ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: سياسة
مصلحة أمريكا في صيانة أمن الخليج العربي

2010-04-02 10:41:59

آرا دمبكجيان

 

مقدمة تاريخية

 

أرسلت بريطانيا العظمى حملة عسكرية في عام 1914 من الهند نحو الخليج العربي فاحتلّت شبه جزيرة الفاو في البصرة شمال الخليج وجنوب بلاد ما بين النهرين، ولم تكن تريد أكثر من موطئ قدم في تلك الولاية العثمانية.

 

أَجبَرَت مستجدات السياسة الدولية في عام 1916 أن يتقدَّمَ الجيش البريطاني شمالاً في عُمقِ العراق بقيادة الجنرال تشارلز تاونزند الذي واجه مقاومة تركية شديدة بقيادة خليل باشا فأوقعَ هذا الأخير هزيمة منكرة بالجيش البريطاني في معركة كوت - العمارة بعد حصارٍ طويلٍ مرير تَبعَهُ إستسلامٌ مشين، إذ أسرَ الأتراك 16 ألفاً من البريطانيين والهنود أُجْبِروا على السير شمالاً نحو معتقلاتِ أرضروم وطرابزوند. فأرسَلَت بريطانيا حملةً عسكريةً أُخرى بقيادة الجنرال ستانلي مود الذي قامَ بتطهيرِ المنطقتين الجنوبية والوسطى في العراق من الأتراك ودخلَ بغدادَ (مُحرِراً و ليس مُحْتَلّاً - كما أعلن) في 11 آذار (مارس) 1917 متوجِّهاً نحو الشمال حتى توقَّفَ عند مدينة الشرقاط قرب الموصل عشيّة إنتهاء الحرب العظمى (العالمية الأولى) في 11 كانون الأول (نوفمبر) 1918.

 

ماذا كانت مستجدات السياسة الدولية آنذاك التي أجْبَرَت بريطانيا العظمى أنْ تُرْسِلَ الحملة العسكرية تلوَ الأُخرى لاحتلال العراق وضمانِ أمنِ الخليج العربي؟

 

في آذار 1916 أرسَلَت روسيا القيصرية جيشَ القفقاس نحو الجنوب بقيادة الجنرال باراتوف لدخول العراق من مناطق رايات وخانقين ودربندخان (على الحدود العراقية – الإيرانية) والتوغُّل جنوباً نحو الخليج العربي، و كانت في طليعة الجيش الروسي الكتيبة الفدائية الأرمنية الرابعة بقيادة آرشاك كافافيان (كيري الأرضروملي) الذي قُتِل في معركة راوندوز في شمال العراق في 16 أيار (مايس) 1916.

 

كان هدف روسيا إحتلال الخليج ومضايقة بريطانيا العظمى (حليفتها في الحرب) للمطالبة بحصةٍ أكبر من أراضي الدولة العثمانية بعد هزيمة الأخيرة في الحرب. لم تطمع روسيا القيصرية في ممتلكات "الرجل المريض" غير العاصمة إسطنبول (القسطنطينية) ومضيقي البوسفور والدردنيل باعتبارهما الطريق الموصل من المياه الباردة في البحر الأسود نحو مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة.

 

في هذا الوقت بالذات كانت المحادثات تدور بين الدولتين و فرنسا لتوقيع الاتفاقية المسماة (سايكس -بيكو - سازونوف). فمجرَد احتلال روسيا لمنطقة الخليج العربي كان سيجبر بريطانيا العظمى على تقديمِ تنازلاتٍ جوهرية لضمان طريقِ الهند، دُرَّة التاجِ البريطاني. كانت مضائق البوسفور والدردنيل مُهِمَّةً لروسيا القيصرية بقدر ما كان أمن الخليج مهّماً لبريطانيا العظمى...

 

كان الخليجُ العربي آنئذٍ مهمّاٍ كممرٍ جغرافي استراتيجي وليس كمستودع للنفط ومعبرٍ لناقلاته، وبذلت بريطانيا العظمى جهدها للحفاظ عليه ضمن ممتلكات التاج...

