ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: شؤون قوقازية
إعادة ترتيب العلاقات في القوقاز

2010-03-20 04:50:38

فارتان أوسكانيان* 

 

تُرى هل تؤدي التوترات الحالية في تركيا بين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والمؤسسة العسكرية القوية إلى تعقيد وتأخير المبادرات الأشد جرأة في البلاد منذ سنوات عديدة والتحركات الرامية إلى معالجة التوترات القديمة مع كل من الأرمن والأكراد؟

 

إن إعادة صياغة الدور الذي يلعبه الجيش التركي تشكل أهمية بالغة، ولكن إذا كانت تركيا عاجزة عن انتهاز فرصة الانفراجة على المسارين الأرميني والكردي فإن الموقف الداخلي في البلاد سوف يزداد سوءاً لا محالة، ويصدق نفس القول على علاقات تركيا بكل من الشعبين الأرميني والكردي، فضلاً عن التوترات في القوقاز، ومن بين العديد من بؤر التوتر في المنطقة، بما في ذلك أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بين جورجيا وروسيا، فإن التوتر بين الأرمن والأذربيجانيين حول إقليم ناجورنو كاراباخ هو الأشد خطورة.

 

وفيما يتصل بالنزاع بين جورجيا وروسيا، فإن عدم التناسب من حيث الحجم والثِقَل والقوة على أحد الجانبين كافٍ لردع أي احتمال للعودة إلى العنف، وفضلاً عن ذلك، فإن النزاع بين البلدين لا يشتمل على تحالفات متشابكة تعمل على تعقيد الأمور، فجورجيا ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي، ومن الواضح أن الولايات المتحدة لن تشن حرباً ضد روسيا من أجل جورجيا.

 

أما الصراع بين أرمينيا وأذربيجان فهو أشد خطورة، فلم يعد الأمر محصوراً في مباراة ثنائية في شد الحبل بين جمهوريتين صغيرتين من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، بل لقد تحول إلى مثلث يتألف من أرمينيا وتركيا وأذربيجان، ويشكّل هذا المثلث نتيجة مباشرة لعملية التطبيع بين أرمينيا وتركيا، والتي بدأت عندما التقى رئيسا البلدين في إطار مباراة في كرة القدم.

 

والآن تقوم هذه العملية على البروتوكولات التي تم التوقيع عليها من جانب الحكومتين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بينهما، ولكن حتى الآن لم يصدق البرلمان في أيٍّ من الدولتين على هذه البروتوكولات، ويعتمد إتمام العملية الآن اعتماداً مباشراً وغير مباشر على الكيفية التي يعمل بها الأرمن والأذربيجانيون على حل النزاع الخاص بقضية ناجورنو كاراباخ.

 

وإذا لم يتم التوصل إلى حلٍ متأنٍّ لهذا الصراع المعقد الثلاثي الأطراف فسوف يترتب على ذلك العديد من المخاطر، ومن المعروف أن تركيا التي كانت حريصة طيلة عقدين من الزمان على الإعلان عن دعمها لأذربيجان، تعلق إقامة العلاقات الودية مع أرمينيا على موافقتها على تقديم عدد من التنازلات لأذربيجان.

 

وهذا يعني أن تركيا، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي، أصبحت الآن طرفاً في هذا الصراع، واشتعال أية مواجهة عسكرية بين أرمينيا وأذربيجان قد يؤدي إلى جرّ تركيا إلى هذه المواجهة، بل وقد يؤدي إلى اشتراك روسيا في الصراع، إما من خلال التزاماتها الثنائية إزاء أرمينيا، أو بموجب الاتفاقية المؤسسة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، والتي تشارك فيها روسيا وأرمينيا.

 

ونظراً للمخاوف المرتبطة بأمن الطاقة، فإن أي صراع أذربيجاني من شأنه أيضاً أن يؤثر بشكل خطير على أوروبا، وسوف تتأثر إيران أيضاً بهذا الصراع نظراً لكونها دولة مواجهة ذات مصالح خاصة في المنطقة.

 

لم يقع اشتباك عسكري بين أرمينيا وأذربيجان طيلة ما يزيد على 15 عاماً، ولكن هذا لم يكن راجعاً إلا إلى مفهوم التوازن العسكري والأمل في نجاح المفاوضات الجارية.

 

ولكن هذين العاملين قد تغيرا اليوم، فقد تبدل مفهوم التكافؤ العسكري، بل وربما أقنعت أذربيجان نفسها، بعد إنفاقها بإسراف على التسلح في السنوات الأخيرة، بأنها الآن أصبحت صاحبة اليد العليا، وفي الوقت نفسه، أصبح الأمل ضعيفاً في المفاوضات، التي يبدو أنها وصلت إلى طريق مسدود، وذلك لأنها كانت مربوطة بالعملية الأرمينية التركية، والتي يبدو أنها أيضاً أصبحت في طي النسيان.

