ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: شعر
عالم الشعر عند زهراد

2011-06-11 02:52:44

آرا جوهريان

 آرا جوهريان

آرا جوهريان

 

زهراد شاعر الحداثة

 

آزاد-هاي خاص

 

الحداثة ليست كلمة تطلق من الافتراضات بل هي تصنع بالإنجازات. تخلق أوضاعاً وحالات من شأنها أن تؤدي إلى إقرار صيغ جديدة للتطبيق. يمكن الجزم بكل تأكيد بأن الشاعر الحداثي هو شاهد عيان على عصره يعيد قراءته ويقدِّر مساراته ونتائجه دون التعدّي على قوانين الطبيعة أو إلحاق ضرر بالفكر البشري. إن لم يكن كذلك فالشاعر يغدو تابعاً لا يستطيع التعامل مع القوانين الأساسية للواقع مما يؤدي إلى فشل مشروعه الحداثي وعدم إمكانية إضافة شيء جديد على الحصيلة الثقافية للإنسان.

 

إن الحداثة مسألة غير قابلة للتأجيل وإن تأجّلت دلَّت على خلل. فالخلل الذي أصيب به الأدب الأرمني كان نتيجة وقوع مأساة كبيرة بالأمة الأرمنية في بداية القرن العشرين، عندما شُرّد أبناء هذه الأمة من موطنهم التاريخي. فأخذت حدة الكارثة وكبرها رقعة واسعة في موضوعات الأدب الأرمني الذي تقوقع في مناخ الحزن وأصبح أسيراً لهذه الحالة.

 

في هذا الوقت بالذات، جاء زهراد بشكل استثنائي برؤية ثاقبة وقوة إدراك عالية ليكون شاهد عيان على عصره، يطرح المشاكل المستجدة التي حلت بأبناء قومه بعد استقرارهم في المجتمعات الكبيرة خارج وطنهم. وما كتاب "المدينة الكبيرة" إلا محاولة ناجحة لإظهار هذه المستجدّات وتحليلها بفطنةٍ واتزانٍ بدلاً من الاحتراق بنار الحزن.

 

لفت كِتابُ "المدينة الكبيرة"، عام 1960، انتباهَ المهتمين كافة بمحتوى مضمونه وشكله الذي جاء مبشراً بولادة نوع جديد من الشعر الأرمني الحديث. فضمن وعي  عمومي وإطار ٍ إنساني، رصد زهراد مظاهر الحياة في المدن الكبيرة وأوضاعها المتبدلة وتكلم على علاقة الإنسان بالمدينة والاضطرابات النفسية التي ظهرت نتيجة هذه العلاقة. وكل ماكتبه زهراد عن المدن والناس وعن همومهم وتطلعاتهم وطموحاتهم وأحلامهم إنما كان صادراً عن هموم وتطلعات أبناء قومه في بلدان المهجر. فالإنسان الأرمني لم يشعرْ قطُّ أنه محاصر، بل مشارك مشاركة فعّالة بالمهمات الحاضرة لتلك المجتمعات بمضامين إيجابية، مما استدعى تفعيل النزعة الإنسانية وحب الآخرين عنده، والذي امتاز به عبر التاريخ.

 

استطاع زهراد أن يضع تلك المضامين في إطار إنساني، متفاعِلٍ مع هموم وتطلعات الإنسان في المجتمعات الأخرى بأسلوب مبتكر متوافق مع الذائقة الشعرية المعاصرة، مما ساعد على تواصل وتفاعل الشعر الأرمني في الثقافة العالمية.

 

أنتم كلكم بحرٌ – عَصوفٌ وعظيم –

أنا في ذاكَ البحرِ

أنا في ذاك البحرِ قطرةُ سمنٍ

مختلف البنية وبديلٌ

أنا قطرة سمن

حالمةٌ طافيةٌ فوق السطح

أنتم كلكم بحرٌ – عَصُوفٌ وعظيم –

والبحر في قلبي

 

زهراد شاعر المدن، يعيد قراءة شكلها وقوامها وملامحها الحقيقية ويبيِّن انعكاساتها على فكر الإنسان وسلوكه. والإنسان في شعر زهراد ليس فقط مَنْ جنى الكثير من قوة ومال، بل هو الإنسان الذي تميز بسلوكه في التعامل مع المادة: الإنسان الطيب الغني بالأحلام، يحب العالم من حوله. فمجموعة القصائد المُعنونة بـ"سيرة حياة كيكو" تخص هذه الشخصية.