 

حاضراً

 

انسحبت المملكة المتحدة من مسؤولياتها الأمنية في شرق السويس عام 1968 مُخَلِّفةً للولايات المتحدة جسامة تلك المسؤوليات. ومن ضمن الالتزامات التي ورَثَتْها هذه الأخيرة تأمين عمليات استقرار وأمن منطقة الخليج العربي الفائقة الأهمية والتي أدْخَلَتْها في خططها الإستراتيجية الحيوية. وفي خلال العقود القادمة من ذلك التاريخ اتّبعت واشنطن عِدةَ أساليب للقيام بمهِمَّتِها الصعبة... ففي السبعينات من القرن الماضي اعتمَدَت على إيران الشاه وعلى المملكة العربية السعودية، وتَقرّبَت من عراق صدام في الثمانينات في أثناء حرب العراق مع إيران الخميني...وفي التسعينات ضَغَطَت على الإثنتين معاً كاشفةً عن أنيابِها. وفي الحالات الثلاث المذكورة أعلاه لم تنجَحْ الولايات المتحدة في مهمَّتِها نجاحاً تامّاً مما اضطَرَّت إلى التَدَخُّلِ المباشرِ ثلاثَ مراتٍ لتأمين الأمن، في إيران 1987-1988، في العراق 1991 و 2003... والآن بعد خلع الرئيس العراقي صدام حسين، على الولايات المتحدة أنْ تُعيدَ النظرَ في حساباتها الإستراتيجية لتلك المنطقة لأن المشاكل الأمنية في الخليج العربي ستتصاعد بتحدٍ أكبر...

 

إنَّ مصلحة أمريكا الرئيسة في منطقة الخليج العربي هي في التأمين التام لتدَفُّقِ النفط بكل حرية وثبات الى الأسواق العالمية، وهذه حقيقةٌ واقعة ليست لها أي علاقة بكل نظريات التآمر التي لُفِّقَتْ على الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس بوش والخاصة بنفط العراق قبل بدء الحرب مع النظام العراقي السابق. فالمصالح الأمريكية لا تتركز حول أسعارِ الوقودِ في محطات التعبِئة، أو أن تفوز شركةٌ أمريكية مثل إيكسون بعقود النفط بدلاً من لوك أويل الروسية أو توتال الفرنسية، ولا تعتمد هذه المصالح على كمية النفط التي تستوردُهُ الولايات المتحدة من منطقة الخليج أو من أيِّ منطقةٍ أخرى مُنْتِجة للنفط. فالسبب الذي يدع الولايات المتحدة أن تكون لها المصلحة الشرعية و الحرجة في مراقبة تدفُّقِ نفط الخليج العربي بحرية وأمانٍ واستمرار بإنتاجٍ مناسبٍ ورخيصٍ نوعاً ما هو أن الاقتصاد العالمي قد بُنيَ خلال الخمسين سنة الماضية على أساس إنتاجٍ نفطيٍ غزيرٍ و قليل ِ الكلفة، و إذا تمَّ الإخلال بهذا الأساس المتوازن، فإنَّ الاقتصاد العالمي سينهار حتماً...و أترك للقارئ اللبيب أن يتخيَّل نتائج هذا الانهيار على دول العالم.

 

يتدفّق اليوم 25% من إنتاج النفط العالمي من منطقة الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية وحدها تزوَّد العالم ب 15% من هذا النفط. و من المتوقع أن يرتفع الإنتاج السعودي بدلاً من أن ينخفض. و يحتوي منطقة الخليج على ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط ذي تكاليف الإنتاج المنخفضة جداً. فكلفة البرميل المنتَج من السعودية تساوي خُمس الى عُشر كلفة البرميل المُنْتَج من روسيا. فالسعودية ليست فقط أكبر مُنْتِجَة للنفط في العالم، و لكنها تملك أضخم احتياطي مُعْلَن، في الوقت الذي يملك العراق أضخم احتياطي غير مُعْلَن. و إضافة إلى هاتين الصفتين، ففي إمكانها المحافظة على ثبات أسعار النفط في السوق بزيادة الإنتاج أو خفضه حسب متطلبات السوق العالمي. وبسبب كل هذا، فإن الفقدان السريع لشبكة إنتاج النفط السعودي سيشل الاقتصاد العالمي و يسبب انهيار الأسواق المالية ويعيد العالم أجمع إلى أيام انهيار الاقتصاد الأمريكي في 1930، إنْ لم يكن أفظع منه. و لهذا، فإن حقيقة كون الولايات المتحدة لا تستورد معظم احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج العربي هي مسألة بعيدة عن الواقع. فإذا كان مقدَّراً أن يتوقف إنتاج النفط السعودي لأيّ سببٍ كان، فإن أسعار النفط سترتفع بجنون، مدمِّرةً الاقتصاد الأمريكي و اقتصاد العالم بدورِهِ.