 

لقد سقطت البروتوكولات الدبلوماسية التي تنتظر التصديق من جانب البرلمان في البلدين ضحية لحسابات خطأ في كل من البلدين، فالأرمن يعتقدون أن تركيا سوف تجد وسيلة للتوفيق بين المصالح الأذربيجانية وفرص التقارب مع أرمينيا، وأنها سوف تفتح الحدود مع أرمينيا بغض النظر عن مستوى التقدم الذي تم إحرازه على مسار التوصل إلى حل لقضية ناجورنو كارباخ، والمشكلة هنا أن تركيا أغلقت الحدود في مستهل الأمر بسبب ناجورنو كارباخ على وجه التحديد، وليس بسبب أية قضايا ثنائية بين الدولتين.

 

وكانت تركيا تعتقد أن التوقيع على بروتوكولات دبلوماسية مع أرمينيا والإشارة بوضوح إلى استعدادها لفتح الحدود، من شأنه أن يدفع الأرمن على نحو ما إلى التعجيل بحل مشكلة ناجورنو كاراباخ أو التنازل عن مناطق محيطة بها. ولكن ذلك الأمل كان بعيد المنال دوماً، وذلك نظراً لغياب التسوية الشاملة التي تعالج أعظم المخاوف الأرمينية: الأمن، وتلبي الشرط الأساسي المتمثل في تحديد وضع إقليم ناجورنو كاراباخ.

 

ويبدو أن كلاً من الطرفين يشعر الآن بقدر كبير من الدهشة إزاء توقعات الطرف الآخر، والواقع أن المراقبين يخشون على نحو متزايد أن تكون احتمالات تسوية النزاع الخاص بقضية ناجورنو كاراباخ قد أصبحت الآن أبعد من أي وقت مضى، وذلك لأن الدعم الشعبي التركي كان سبباً في رفع التوقعات من جانب أذربيجان، في حين يخشى بعض الأرمن من وجود نوع من التواطؤ بين جارتين عازمتين على إرغامهم على الموافقة على صفقة عقيمة تفتقر إلى الأسس السليمة.

 

وهذه هي اللحظة الحاسمة بالنسبة لتركيا، فقد وصلت العملية الدبلوماسية بين أرمينيا وتركيا إلى طريق مسدود، هذا فضلاً عن تدهور جهود الحكومة التركية الرامية إلى المصالحة مع الأقلية الكردية الضخمة في البلاد. وكما قد يؤدي فقدان الثقة المتبادل بين الأكراد والأتراك في شرق تركيا إلى زعزعة الاستقرار الهش الذي كانت المنطقة تتمتع به مؤخراً، فإن فقدان الأمل في التوصل إلى تسوية لنزاع ناجورنو كاراباخ من شأنه أن ينهي الهدوء العسكري المؤقت بين الأرمن والأذربيجانيين.

 

ولكن هذا الموقف يتعذر إصلاحه، والسجال العلني الذي لا ينتهي بين المسؤولين الأتراك والأرمن عبر وسائل الإعلام لا يساعد في تهدئة التوترات، ولقد حان الوقت لكي يدرك القادة في كل من البلدين ضرورة إجراء محادثات مباشرة، في ظل فهمٍ واضح لحالة عدم الاستقرار التي قد تنتج عن الفشل في استغلال الفرصة الدبلوماسية السانحة.

 

لذا، ففي حين تسعي تركيا إلى معالجة العواقب المترتبة على تاريخها في الداخل وإعادة تعريف الدور الذي يلعبه جيشها في المجتمع التركي، يتعين عليها أن تعيد ترتيب وضبط علاقاتها المتوترة بأرمينيا، والواقع أن القرار الأخير الذي صدقت عليه لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، والذي دعا الرئيس باراك أوباما إلى تأكيد حرص السياسة الخارجية الأميركية على عكس «الفهم اللائق» لعملية الإبادة العرقية الأرمينية، لابد أن يخدم كأداة تنبيه لكل من الحكومتين في تركيا وأرمينيا، حيث يتعين على كلٍ من البلدين أن يدركا أن الأرمن لن يقبلوا التشكيك في الصحة التاريخية للإبادة الجماعية، وطالما كان بوسع فرنسا وألمانيا أن يواجها تاريخهما المأساوي، فلابد أن تكون تركيا أيضاً قادرة على مواجهة تاريخها.

 

ويتعين على الجانبين أن ينظرا إلى الموقف بنزاهة، وأن يعترفا بأوجه القصور التي تعيب البروتوكولات الدبلوماسية، وأن يحرص كل طرف على مخاطبة الحد الأدنى من مطالب الطرف الآخر، والأخذ في الاعتبار أن أي وثيقة في حد ذاتها لن تنجح في شفاء كل الجراح أو محو كل المخاوف.

 

ويتعين على المجتمع الدولي أن يدعم هذه الجهود، ولا يجوز لنا أن نعتبر المشكلة مجرد تصفية لحسابات قديمة، فقد أصبح مستقبل المنطقة التي تشكل أهمية بالغة للسلام في أوراسيا على المحك الآن.

 

* وزير خارجية أرمينيا السابق من عام 1998 إلى 2008 

 

المصدر: "العرب"، الدوحة، 19 مارس 2010

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=123434&issueNo=823&secId=15

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1345

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web