 

يعيش كيكو في (المدينة الكبيرة)، يشاهد جريان تبرّجها، يغامر ولكنه يتيه لا يستطيع مجاراة تبدلات الأزمنة الحديثة، فيتغرّب ويبقى وحيداً محروماً من الودّ والأنس.

 

تلك الأنحاءُ من المدينةِ كانت غريبةً على كيكو

            البناياتُ العاليةُ غريبةٌ

الرجالُ – النساءُ الجميلاتُ أغرابٌ

 

جاءت فتاةٌ تلبس مَرْيَلةً

            وضعت خمسة قروشٍ في كفِّه –

غرباءَ كانَ الناسُ – أغراباً –

كيكو ما كان قد خرجَ لِيَتَسوَّلْ

 

ولكن المأساة الحقيقية في حياة كيكو تكمن في شيء آخر، وهو أن الإنسان قد تحول إلى قيمة رقمية ونزح عن إنسانيته بينما هو بقي إنساناً بالفطرة، بل بقي صفرا ً في ظل طغيان المفهوم الجديد لتقييم الإنسان.

 

واحد ضرب واحد   واحد

واحد ضرب كيكو   صفر

 

مئة ضرب واحد          مئة

مئة ضرب كيكو          نحنُ

 

ولكن في السطر الأخير من القصيدة، يحدث مالا يُتوقع، ينفجر لغم تشكَّـل من الأعباء الإضافية الناتجة عن انخراط الإنسان في تبديد قيمته في سعيه وراء المادة، عندما يضع الشاعر كلمة "نحن" بدلاً من "الصفر" وبذلك يسجِّل القيمةَ الحقيقية لعملية الضرب.

 

مئة ضرب كيكو            نحن

 

في كتابه "ربيعان بحجر واحد" ينقلنا زهراد الى الكون في مكان ما بعيداً عن كوكب الأرض، حيث تولد شخصية جديدة من شخصيات زهراد، إنها "نوريك" المدعو للانتماء إلى الفضاء، يجول في أغواره ويرسم أوضاعاً جديدة متفاعلة مع الغد. (نوريك) مثل (كيكو) شخصية محببة إلى قلب زهراد رسم بهما الشاعر خطَّين متوازيين وحصر بينهما تساؤلات الغد المتسارعة وإخفاقات الماضي. بينما (كيكو) هو نموذج الإنسان الطيب والوحداني الذي تأخر ولم يستطع مواكبة تطورات عصره، عصر الصواريخ والأسفار الكونية، إنه مَنْ تمكن وبسهولة من التفاعل مع حدة المستجدات.

 

يعرّفنا "برنامج نوريك" على مضمون الأولويات وما حصل من تطوير أساسي في البنية الثقافية للإنسان العصري. ومن هنا يبدأ الشاعر بتبيان مجموعة من النتائج السلبية في حياة (نوريك) نتيجة هيمنة العقل المُبرمَج على النسق الفكري للإنسان المعاصر.

 

أرادَ نوريكُ أنْ يعرِفَ صوتَ الإنسانِ

أدارَ الزرَّ

ـ ما من متحدِّثٍ

 

تحتل المرأة في حياة (نوريك)، كما في حياة (كيكو) على الأرض، دوراً يتصف بالوعي ويُحدد به موقفاً ويُُلخص فكرة، وهي أن المرأة في المحصلة ليست دمية، بل هي زوجة فاعلة تترك أثراً طيباً بقدر تفاعلها مع الواقع. فهي ليست مخلوقاً هامشياً بل هي كائن مفصلي وشديد الأهمية.

 

زوجة ُُ نوريك إبرة ٌ مُؤشِّرة ٌ لا تغلط ُ

عليها أن تكونَ مقياسا ً – تُسجِّل دونَ رفـَّةِ عين...

 

زوجة نوريك حاضنة ُ أجنَّةٍ

            لابُدَّ أنْ تتأنَّثَ

 

رصد زهراد المنجزات العلمية برؤية واعية متيقظة، فالسرعات الهائلة والعقول الالكترونية والآلات المبرمجة تضع الإنسان في علاقات متشابكة ومعقدة تؤدي إلى سيطرة الآلة على سلوكه. ففي قصيدة "المرأة التي تنخبُ العدس" نرى امرأة تنخبُ العدس وهي تضرب بإصبعها حبة عدس تلو أخرى بإيقاع منتظم مثل انتظام آلة وكأنها قد تحولّت إلى مجرد آلة، ومن حين إلى حين تتذكر هذه المرأة أشياء خارج هذا الإيقاع.