 

و يُشْغِلُ بال الولايات المتحدة أيضاَ كيفية منع قيام أيّ دولة تحاول السيطرة على المنطقة ومصادِرِها النفطية لاستخدامها في ابتزاز العالم. ولهذا، فإن المصلحة الأمريكية تستدعي تأمين قوة عسكرية في منطقة الخليج العربي ذات الموقع الإستراتيجي الحرج والقريب من مناطق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشرقي أفريقيا وجنوب آسيا. ويعود الفضل الى التواجد العسكري الأمريكي الكثيف في منطقة الخليج الى الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الذي بغزوِهِ الكويت وضع تخويل الأُمم المتحدة الشرعي للتحشّد العسكري الأمريكي والدولي في إناءٍ من ذهب و تقديم هذا الإناء الى الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش مع المباركة السياسية لساسة العرب مصحوبة بفتاوي أئمَّتِهِم من وعاظ السلاطين بجواز قتال صدّام.

 

هناك ثلاثة مشاكل من الممكن أن تسيطر على أمن الخليج العربي في خلال السنوات القادمة، وهي الوضع الأمني العراقي الصعب، برنامج السلاح النووي الإيراني، وعدم الاستقرار الداخلي لدول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، البحرين، عُمان، قطر، الكويت و الإمارات العربية المتحدة).

 

ضمن نتائج التناقض الحاصل في الأمر العراقي، فإن أي عراق يملك قوة كافية لموازنة قوى إيران واحتوائها سيكون بطبيعة الحال عراقاً قادراً على اجتياح الكويت والسعودية، إذ كانت هذه بالضبط هي المشكلة التي واجهتها المنطقة في نهاية الحرب العراقية - الإيرانية عندما نتج عن تدمير العراق للجيش الإيراني وقوتها الجوية وفتح طريق الكويت أمامه مُهدِّداً آبار النفط السعودية.

 

و تشير تقارير الاستخبارات الأمريكية مع التقارير المحايدة من لجنة الطاقة الذرية الدولية أن إيران قد خطت خطواتٍ حثيثة نحو إنتاج السلاح النووي، أي قنبلة واحدة أو اثنتين قبل نهاية هذا العام. و على عكس الحالة في العراق، حيث كان التدخل الوقائي (كما أطلقت أمريكا على عملية الغزو آنذاك) خياراً عملياً، وكان بإمكان الولايات المتحدة أن تغزو وتحتل البلد من دون تعبئة قتالية ضخمة حيث كانت الأبواب مُشَرَّعة أمامها بسبب توافر عدة أسباب داخلية، إنْ كانت اجتماعية واقتصادية وعسكرية وسياسية وغيرها. وهذا الأمر بعيدٌ جداً عن واقع الحالِ مع إيران. فمساحة إيران أكبر بأربع مرات من مساحة العراق، وسكّانها أكبر بثلاث مرات من سُكّان العراق، ومسالكها أصعب، والشريحة المتديِّنة من شعبها مُلْتفَّةٌ حول القيادة السياسية - الدينية... على الأقل ضد أي تهديد خارجي، وعلى الرغم من النفور الموجود بين الشريحة الليبرالية الشابة وتلك القيادة فإن طبيعة التكّبُّر والاستعلاء الفارسية تجعلهم يقاومون أي غزوٍ خارجي. فغزو إيران صعب جداً وهو خيارٌ لا يمكن التفكير فيه.

 

وعلى أرضِ الواقع، هناك إمكانية قوية جداً أن تحلَّ القضية النووية الإيرانية مشكلتَها بنفسها. فالشعب الإيراني لا يشعرَ بسعادةٍ عميقة تجاه رجال الدين الرجعيين في مركز السلطة في طهران، ومنذُ 1997 صوَّتَ الشعبُ باستمرار ضدَّ المتشددين. ويُشَكِّلُ الشباب نسبة عالية في المجتمع الإيراني، فنسبة 37.4 بالمائة من الشعب تحت سن 15 سنة و3.4 بالمائة فوق 65 سنة من العمر، و قد عارضت هذه الفئة العمرية (الشباب) النظامَ الحالي لمراتٍ عديدة خلال السنواتِ الماضية، وهي تفضِّلُ نظاماً ديمقراطياً حُرّاً على نظامٍ ديني متشدَّدٍ رجعي. واعتماداً على كلِّ هذا، سيحل الوقت هذه القضية لصالح الإصلاحيين الذين أظهروا اهتمامَهم بإقامة علاقاتٍ حسنة مع الولايات المتحدة.

 

ويبقى سؤالٌ مهمٌّ وهو: هل سينتصر الاصلاحيون في إيران على رجال الدين المتشددين؟ ومتى؟ وليس واضحاً أيضاً إذا كان حكم رجال الدين سيسقط قبل أن تحصل إيران على السلاح النووي.و لهذا السبب تتحضر الولايات المتحدة لاحتواء الأمر إذا حصلت إيران على السلاح النووي بوجود النظام الحالي.

