ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: شؤون تركية
تركيا في مواجهة القضية الأرمنية.. مجدداً

2010-03-20 04:21:00

جنكيز تشاندر

 

اختل توازن تركيا مرة أخرى مع القضية الأرمنية. تعطلت بروتوكولات" التطبيع" الموقعة بين تركيا وأرمينيا، في حضور وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ووزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف والمسؤول (السابق) عن الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا في زيوريخ ، في تشرين الاول/ أكتوبر 2009. و"التطبيع" يعني أن تقيم تركيا وأرمينيا علاقات ديبلوماسية بينهما وتفتحان الحدود البرية المشتركة بعد التصديق على هذين البروتوكولين في برلمانهما. لكن والى الان تنتظر هذه البروتوكولات في برلماني البلدين من دون أن تطرح على التصويت.

 

وتركيا التي تواجه ضغوطاً من أذربيجان ومن المعارضة القومية والمحلية، تتردد وتتوقع إحراز تقدم ما بشأن مسألة ناغورنو كاراباخ بين يريفان وباكو لكي تدفع بهذه البروتوكولات الى الأمام، بينما تنتظر أرمينيا أن يتخذ البرلمان التركي الخطوة الأولى. فكانت النتيجة صحوة الأرمن في الشتات وطرحهم القرارات حول الإبادة الجماعية كتلك التي صادقت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي على إحداها بهامش صوت واحد (23-22) واقرها البرلمان السويدي مرة أخرى الأسبوع الماضي بفارق صوت واحد أيضا(131-130).

 

هذا الأمر أثار غضب حكومة أردوغان التي تتحضر للحملة الانتخابية في تركيا. فاستدعت سفيرها في واشنطن نامق تان الذي كان قد عين مؤخرا ولم يكن قد افرغ أمتعته بعد، احتجاجاً وبهدف منع التصويت النهائي على هذا القرار في مجلس النواب، فضلا عن محاولة ردع الرئيس أوباما عن ذكر كلمة "الإبادة الجماعية" في تصريحه السنوي في 24 نيسان/ابريل، تاريخ إحياء ذكرى الإبادة الجماعية المزعومة للارمن.

 

سحب السفير أدى إلى وقف الاتصالات الرسمية مع المسؤولين الأميركيين على كافة المستويات، وألغت بالتالي وفود رجال الأعمال الأتراك التي تزور واشنطن كافة مواعيدها، مما اجبر الصناعات العسكرية الضخمة مثل "بوينغ" و"رايثرون" و"جنرال ديناميكس" و"نثروب" على التحرك والضغط لمصلحة تركيا من اجل وقف تمرير قرار الإبادة الجماعية في الكونغرس، اعتقادا منهم أن مثل هذا التمرير قد يفقدهم العقود السخية مع تركيا ويكون له الآثار السلبية جدا على الصادرات الأميركية والعمالة.

 

وهكذا فان تركيا، التي لم تعد تعتمد على اللوبي اليهودي، مثلما كان الأمر في الماضي بسبب توتر العلاقات بينها وبين إسرائيل، تجد لها اليوم "أصدقاء نافذين جددا" في الولايات المتحدة، مثل "لوبي الأسلحة العسكرية". ولا شك في أن الأمر كان له الأثر المهم على الإدارة الأميركية. حيث إن هيلاري كلينتون نفسها، ثم وزير الدفاع روبرت غيتس، وكذلك نائب وزير الخارجية جيمس شتاينبرغ صرحوا على التوالي أنهم ضد مشروع قرار الإبادة الجماعية ويطلبون من تركيا إعادة سفيرها الى واشنطن.

 

بالنسبة لأنقرة، كانت تلك الخطوة من جانب الإدارة الأميركية ضرورية ومتوقعة. لكن بالنسبة لاردوغان ومسؤولي وزارة الخارجية، فان الإدارة الاميركية الحالية تأخرت في التدخل بالمقارنة مع شدة الضغط الذي مارسته سابقا إدارتا الرئيسين بوش وكلينتون لوقف إدخال تشريعات بشأن قضية الإبادة الجماعية إلى الكونغرس.

 

كنت في مؤتمر صحافي لكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وخرجت منه بانطباع هو أن تركيا ستنتظر بيان أوباما يوم 24 نيسان/ ابريل لتقرر إعادة السفير الى واشنطن.

 

غير أن الضربة القاسية غير المتوقعة جاءت من السويد. فعلى الرغم من معارضة الحكومة، وافق البرلمان السويدي على اقتراح مقدم من الحزب الديمقراطي الاشتراكي، واليسار (الشيوعي سابقا) وحزب الخضر وبفارق صوت واحد، حول قرار يختلف قليلا عن قرار الكونغرس الأميركي، لأنه بالإضافة إلى إدانته "الإبادة الجماعية للأرمن"، دان أيضا عمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبت في الماضي ضد روم بونتوس (اليونانيون في منطقة البحر الأسود) والكلدان والأشوريين والسريان، أي عملياً جميع الطوائف المسيحية في تركيا.