 

حَبَّة ُ عَدَسْ - حَبَّة ُ عَدَسْ -  حبات عَدَسْ - حَبَّة ُ عَدَسْ - حَجَرة – حَبَّة ُ عَدَسْ – حَجَرة – خضراء – سوداء... حجرة - حَبَّة ُ عَدَسْ خضراء – حبَّة ٌ جَانِبَ حبَّة – حجرة جانِبَ حبَّة – فجأة كلمة – كلمة جانِبَ حبَّة...  حَبَّة ُ عَدَسْ – كلمة – كلمة جانِبَ كلمة... حلمٌ قديمٌ – ثم حياةٌ – حياةٌ أخرى – حياةٌ جانِبَ حياةْ - حَبَّة ُ عَدْسٍ... ألمٌ – أغنيةٌ خضراءُ - حَبَّة ُ عَدَسٍ خضراءُ – سوداءُ – حجرةٌ - حَبَّة ُ عَدْسٍ – حجرةْ – حجرةْ – حبّةْ

 

هنا يلاحظ القارئ أن الشاعر بنى هذه القصيدة مستعينا ً بالأسماء فقط دون الأفعال وتوصل إلى إعطاء صورة واضحة عن حياة الإنسان المعاصرة.

 

زهراد شاعر حداثي يغني شعره بتعابير ذات سمة جديدة وفريدة وقد زهد بقوالب الشعر التقليدية وأسقط من أشعاره علامات التنقيط، وصرفنا عن ملاحظتها كليا ً لانسجام العرض ودقة الوزن وسلامة إنشاء السطور.

 

فمفتاح الدخول إلى قصيدة زهراد هو الأشياء العادية المألوفة الموجودة حوله وجوداً موضوعياً والتي تقف في المكان الأول من عالمه الشعري، إذ يسلط الشاعر الضوء على مكنوناتها وكيانها فيُخضعها لاهتماماته. ويمضي بها بعيداً.

 

تأخذ الأشياء العادية المألوفة مضامين جديدة. وبحنكة ورؤى الشاعر تتلازم مع هذه المضامين استنتاجات فلسفية ترتبط بدقائق حياتية يومية. ففي قصيدة "دوّامة" مثلا ً يضع الشاعر هذا الشيء (البرّّامة) من الحالة الستاتيكية إلى حالة ديناميكية من أجل أن يتمكن من اكتشاف كل ما هو مخبأ في كيان هذا الشيء.

 

كلُّ من يدورُ

كلُّ ما يدورُ

            باستمرارٍ

            حول محورٍ

                  ـ وسريعاً ـ

يَجْمُلُ

تذوبُ

            أجنابه البشعة

في المجموعِ

وبالمجموعِ

            متحوّلاً إلى مستديرةٍ جميلةِ الألوانْ

            منسجمةٍ هكذا

 

يرى زهراد أن شكل القصيدة الحديثة نابع من مضمونها أي يجب أن يبتكر الشاعر القالب الأنسب ويوشي به فكرة القصيدة، وعندما تتحقق العلاقة الصحيحة بين الشكل والمضمون ينجح المشروع الحداثي في الشعر. وشعر زهراد خير دليل على هذا النجاح الباهر النابع من امتزاج مذهل بين الشكل والمضمون. وبالتالي لكل قصيدة حديثة قالبها الخاص الذي تنفرد به، بينما الشعر التقليدي يستقبلنا دائماً بقوالبه التقليدية الجاهزة مما يدفع زهراد إلى القول:

 

الحصولُ على قوالبَ جاهزةٍ ـ ومَلْؤُها

سهلٌ ـ ولكنْ ذاتَ يومٍ سيسألوننا

      ـ أينَ الفنْ ؟ ـ

 

الابتكارات المفاجئة والالتفاتات المدهشة في شعر زهراد ولغته المقتضبة الصافية تجعل شعره مأنوساً على عكس بعض شعراء جيله الحداثيين الذين يلجأون إلى الضبابية إلى درجة أنهم يعرقلون إيصال الشعر إلى القارئ. زهراد حريص جداً على أن يقع القارئ في جاذبية الشعر من قراءته الأولى للقصيدة. فهو لا يريد أن يدبّ الغموض في شعره وبدلاً من ذلك يسعى إلى إيصال مضامين شعره إلى اللانهائية، وإلى التحامها بلحظة الأبدية. فهل يريد زهراد أن تنتهي القصيدة لدى الانتهاء من قراءتها؟

 

القصيدةُ ينبغيْ لها أنْ تكونَ مثلَ بذرةٍ

      حتَّى حينَ تنتهيْ

لا تنتهيْ ـ تعطيَ بُرعماً ـ تحيا معنا مِنْ جديدْ

 

تخضع لغة الشعر عند زهراد للانتقاء الصارم والاختيار الدقيق للكلمات، فالكلمات عنده مثل الجواهر والدرر، مثل الأحجار الكريمة باهظة الثمن لا تزيد ولا تنقص، تصطف كل كلمة إلى جانب الأخرى ويتراكب بعضها مع بعض بسلسلة هندسية متناغمة.