 

من الواضح أن إيران ترغب في الحصول على السلاح النووي لردع أي هجومٍ أمريكي محتمل، وعند حصولها عليه ستتغيَّر حساباتها الإستراتيجية ويمكن أن تتبنّى سياسة خارجية أكثر هجومية. وبما أن القوات المسلحة الإيرانية ضعيفة لتتوغل عبر العراق نحو شبه الجزيرة العربية أو تعبر الخليج العربي نحوها، ولهذا إن الخطر الإيراني لإغلاق مضيق هرمز بالسلاح التقليدي أمام إبحار السفن والناقلات العملاقة هو أمرٌ غير وارد. فإن تواجد قوة أمريكية متميِّزة على طول الخليج العربي لردع أي ابتزاز يبقى الخيار الأسوأ... وهذا ما فعلته الولايات المتحدة منذ الانسحاب البريطاني في 1968، و خاصة في حربي 1991 و 2003.

 

أمن منطقة الخليج العربي

 

إن أفضل طريقة متحفظة لضمان أمن الخليج العربي هو الرجوع الى الإستراتيجية الأمريكية القديمة في المراقبة من السواحل القريبة من المناطق الحارة. لقد حاولت أمريكا هذا الأسلوب من "التواجد" في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وفشلتْ لأن إيران والعراق كانتا في أوج قوتهما ولم يكن الظهور الأمريكي فوق الأُفقِ رادعاً ما فيه الكفاية... ولكنهما الآن أصبحتا ضعيفتين جداً ومن المؤمَّلِ أن تبقيا هكذا...إلاّ إذا حصلت ايران على السلاح النووي. و ردَّدَتْ واشنطن عدة مرات أنها ستتدخَّل في الخليج العربي لحماية مصالحها ومنع أي هجوم عليها وعلى مصالح حليفاتها. وهذا ما فعلته في حرب 1991 إذ دخلت المنطقة بالحفاوة و الترحيب والزغاريد. فمن الممكن أن تنجح هذه الإستراتيجية بسبب ضعف دول المنطقة كما أسلفنا في أعلاه.

 

سيقلل إتباع هذا الأسلوب من الوجود الأمريكي في المنطقة، هذا الوجود الذي تَسْتَغِلُّه الجماعات الإسلامية المتشددة في دعاياتها المضادة له واصفة إيّاه بالوجود الكافر بعد أن نسي الجميع كيف هلّلوا له وأفْتوا لصالحه تمهيداً لحرب 1991. ومع هذا الانسحاب المكثّف والتواجد الأقل، من الممكن أن تبقى الولايات المتحدة في قاعدتها البحرية في البحرين مع بعض التواجد في الكويت و قطر. وإذا كانت الحكومات العراقية المرتقبة سهلة الانقياد، ستحافظ واشنطن على تواجد برِّيٍّ رمزي مع تحويل إحدى القواعد الجوية العراقية الى أمريكية...في الوقت نفسهِ تقوية قاعدتها العسكرية في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي للتعويض عن النقص العسكري الحاصل في بلاد العرب.

 

هناك طريقة ثانية للمحافظة على أمن الخليج العربي هي في خلقِ كيانٍ دفاعيٍ إقليمي كما كان الحال في أوروبا بولادة حلف الناتو في أثناء الحرب الباردة. ففي عام 1954 أقْنَعَتِ الولاياتُ المتّحدة كلا من العراق وإيران وتركيا وباكستان والمملكة المتحدة (التي كانت تتسيَّد الشرق الأوسط آنئذً) على التوقيع على معاهدة حلف بغداد للدفاع المشترك. انسحبَ العراق بعد أربع سنوات (بعد انقلاب 14 تموز 1958) وبقيت إيران وباكستان وتركيا لتكوين منظمة الحلف المركزي (CENTO)  التي أصبحت الذراع الأميركية لتسليح و تقوية شاه إيران للسنوات العشرين المقبلة. ولم ينجح هذا التحالف لوجود مشاكل أمنية إقليمية لكل واحدةٍ من عضواتِهِ (باكستان مع الهند، تركيا مع كل من الإتحاد السوفييتي السابق واليونان وإيران مع تتابعات الشرق الأوسط).

 

من الممكن أن تُنشئ الولايات المتحدة حلفاً دفاعياً رسمياً من دول مجلس التعاون الخليجي والعراق الجديد، ويكون الهدف من هكذا حلف قبول الأميركيين في الداخل، إبعاد الإيرانيين الى الخارج ودفع العراقيين نحو حالة ضعفٍ أكبر.