 

وفي حين لا يوجد اليوم سوى 3000 سرياني في منطقة ماردين جنوب شرق تركيا، هناك في السويد عشرات الآلاف من السريان الذين هاجروا من تركيا وأصبحت السويد وطنهم الثاني، لدرجة أن الأمين العام للحزب الديمقراطي السويدي إبراهيم بايلان هو سرياني وقد يصبح رئيس الوزراء المقبل، أو وزير خارجية السويد في أعقاب الانتخابات التي ستجري في أيلول/ سبتمبر القادم. والطائفة السريانية أيدت بشدة الاقتراح في البرلمان السويدي. الأمر الذي أربك السلطات التركية لدرجة أنها استدعت السفيرة التركية الجديدة في السويد أيضا احتجاجاً على القرار وألغى رجب طيب أردوغان زيارته الى ستوكهولم التي كانت مقررة في منتصف آذار/ مارس، وحيث كان من المتوقع أن تكون القمة بين تركيا والسويد للاحتفال بإقامة علاقات إستراتيجية. فالسويد هو البلد الأقرب إلى تركيا في الاتحاد الأوروبي، يدعم بشدة انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإن الضربة التي اتت من البرلمان السويدي أصابت تركيا بالدوار مثلما فعل قرار الكونغرس الأميركي.

 

وإذا كانت تركيا قد ابدت ردود فعل قاسية فذلك لمنع برلماني اسبانيا والمملكة المتحدة من مناقشة قرارات مماثلة بشأن الإبادة الجماعية.

 

لتركيا أصدقاء جيدون في الحكومة السويدية. فوزير الخارجية كارل بيلت يعارض قرار برلمانه وهو حاول طمأنة تركيا الى أن موقف السويد من عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي لن يتغير. في حين اصدر رئيس الوزراء فريدريك راينفيلدت بياناً تعليقاً على القرار قال فيه: "لقد أبلغت رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان أسفي بشأن قرار البرلمان السويدي، لأنه يمهد الطريق لتسييس الأحداث التاريخية. وأود أيضا أن أعرب عن قلقي من احتمال استغلاله من قبل القوى في تركيا التي تحاول وضع حد لعملية المصالحة مع أرمينيا، وعملية الإصلاح في تركيا".

 

هذا البيان اعتبرته دوائر الحكومة التركية بمثابة" اعتذار" على الرغم من أنه لم يكن كذلك، ومن المتوقع أن تعود السفيرة التركية إلى عملها في ستوكهولم.ولكن، كما أشار رئيس الوزراء السويدي راينفيلدت في بيانه، فان "القوى في تركيا التي تحاول وضع حد لعملية المصالحة مع أرمينيا ، وعملية الإصلاح في تركيا" استغلت هذه التطورات، حيث إن كل شيء من هذا القبيل يفيد مصلحة القوميين في تركيا المعارضين لحكومة أردوغان.

 

فها هما حزبا المعارضة البرلمانية يضغطان على اردوغان من اجل إلغاء البروتوكولات الموقعة مع أرمينيا. وها هو اردوغان، وخوفاً من فقدان أصوات لصالح المعارضة القومية في الانتخابات المقبلة، يرد على القوميين بما يحبون سماعه ويقول في تصريحات للإذاعة البريطانية "بي بي سي" خلال زيارته لندن انه قد يعيد الى أرمينيا العمال المهاجرين بطريقة غير مشروعة العاملين من دون إجازة عمل، مشيراً الى أن هناك 70 ألف عامل مهاجر من أرمينيا، وهو عدد مشكوك فيه حيث تدعي المصادر التركية الأرمينية أنه لا يوجد أكثر من 15 ألف ارمني في تركيا قدموا اليها بتأشيرات سياحية لمدة ثلاثة أشهر وبقوا فيها. هؤلاء يبلغ متوسط الدخل الشهري لمعظمهم نحو 300 دولار اميركي ولذا فان اردوغان باستهدافهم يستخدمهم كما لو أنهم رهينة للعلاقات بين تركيا وأرمينيا أو لعلاقات تركيا مع العالم الخارجي بشأن القضية الأرمينية.

 

لذلك أثارت التصريحات القومية لاردوغان موجة من الغضب في أوساط المفكرين الليبراليين والديمقراطيين في تركيا الذين وجدوا فيها "نغمات عنصرية".

 

هذه التطورات، وبدلا من أن تنهي ادعاءات الإبادة الجماعية في الخارج، أدت الى احتدام النقاش حول مواجهة التاريخ داخل الساحة السياسية المحلية. وتصاعدت أصوات لا بأس بعددها تتساءل لماذا وكيف يمكن لحكومة اردوغان أن تتقاسم "الخطايا" التي ارتكبتها حكومة الاتحاد والترقي خلال سنوات الحرب العالمية الأولى.

 

انه جدل مثير جدا للاهتمام لأنه يفترض بحكومة اردوغان أن تناضل ضد التوسع الحالي لإيديولوجيا وعقلية وممارسات حزب الاتحاد والترقي المتمثلة في طائفة واسعة ممتدة من القطاع العسكري الى البيروقراطية، من القضاء الى وسائل الإعلام الكمالية،الخ.

 

في تركيا سريعة التغيّر، يلوح مجددا شبح أواخر العهد العثماني ويحوم حول الحكومة. يربك حكومة أردوغان ويخل بتوازنها.

 

المصدر: المستقبل، بيروت، 20 مارس 2010

http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=399428

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1432

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web