 

زهراد مولع بتقديم مادته الشعرية المشحونة بالمعرفة في سطور قصيرة ومقتضبة معتمداً في ذلك على أساس متين من حذق اللغة. فانظروا إلى هذه القصيدة كم هي مقتضبة وكم هي عميقة في المعنى وواسعة التأثير في نفس القارئ.

 

نمضي مع الشاعر في دربه كي نُغنِّي

يغنِّي هو – أمَّا نحن فنتظاهرُ بالغناء

 

بالاضافة إلى أن زهراد يمتلك قدرة كبيرة على الاقتضاب فإن أغلب قصائده تشربت بالسخرية وهي ليست سوى سلاح بيَدِ الشاعر من أجل التصدي والتأثير لحدّة ومرارة ما يحدث وبها تنأى القصيدة بعيدة عن الطابع الدراماتيكي المأساوي، رغم حدته ومرارته.

 

لِحْيَةُ بابا نويل بيضاءُ

      كالطحين

قـُلْ – يا بابا نويل

أيُصْنعُ خبزٌ مِنْ لِحْيَتِكْ؟

 

المهم عند زهراد أن يتحول الشعر إلى ظاهرة فكرية بجماليات متجددة ومتطورة، مشحونة بالمعرفة، مستوحاة من الحياة اليومية. وبالتالي مواد الشاعر موجودة في الحياة على نحو ٍ حرّ حيث ليس ثمة مواضيع خاصة بالشعر. كل شيء من حوله يمكن أن ينقلب إلى موضوع شعري يتناوله الشاعر ويخرجه بشكل قصيدة. فها هي الهِرَّة (ميمون) صارت موضوع قصيدة رائعة تَوصَّل الشاعر من خلالها إلى حقيقة أن السعادة تأتي عندما يُحَبّ شخصٌ ما من قبَل شخص آخر.

 

ما أدعوه مَيْمونَ لا تظنّوه سعداناً

إنه اسمُ قطّ المنزلِ الأَسْود

وما أدعوه قِطّاً لا تظنّوه جميلاً

إنَّه أبشعُ قطٍّ في العالم

 

ما أدعوه أسودَ لا تظنّوه أسودَ فاحماً

هو أصفرُ العينين في سواده

ما أدعوه أصفَر لا تظنّوه شمساً

الشمسُ واحدة ٌ– والعينان تكونان اثنتين

 

ما أدعوه اثنتين لا تظنّوهُما فرادى

إنَّ الحُلُمَ أيضاً في عمق الاثنتين واحِدٌ

ما أدعوه حُلُماً لا تظنّوه أمْرا ً عظيما ًً

إنَّه أنْ تُحَبَّ من قِبَل امرئٍ

 

زهراد شاعراً ولادة استثنائية جاء في الوقت المناسب ليوشي الشعر الأرمني بالحداثة. موهبته مزيج من قوة إدراك ورؤية ثاقبة وخيال مضيء وإنسانية عميقة وبساطة وحرارة وجرأة في ما يقوله بسخرية. تمتزج بهذه السخرية روح براءة طفولية تعطي القصيدة بعض الخفة. كما أن زهراد شاعراً حداثياً لا يشرع في تحطيم الشعر التراثي، بل يتغلغل في صميم الأدب الأرمني، يستنبط من كنوزه ويسخّر كل إمكاناته معيدا ً إنتاجه برؤى حداثية.

 

لقد أصبح اسم زهراد رمزا ً للحداثة في الشعر الأرمني بعدما حاول الكثيرون من شعراء جيله تخطي حدود الشعر التقليدي بغية تطويره. ولكن تلك الجهود لم تتخط َ نطاق البحث فَقُدِّرَ لزهراد أن يكون الرائد في فتح جديد من الشعر الأرمني الحديث.