 

إذا كانت مساوئ الطريقة الأولى صعوبة الرد على عدوان خارجي على منطقة الخليج لضعف التواجد الأميركي في الداخل، و إن الطريقة الثانية ستجلب حالة تواترٍ داخلي في دول المنطقة بسبب الأحلاف والاتفاقياتِ العسكرية، هناك طريقةٌ ثالثة تجمع الأولى والثانية مع بعض و تُجبر الجميع على الجلوس حول مائدة مناقشاتٍ ومفاوضات مشتركة لبحث المشاكل معاً فتوفر على الولايات المتحدة الجهدَ الكثير في الحفاظ على أمن المنطقة. ومن الطبيعي أن يجمع هكذا حلف بين الولايات المتحدة والعراق وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

فيما يخص دول مجلس التعاون الخليجي مثلاً، ذا نجح الحلف في قلع أنياب إيران وتحديد الإقامة على العراق، فإن المشاكل الأمنية لدول المجلس ستُحَلّ من دون وجود ثقلٍ عسكريٍّ أمريكي قوي، أي أن العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة ودول المجلس ستكون أقل وطأة على شعوب الأخيرة.

 

أما فيما يخص إيران، فقد طالبت في السنوات العشرين الأخيرة أن تولي الولايات المتحدة والعراق (القوي آنئذٍ) ودول مجلس التعاون الخليجي قضيتها الأمنية الاهتمام والجدية...وستعطي هذه العمليةُ إيرانَ وللمرة الأولى، الفرصة لمناقشة مشاكلها مع هؤلاء بكل صدقٍ. فدعوة إيران لمناقشة مشاكل المنطقة الأمنية على مائدة مفاوضاتٍ مشتركة مع الولايات المتحدة ستعطي إيران ذلك الانطباع أنها تلقّت ذلك الاحترام الذي تستحقه من واشنطن. وهذه العملية هي الطريقة الوحيدة والممكنة التي تستطيع إيران بواسطتها التأثير على قوة أعتى منافساتها، الولايات المتحدة...و كما فعلت واشنطن في أوروبا في أثناء الحرب الباردة، عليها أن تقبل، ولو بالحد الأدنى من التنازلات الإقليمية التي سيكون الثمن المناسب لاحتواء إيران، وإذا عارض صقور إيران هكذا اتفاق فإنهم سيعزلون أنفسهم محلياً وعالمياً ويكونون في موقفٍ لا يُحسدون عليه مع الشعب الإيراني. وسيتأكد المتفرج من الخارج في الوقت نفسه أن إيران رفضت غصن الزيتون وأنها لا تُعْنى بالوسائل السلمية لبحث مشاكلها الإقليمية.

 

وأخيراً، للحفاظ على أمن منطقة الخليج العربي لضمان تدفق النفط الرخيص باستمرار ولقرنٍ من الزمان على الأقل، على جميع دول المنطقة، مع الولايات المتحدة، أن تقدِّمَ بعض التنازلاتِ فيما بينها للوصول إلى حالة من الأمن والاستقرار للجميع، فليس بمقدورِ أحد أن يتصرف بالنفط تصرُّفاً مطلقاً حسب أهوائِهِ حتى لو كان ينبع من داخل أرضهِ، وليأخذ الجميع من دروس التاريخ الحديث عبرة.

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1752

 
التعليقات المرسلة:
نتمنى مقالات مشابهة في المستقبل
2010-04-03 03:17:28 | بدروس بدروسـيان
مقال بديع ورائع من استاذ آرا دمبكجيان وهو معروف كما عودنا بكتابة مقالاته السابقة (شيء من التاريخ عن العلاقات العربية-التركية، المسؤولية الأخلاقية في شحة مياه الأنهر العراقية ، بروتوكولات حكماء الأناضول ) دائما يتحفنا باعطاء اسلوب ونمط تحليلي مبسط للحقائق في كتاباته ويحسن من مستوى القارئ وتقديم افضل واجمل التفاصيل التي يتبعه كل كاتب، فشكرا جزيلا على هذه المقالة ذات التعليمات والأراء المفيدة للقراء في الوطن العربي عامة ولعراقنــا الممزق خاصة ونتمنى مقالات مشابهة في المستقبل.

شكر و تقدير
2010-04-17 23:02:44 | آرا دمبكجيان
أشكر الأخ بيدروس بيدروسيان على تعليقه على مقالاتي وعلى شعوره النبيل تجاه ما أكتب، و لو جاء ردي متأخراً، فليعذرني. قرأتُ شخصياً مقالين رائعين له على إيلاف و أهنؤه على جودة الآراء التي طرحها.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web