ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: موضوعات أرمنية بأقلام تركية
المأزق التركي - الأرمني

2010-01-14 22:46:29

بقلم عمر تاسبينار   

 

مضى أكثر من ثلاثة أشهر على توقيع وزيرَي الخارجية التركي والأرمني البروتوكولين اللذين كان يُفترَض بهما أن يُطلقا مصالحة تاريخية وآلية تقارب بين يريفان وأنقرة.

 

كان واضحاً أن الأمر لن يكون سهلاً. لقد أثار حفل التوقيع في ذاته أزمة. ففي اللحظة الأخيرة أمكن تفادي إذلال كبير لكل الشخصيات المرموقة الحاضرة في الحفل (كان وزراء خارجية روسيا وفرنسا وسويسرا، والمنسق الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون موجودين جميعاً في القاعة). لكن الشيطان لا يزال يكمن في التفاصيل: يجب أن يصدّق البرلمان الوطني في كل من البلدَين على البروتوكولين كي يدخلا حيّز التنفيذ.

 

كانت هناك عوائق أساسية منذ البداية. فرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان كان ربط التصديق على البروتوكولين وفتح الحدود التركية-الأرمنية بتقديم تنازلات أرمنية في إقليم ناغورنو-كاراباخ. لقد أوضح في خطاب تلو الآخر في الداخل والخارج أنه لن تُتَّخذ أي خطوات إيجابية قبل انسحاب أرمينيا من أذربيجان. السبب الرئيس وراء موقفه مرتبط بالسياسة الداخلية التركية وكذلك بالموقف الآذري المتصلّب من العلاقات التركية-الأرمنية.

 

داخلياً، حكومة حزب العدالة والتنمية قلقة من استعداد الحزبَين المعارضين، حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية، لاستغلال المسألة. فدنيز بايكال ودولت بهشلي قوميان متشدّدان يعتبران أن التقارب مع أرمينيا هو بمثابة "بيع" للمصالح الوطنية التركية. ويزعمان أن لأرمينيا أطماعاً في الأراضي التركية، وأن التقارب سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى إقرار عالمي بالنسخة الأرمنية عن التاريخ، مع ما يعقب ذلك من مطالبات بمنح تعويضات مالية عن "الإبادة" عام 1915.

 

وما يزيد الأمور تعقيداً هو أن الموسم الانتخابي يقترب بسرعة. لقد أنفق حزب العدالة والتنمية رأسمالاً سياسياً قيّماً على الانفتاح على الأكراد، ويواجه هذا الانفتاح أيضاً مأزقاً بعدما قرّرت المحكمة الدستورية حل حزب العمال الكردستاني وحزب المجتمع الديموقراطي المواليَين للأكراد وكردستان. وتخضع أوراق الاعتماد القومية لحزب العدالة والتنمية لتدقيق شديد من جانب حزب الحركة القومية، مما يسبّب معضلة كبرى لأردوغان لأنه غالباً ما يتنافس حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية على الدوائر الانتخابية نفسها، ولا سيما في قلب الأناضول المحافظ. يضاف إلى هذه الاعتبارات السياسية الداخلية بعد خارجي أساسي: تعارض أذربيجان بقوة التقارب التركي-الأرمني الذي تصفه بأنه يضر بمصالحها ويلحق أضراراً خطيرة بعلاقاتها مع "الشقيقة" تركيا. ونظراً إلى التأثير الكبير للوبي الآذري في تركيا وحصول الأخيرة على الجزء الأكبر من نفطها وغازها من أذربيجان، تزيد هذه الضغوط الخارجية من حدة الصعوبات الداخلية. وتفسّر كل هذه الديناميات تردّد حزب العدالة والتنمية حيال التصديق على البروتوكولين.

 

الوضع في أرمينيا معقّد بالدرجة نفسها. ليست لدى يريفان أي نية للتخلي عن السيطرة على ناغورنو-كاراباخ، وينبغي عليها أن تتعامل مع الآراء المتشدّدة للدياسبورا الأرمنية النافذة في العالم والمعارضة الداخلية الشديدة. لقد أمضى غالبية أرمن الشتات عقوداً في محاولة إقناع حكوماتهم بالاعتراف بأن القتل الجماعي للأرمن الأتراك بين 1915 و1918 هو إبادة. والآن، يعتبرون أن توقيع يريفان اتفاقاً مع عدوها التاريخي أمر غير مقبول. وينطبق هذا في شكل خاص على الأميركيين الأرمن الذين يعتبرون أنهم باتوا قاب قوسين او ادنى من الحصول على هذا الاعتراف نظراً إلى الوعود التي قطعها الرئيس باراك أوباما خلال حملته الانتخابية. من شأن اتفاق تاريخي بين يريفان وأنقرة أن يسدّد ضربة قوية لآمالهم بتبنّي قرار ينص على الاعتراف بالإبادة في الكونغرس الأميركي.

 

نظراً إلى كل هذه الأبعاد المحيطة بالمشكلة، ثمة حدود واضحة لحجم الضغوط التي تستطيع إدارة سيرج سركيسيان تحمّلها. فأمام المعارضة الداخلية المتزايدة والضغوط من الدياسبورا والنبرة السلبية في أنقرة، ليس مفاجئاً أن يريفان تعيد النظر في السير قدماً بالتصديق على البروتوكولين. في الآونة الأخيرة حذّر رئيس الوزراء الأرمني ديكران سركيسيان من أنه إذا حاولت تركيا ربط التقدم في موضوع كاراباخ بالتصديق على البروتوكولين، فسوف تكون لأرمينيا "الحرية" في فرض شروطها الخاصة. كان هذا تلميحاً واضحاً بأن أرمينيا قد تطرح مسألة الإبادة. وقد أعلن الرئيس سركيسيان صراحة أنه إذا اقترحت تركيا أي نوع من الشروط المسبقة للتصديق على البروتوكولين، فسوف تبادر يريفان على الفور إلى إلغائهما. ومن جهته، لمّح رئيس مجلس النواب هوفيك أبرهاميان خلال مؤتمر صحافي عقده في أواخر كانون الأول الماضي، إلى أنه على تركيا أن تقوم بخطوة التصديق الأولى. باختصار، التقارب التركي-الأرمني في ورطة كبيرة، ويحتاج إلى قيادة رؤيوية لإنقاذه، وهو ما تفتقر إليه أنقرة ويريفان في هذه الأيام.

 

* باحث تركي في معهد بروكينغز مقيم في واشنطن – من نادي كتاب "قضايا النهار" ومعلق في صحيفة "زمان" التركية

 

ترجمت النص عن الانكليزية نسرين ناضر

 

المصدر: "النهار"، بيروت، 13 يناير 2010

www.annahar.com

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1265

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web