 

زهراد شاعر إنساني كبير، يعتبر الإنسان محور كل تطور، فيتسلل إلى أعماق عالمه الروحي والفكري، يسبر خفايا مَدِّهِ وجَزْرِهِ، يبحث عن الأماني المكتومة والأحلام والمحبات الصامتة والأمال المتفتحة. وهو مشحون بحب كبير تجاه الإنسان، يريد أن يراه سعيدا ً ومتفائلا ً.

 

اذهبوا قولوا للخطوبِ ألاّ تكونَ

أنْ لا يكوننَّ أن تحدُثَ

أو متى حَدَثَتْ فلتبْقَ بعيداً عن عالَمنا الصغيرِ هذا

أنْ لا تصِلَ إلى تعكيرِ صَفوِهِ وإفسادِ نكهتِه

 

أقرئوا الخطوبَ سلاماً مِنَّا

 

ينطلق زهراد من ذاته مثل كل العظماء مقبلا ً إلينا لينشد نشيده خارج نطاق كل الأزمنة، وفي الوقت ذاته لصيقا ً بكل الأزمنة، مصمما ً على الدفاع عن قيم الإنسان الحقيقية وفطرته المتسمة بالمنطق ونظرته المتفائلة في خليط من أحاسيس متميزة، سعيا ً وراء عالم أكثر إنسانية، مما يتيح لشعره الانتماء إلى التراث العالمي بقدر انتمائه إلى ثقافته القومية.

 

رحلة حياة حافلة

 

ولد زهراد واسمه الحقيقي زاريه يالدزجيان في اسطنبول في 5 أيار، 1924، لعائلة اندمجت في حياة المدينة وسلوكها. فكان جده الأعلى رئيس الرسامين المرمّمين للقصر الملكي (يالدزجي باشي) ومنه جاءت الكنية (يالدزجيان). أما والده فكان حقوقيا ً شغل منصب نائب مستشار في الباب العالي ومترجم رئيس لعدة لغات أجنبية في وزارة الخارجية التركية. توفي والده بالسل وزهراد في الثالثة من عمره فتولى رعايته جده لأمه ليفون وارطانيان الشهير ب"الحاج ليفون".

 

كان الحاج ليفون والدَ أمّي ـ طيّباً

                            دُكانيّاً

حفيدَ خوريٍّ

عضوَ مجلس الملَّةِ في ساماتيا

ـ يومَ كانت ساماتيا باريسَ صغيرةً ـ

 

أنهى زهراد دراسته الثانوية في معهد الآباء المخيتاريين في مسقط رأسه في عام 1942، ثم التحق بكلية الطب البشري بجامعة اسطنبول فتركها بعد أن درس فيها ثلاث سنوات.

 

تنقل زهراد في مجالات مهنية عديدة: عمل في مؤسسات بيع أدوات طبية ومستودعات أدوية ومؤسسات عدلية ليستقر أخيرا ً في تجارة الصنابير والسلاسل المعدنية حتى اعتزاله في 1 أيار، 1994.

 

أنا دكانيٌّ ـ جالسٌ أبيعُ صنابيرَ ـ

يأتي الناسُ فينخبونها صنبوراً صنبوراً ـ

بعضهم أصفرَ اللونِ ـ كي حين يفتحونه يسيلَ شمساً

بعضهم أبيضَ اللون ـ كي يجريَ أملاً بارِقَ الثَلْجِ

بعضهم يطلبهُ صنبوراً للنورـ بعضهم للحب ـ و كثيرونَ

صنابيرَ للصبرِ للعزاءِ للحريّةْ ـ

 

صدرت قصيدته الأولى عام 1943 في الصفحة الأدبية لجريدة "جاماناك" (الوقت) الأرمنية التي تصدر في إسطنبول. لم توح ِ هذه القصيدة آنذاك بأن صاحبها آتٍ ليقوم بعد فترة وجيزة بوثبة تتجاوز الأنماط التقليدية للشعر الأرمني.

 

ففي علم 1950، دخل شعر زهراد تجربته الجديدة باقتدار مقدما ً أنموذجاتٍ هامة ومقنعة ومضى دون تعثر. وفي عام 1960 تفجّر ربيع شعر زهراد وظل مقيما ً وفوّاحا ً في ربوع الأدب الأرمني حتى اليوم، حين نشرت له جمعية طلبة معهد "كتروناكان" (المركزي) في إسطنبول ديوانه الأول بعنوان "المدينة الكبيرة" (161ص) الذي تضمن قصائده التي نظمها ما بين 1950-1960.

