من إلهامهم المسيحي. في اعتقادي أن لبنانية الأرمن كاملة اذ ليس من تضارب بين فخارهم القومي وولائهم للدولة اللبنانية.

 

الروم الأرثوذكس يُقبلون قليلا الى وظائف الدولة. ولا يبدو أن لهم تحرّكا ملحوظا فيها. ما يميّزهم عن المسلمين أن مسيحيّتهم الشرقية لا قولة لها في السياسة بمعناها الواقعي ربما لأن مذهبهم لا يتضمّن قوميّة. ولعلّ فراغهم منها هو الذي دفعهم الى أن ينضمّوا الى غير تيار قومي. هذا التجرّد من القوميّة يكشف لي أن الأرثوذكس اللبنانيين او العرب مندفعون الى العلمانية ربما بسبب الالتصاق الكامل بكنيسة لا يرون فيها تحزّبا طائفيا. وتكشفهم موحّدين كثيرا على الصعيد الروحي ربما لأنهم أحرار من القبليّة. وهذا يدفعني الى القول انهم، كنموذج، أقرب صورة عن الاندماج بالدولة. فمن لا يطمح الى حضور دولتيّ مصغّر لا يطمح الى دور في الدولة الكبرى خاص به.

 

***

 

لم يبقَ كافيا أن نقول مع ميشال شيحا إن النظام الطائفي يتضمّن العدل او يقرب منه. هذا لم ينجح لأن الانتماء الى الطائفة لم يكن مجرّد انتماء الى دويلة، بل كان ايديولوجية راسخة في النفوس واعمق من الأعراض السياسية. كل المتأملين في هذا الموضوع عندنا يظنّون أن حلّ المشكلة هو بنقل الانتماء من دولة صغيرة الى دولة كبيرة. ولكن كيف؟ أفهم أن كسر الطوق الطائفي بالقانون في إلغاء الطائفيّة السياسيّة قد يكون له أثر كبير. ولكن مجرّد الدعوة الى مكافحة الطائفيّة في النفوس يمهّد الطريق لإلغاء النصوص. هذا يفترض أن لتعلّق المواطن بطائفته نمطا واحدا. لقد بينّا أربعة أنماط تختلف المشاعر فيها والحوافز والمخاوف عند طوائف أهملناها.

 

هنا أسأل المسلمين ولا سيّما السنّة اذا كانوا يرون أن تحرّرهم من الدنيا كمكوّن في الإسلام مرغوب فيه كما يبدو مستقبل الإسلام في أوروبا (سنشاهد بلا شك هناك إسلاما علمانيا). وهل سيعفّون عن رؤية العالم أنه في دنياه غير مقسوم الى مؤمنين ونصارى ملوّثين بالكفر ويهود لكونهم جميعا مواطنين، لا أسأل الموارنة شيئا لأني أفهم آلامهم ولكني أدعوهم الى اتخاذ كثلكتهم اتخاذا جديا في قبولها كل شرائح المجتمع على التساوي.

 

لا أسأل الأرمن ولا الروم الأرثوذكس شيئا لرؤيتي أنهم من الدولة كليا. إن نموّ هاتين الجماعتين في عمقيهما الروحي والثقافي هو ضمانة ثبوتهما في الوطن متساوين والكل.

 

ما حاولت أن أبيّنه باختصار أن ليس عندنا كلنا الصعوبات الواحدة التي تبعدنا عن الانصهار في الأمّة وأن البعد يجب أن يعالجه المفكرون بعمق. التعدد لا يعني بالضرورة الغنى الثقافيّ. في حالتنا يعني الافتراق أحيانا لأن الوحدة الفكرية او الوجدانية ليست مؤمّنة. كلّ من شرائحنا الدينيّة لها درجاتها يصعد منها الى الدولة.

 

هذا لا يعني أني لا أُقدّر تقديرا عظيما النشاط الثقافي والنشاط المجتمعي والسياسي اللذين يكسران السدود القائمة بين بعض من الطوائف والدولة من ناحية نظرية. فعلى تصويري للمسلمين والموارنة أُدرك أن بينهم من تخلّى عن رواسب التاريخ وأحيانا بعض اللاهوت، لكني أقول للعلمانيين والقوميين ان المسألة ليست بكسر سدود الطوائف ولكن بمعالجة أخطاء هذه او امراضها من الداخل. الوطنية اللبنانية لها أن تقوم ولكن سطحياً على إلغاء الطائفية السياسية. لكنها لن تتأصل الا بعد النقد الروحي والتاريخي تقوم به الطوائف المتطيّفة لنفسها.

 

النهار، 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2009

http://www.annahar.com

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1249

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web