 

أعلن ديوان "المدينة الكبيرة" اكتمال معالم تيار شعري جديد ومُبْتكر بدأته مجموعة من الشعراء الأرمن في إسطنبول، أحد أهم مراكز ازدهار الأدب الأرمني، فكان زهراد أبرزهم. لقد لقي هذا التيار بعض المعارضة والنقد السلبي في بلدان المهجر الأرمني، مثلما يلاقي كل جديد ولكنْ، سرعان ما تقهقرت هذه المعارضة أمام ارتياد هذا التيار آفاقا ً جديدة، أصبحت فيما بعدُ الصيغة الأكثر تلبية للمرحلة الجديدة.

 

وفي عام 1968 صدر له كتيّب صغير بعنوان "حدود ملونة" (مطبعة بايكار – إسطنبول – 16ص)، ثم في عام 1971 كتاب بعنوان "سماء طيبة" (112ص) طـُبع في إسطنبول بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس جمعية خريجي معهد الآباء المخيتاريين.

 

بعد عشر سنوات من صدور أول ديوان له، أصبح المناخ مواتيا ً لاستقبال شعر زهراد خارج إسطنبول وخاصة بعد أن استنفدت الصيغ السائدة للشعر الأرمني ما كانت تختزنه من حيوية. فما قدَّمه زهراد في حينه كان متوافقا ً مع المناخ الذوقي والفكري وخاصة للمتلقي الذي كان يحتك دائما ً مع المجتمعات المتقدمة في المهجر الأرمني. ومن هنا برزت مساهمة دور النشر خارج إسطنبول، بما في ذلك توصيل الذائقة الجديدة بغية توضيح آفاق وإمكانيات هذا الشعر. ففي باريس نشرت له دار يريبوني عام 1971 مختارات شعرية، ضمن سلسلة "شعراء معاصرون" (64ص). كما نشرت "جمعية تنمية الفنون الأرمنية" (كاترا) في عام 1976 كتيّبا ً جديدا ً بعنوان "أرض خضراء" (30ص) ودار "الكاتب السوفياتي" في يريفان مختارات شعرية بعنوان "المدينة الكبيرة" (90ص) عام 1978، قدمه البروفسور الكسندر طوبجيان، أبرز نقاد أرمينيا آنذاك.

 

توضحت رموز الشعر الجديد الذي أتى به زهراد وعُرفَت جوانبه الهامة، وتبين أنه لا يُعدّ مجرد محاكاة لموجات شعرية وافدة، رغم أن زهراد كان متفاعلا ً مع حركة الفن العالمية ومنفتحا ً على التيارات الجديدة. ما أتى به زهراد إنما كان ثورة شعرية ذات صلة بالجذور، قادرا ً وجديرا ً بالبقاء والاستمرار.

 

في عام 1989 صدر للشاعر في إسطنبول كتاب جديد بعنوان "ربيعان بحجر واحد"، نشره "صندوق أليك مانوكيان لدعم الثقافة" (الولايات المتحدة)، ومُنح زهراد بهذه المناسبة جائزتين أدبيتين تُمنحان عادة للأدباء البارزين الأرمن وهما: جائزة "هايكاشين أوزونيان" وجائزة "أليس قاووقجيان - أيوازيان"، وفي العام ذاته حيث يصادف ذكرى ميلاده الخامسة والستين، كُرِّم من قبل الجاليات الأرمنية في كل من مونتريال، ديترويت، بوسطن، نيويورك، تورونتو ولوس انجلوس، كما منح شهادةَ تقديرْ "ميسروب ماشدوتس" للآداب من "الكلية الأرمنية" في لافيرن، كاليفورنيا.

 

سبقت هذه الجوائز شهادات تقدير وجوائز أخرى من حكومات ومؤسسات أجنبية: شهادة تقدير من الحكومة الفيليبينيـة، شهادة تقدير من أكاديميـة "ليوناردو دا فينتشي" في رومـا، شـهادة تقديـر من "فرسان الطاولـة المسـتديرة" في كـاليفورنيـا. كما أدرج اسـمه اعتبارا ً من 1971-1972 في دليل الشعراء العالميين في انكلترا المعروف ب International Who's Who in Poetry، كما في الموسوعة الأرمنية السوفيتية والموسوعة البولونية، كأحد أعمدة الشعر الأرمني المعاصر. في عام 1994 وفي ذكرى ميلاده السبعين كُرّم زهراد في يريفان وتبيليسي وجزيرة كنالي (تركيا) وبهذه المناسبة نشرت جمعية خريجي معهد الآباء المخيتاريين في إسطنبول كتابا ً جُمعت فيه قصائد "كيكو" بعنوان "لنقعد معوّجين ونحكي مثل كيكو" (48ص). كيكو هو أحد أبطال "المدينة الكبيرة" الذي ولد من جموع الحب والتواد الإنساني، من طينة نبيلة، محاولا ً ترويض الحياة  ببساطة وطيبة أمام تطلعات الناس الدنيئة.

 

كيكو من الأرضِ أَكَلْ

من الأرضِ شَرِبْ –

كيكو جوفه طيناً

ومستنقَعاً امتلأْ

 

بَيْدَ أَنَّهُ مِنْ جبلَّةٍ نبيلَةْ –

أحالَ الوحلَ أرضاً شفَّافَةً

وبَذَرَ القمحَ كي تأكلوا خبزاً

وحينما شَبِعْتُمُ

زرَعَ زهوراً كي تَحْلُموا –

 

أكَلْتُمُ الخُبْزَ – وحَلَمَ كيكو

 

كتب البروفسور الكسندر طوبجيان في إحدى مقالاته المهداة إلى زهراد بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين ما يلي: " أتذكر جيدا ً بين 1960-1970، كم كان نجاح زهراد باهرا ً في دول البلطيق، في لاتفيا، استونيا وليتوانيا، عندما تُرجمت له أشعار إلى تلك اللغات. كما أتذكر أن الشاعر الليتواني مارتسيلوس ماردينايديد وبعد قراءة "قصائد كيكو" ابتكر شخصية أدبية سماها كوكوديس متأثرا ً بشخصية كيكو".

 

استمر زهراد في نتاجه مكتشفا ً طبيعة تضاريس العلاقة بين الإنسان وعصره وكاشفا ً كل ما في جوهر الإنسان من ثراء.

 

انتِ آلة ٌ حاسبة ٌ

تقومينَ بالحساب – أنتِ ذا أنتِ ذاكَ –

أنا الآخرُ – أنا الحلمُ –

      هلْ ترين؟

 

في عام 1995 صدر له كتاب جديد بعنوان "غربال ماء" (192ص) نشره "صندوق أليك مانوكيان لدعم الثقافة"، ثم في عام 2001 صدر له كتاب آخر بعنوان "طرف إلى طرف" (96 ص) من مطبعة مُراد أوفست في إسطنبول. شارك زهراد في العديد من المؤتمرات الأدبية بدعوة خاصة، منها تيبه (تايوان) عام 1973، في لوفان (بلجيكا) عام 1980، في مراكش عام 1984 حيث التقى مع شعراء عالميين كبار مثل الشاعر الفيليبيني أمادو يوزوني وشاعر الحداثة الفرنسي أوجين غيّفيك حيث عرَّف في هذه المؤتمرات عن الشعر الأرمني المعاصر. كما ألقى قصائده باللغة الأرمنية على مسرح بلدية لوفان في أحد المهرجانات الكبيرة التي نظمها الاتحاد الأروبي.

 

تُرجم شعر زهراد الى 23 لغة: الانكليزية ترجمه أدباء كثر، أبرزهم جيمس راسل، إدوار فوستر، ديانا دير هوفهانيسيان، هاكوب خاجيكيان، رافي سيتيان، هاكوب مارتايان ودافيد خرديان. ما ترجمه هاكوب خاجيكيان صدر في كتاب عنوانه "قصائد كيكو" (28ص)، نشرته دار كيليكيا بريس، في كاليفورنيا، في عام 1968. أما ترجمات رافي سيتيان فقد جمعت في كتاب بعنوان "قصائد مختارة" (48 ص) نشرتها دار نشر مانّا في كندا في عام 1974، الفرنسية ترجمة كل من الأدباء فاهه كوديل، شارل دوبزنسكي وروبير رولير، اللاتفية ترجمة الشاعر ماردين تشاغلاس، الليتوانية ترجمة الشعراء سيكيداس كيداس ومارتسيلوس ماردينايديد، الروسية ترجمة الشعراء آلا دير هاكوبيان وأناهيد طوبجيان، الرومانية ترجمة سركيس سيليان، الكوجاراتية ترجمة الشاعر موكوند دافه، التشيكية ترجمة لودميلا موتالوفا والجورجية ترجمة كيفي لوارارشفيلي في عام 1997 في كتاب بعنوان "نقطة حدود" (32ص). كما صدرت له أشعار مترجمة إلى اللغة الألمانية والإيطالية واليونانية والإستونية والإسبانية والفارسية والأوردو والهندية والأوكرانية والبولونية والفلمنكية والعربية، نشرت في مجلات أسبوعية وحوليات وأنتولوجيات أرمنية وعالمية.

 

في تركيا، نشرت له دار (أيي شايلار) في عام 1993 كتابا ً بعنوان "قطرة سمن" (44ص) تضمَّن ترجمات لبعض قصائد زهراد إلى التركية وقد ترجمها الرسام الكاريكاتوري أوهان شاشكال كما تضمن ترجمات قام بها الشاعر التركي المعروف جان يوجال. وأعيدت طباعة هذا الكتاب للمرة الثانية في عام 2000 من دار النشر نفسها (1000 نسخة). وقد عبرت الأوساط الأدبية التركية وعبر الصحافة عن إعجابها الشديد بشعر زهراد وموضوعاته المستوحاة من الحياة اليومية وكثافة لغته الشعرية الشديدة التفرّد. ها هو الكاتب التركي ديمير أوزلو بعد أن اكتشف جوانب هامة في شعر زهراد يشير إلى أهمية ارتواء الثقافات بعضها من بعض قائلا ً: "يتضح لنا وبسهولة أن إغلاق أنفسنا تجاه هذه اللغة والثقافة حرمنا من ثروات كثيرة للغاية".

 

وفي عام 1997، زار زهراد مع زوجته أناهيد أنترياسيان مدينة حلب بدعوة من جمعية النهضة الثقافية والتقى مع مجموعة من الأدباء والمهتمين، كما شارك في مهرجان شعري أقيم على مدرج كلية الآداب في جامعة حلب مع الشاعر السوري فائز خضّور. في العام ذاته، زار زهراد القطر اللبناني الشقيق بدعوة من "الحلقة الأدبية اللبنانية الأرمنية" وبهذه المناسبة أعيدت طباعة كتابه "ربيعان بحجر واحد". وفي عام 1998 صدر له في يريفان وعن دار "ناييري" للنشر كتاب يتضمن مختارات شعرية بعنوان "خاتشكار بلا حجر بلا صليب" (232ص)، والخاتشكار هو حجر منحوت على شكل مستطيل أو صليب بارتفاع متر إلى مترين، مزيَّن بنقوش رائعة، اختصّ به النحاتون الأرمن منذ القدم.

 

يَعتبرُ زهراد وسامَ "القديس ميسروب والقديس ساهاك"، كما وسام "موسيس الخوريني"، أهم وسامين في حياته. الوسام الأول منحه إياه كاثوليكوس سائر الأرمن وازكين الأول في عام 1991 والوسام الثاني منحه إياه رئيس جمهورية أرمينيا في عام 1999 بمناسبة ذكرى ميلاده الخامسة والسبعين وتقديرا ً لخدماته الجليلة للثقافة الأرمنية. كما أنه وبهذه المناسبة كُرِّم في مسقط رأسه ونُشر له ألبوم بعنوان "زهراد 75 سنة" (92ص) نشرته جمعية طلبة معهد ساهاكيان في إسطنبول، تضمن صورا ً من أرشيفه الشخصي وشهادات حول نتاجه الأدبي وباقة من أشعاره.

 

في عام 2001 منحه بطريرك الأرمن في إسطنبول وسام البطريركية من الدرجة الأولى. وفي عام 2002 حصل زهراد على جائزة رفيعة من مؤسسة "واهاكن وهاسميك أوهانسيان الخيرية"، وهي جائزة "واهاكن" مع أربع شخصيات أرمنية أخرى ذات شهرة عالمية هم: شارل أزنافور، جانسيم، أدوم أكويان وأرمين جيكارخانيان. وفي ذات العام، التفّت الأوساط الأدبيـة التركيـة مرة أخرى حول شعر زهراد بعدما صدر له كتاب جديد تضمن باقة من أشعاره المترجمة إلى التركية بعنوان "السمكة التي رأت الوريقة" (144ص) من دار نشر "بلكي" في إسطنبول، بترجمة أوهان شاشكال، وقد عبّر أدباء كثر ومهتمون جدد في الصحافة التركية والأنترنت عن إعجابهم الشديد بشعره.

 

وصدر له أخيراً ديوانه الجديد بعنوان "الماءُ صاعداً الجدار".

 

تألق اسم زهراد في سماء الأدب الأرمني كشاعر حداثي بارز ساهم في بلورة اتجاه شعري جديد بلغة شعرية شديدة التفرّد، تفسح المجال للأجيال القادمة لتكتشف ما تحتاج إليه.

 

انظر المجموعة الشعرية "المدينة الكبيرة" ترجمة لوسي قصابيان - غسّان كجو، مراجعة آرا جوهريان

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1545

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web