ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: الأرمن والآشوريون
الذكرى 96 لمجازر إبادة المسيحيين في الامبراطورية العثمانية

2011-07-31 17:39:52

د. جميل حنا

 

في 24 من نيسان من كل عام ذكرى ملايين الشهداء من المسيحيين الذين أزهقت أرواحهم بأبشع الأساليب على يد السلطات العثمانية وقوى العشائر الكردية المتحالفة معها ابان الحرب العالمية الأولى. في هذه الأيام يحيي أبناء الشعب الآشوري والأرمني واليوناني وكافة مؤسساتهم الدينية والثقافية والسياسية ذكرى هؤلاء الشهداء الذين وهبوا حياتهم من اجل الحفاظ على إنتماءهم العقائدي الديني وهويتهم القومية.

 

يقف ابناء هذه الشعوب مندهشين أمام هول المأساة الفظيعة التي حلت بهم، ينظرون إلى حاضرهم المتخم بألام الماضي والمأسي الكثيرة. الأجيال الحالية وهذا الحاضر يقف مذهولا يلقي نظرة عتاب ولعنة على تلك الأحداث المأساوية. الزمن يسير وأمور كثيرة لم تتبدل جوهريا في تلك البقعة التي ارتكبت فيها المجازر، حتى الآن الدولة التركية لا تعترف  بتلك المجازر. وكلما مر الزمن أصبحت ذكرى شهداء الإبادة أكثر حيوية في الذاكرة الجماعية لأبناء هذه الشعوب.

 

قوافل الشهداء سطروا التاريخ بدمائهم من أجل أمتهم، هؤلاء الشهداء رموز الأمة وضميرها الحي الذي منه ينهل قوة الصمود والتحدي من أجل البقاء.

 

تاريخ مجازر إبادة الشعب الآشوري يمتد إلى قرون طويلة من الزمن، قوافل الشهداء جذورهم في أعماق التاريخ والأرض عميقة. هؤلاء الشهداء كانوا رموزالصمود والتفاني والتضحية بالنفس من أجل الحفاظ على استمرارية بني قومهم ودينهم. وكانت هذه الملاحم الأسطورية في الشهادة يمنح الناجين من المذابح على تجاوز المحن الأليمة. وكانت هذه أحدى أبرز السمات التي تمتع بها الإنسان الآشوري وإظهار قدراته على إعادة بناء الذات الجريحة بفعل الغدر من خلال التمسك بإنتماءه إلى جذور وأصالة هويته القومية والتمسك بأرضه التاريخية. هذا الالتزام الذي أمتزج بعقيدتة الدينية خلال قرون طويلة فأصبح التمسك والتضحية من أجلهم لا ينفصلان بعضهم عن بعض.وذلك بسبب عدم وجود سلطة سياسية أو كيان دولة مستقلة يحكم الشعب في إطارها وذلك منذ سقوط نينوى 612 ق.م وبابل 539ق.م. وهذا التداخل كان له تأثيرا كبيرا على مجمل تاريخ وسلوكية الإنسان الآشوري سلبا وإيجابا.

 

كانت معظم المجازر التي تعرض لها الآشوريون هي بسبب الغزوات الخارجية التي أرتكبتها القوى الغازية في بلاد مابين النهرين وبلاد الشام مثل قبائل البدو القادمة من الجزيرة العربية وكذلك القبائل التترية المغولية والعثمانية والكردية القادمة من بلاد فارس ومنغوليا.

 

أن أفظع المجازرالتي تعيش في الذاكرى الجماعية لعموم الآشوريين المسيحيين بإنتماءاتهم الكنسية المختلفة من أبناء الكنيسة الكلدانية والسريانية الأرثوذكسية والمشرقية وغيرهم هي تلك التي ارتكبت خلال مايقارب القرنين الماضيين وخاصة المذبحة الكبرى في أعوام الحرب الكونية الأولى بين أعوام 1914-1918 في السلطنة العثمانية وذهب ضحيتها أكثر من نصف مليون إنسان.

 

الشعب الآشوري يحمل مسؤولية مجازر التطهير العرقي الجماعي التي نفذت بحقه في تلك الفترة التاريخية العصيبة على السلطات العثمانية وقوى العشائر الرجعية الكردية المتحالفة معها والمشحونة بالتعصب الديني. هذه المذابح التي نفذت تحت إشراف السلطات العثمانية بقيادة حزب الاتحاد والترقي.هذا الحزب الذي أستولى على السلطة في ثورة 1908 التي كانت شعاراته تلبى مطالب كافة الشعوب في الأمبراطورية، المساواة والعدالة والأخوة، وكان من الطبيعي أن يلقى وقوف الشعوب في السلطنة إلى جانب الثورة التركية البرجوازية (تركيا الفتاة) لأنها طرحت حل المسألة القومية بواسطة تأسيس مقاطعات ذات حكم ذاتي ومن أجل لا مركزية للامبراطورية العثمانية.

 

ولكن لم يمضي إلا وقت قصير من الزمن حتى أعلن الاتراك الفتيان عن سياسة التتريك الشوفينية، أي توحيد جميع الشعوب التركية تحت قيادة تركيا. ولذلك رأت القيادة التركية حل المسألة القومية عن طريق الإبادة الجسدية للشعوب المسيحية أو الأسلمة.

 

وكما يذكر بأن الدكتور ناظم منظر الحزب واحد اقطاب السياسيين الأتراك الشبان بقوله:" لويقف المحرضون من صوفيا وأثينا عن التدخل في شؤوننا عندها ستحقق الحرية الحقيقية وحينها سيرى الجميع كيف سنذوب بسهولة جميع اليونانيين والعرب والالبان ونصنع منهم شعبا واحدا ذو لغة ام واحدة"(كابيدولين- ثورة تركيا الفتاة، 1939). وأضاف في احدى اجتماعات هذا الحزب "أريد بان يعيش على هذه الأرض التركية، فقط التركي ويسيطر دون منازع، فليغب جميع العناصر الغير التركية من أية قومية أو دين كانوا، يجب تنظيف بلادنا من العناصر غير التركية" (البرفسور م.إ. نيرسيسيان، يريفان، 1966- مذابح الأرمن في الأمبراطورية العثمانية مجموعة وثائق ومواد).

 

وأكد على قوله هذا زميله القيادي في الحزب شاكر الذي اعتبر (انه في ثقافتنا القومية يمكن ان نسمح بازدهار للبذور التركية فقط. نحن ملزمون بتنظيف وطننا من جميع الشعوب غيرالقريبة المتبقية واقتلاعهم من جذورهم كما تقتلع الاعشاب الضارة، هذا هو هدف وشعار ثورتنا).

 

ومن ذات المصدر صرح انور احد الحكام الثلاثة القائدين للبلاد بقوله "انا غير ناوي فيما بعد على تحمل المسيحيين في تركيا" ( وبعد فترة من ذلك أي في صيف 1915) اعلن وزير الداخلية طلعت عن نوايا الباب العالي: "باستغلال الحرب العالمية من أجل التخلص نهائيا من الأعداء الداخليين الذين هم ( المسيحيين المحليين) كون ذلك لا يستدعي حينئذ تدخلا دبلوماسيا من الخارج".

 

وإنطلاقا من هذه الأفكار الفاشية والسياسة العنصرية ضد المسيحيين بدأ التحضير المدروس ووضع الخطط المنظمة بدقة تامة بإبادة المسيحيين في السلطنة العثمانية بما في ذلك الشعب الآشوري أصحاب الأرض الحقيقيين الساكنين في تلك البقعة من الارض قبل آلاف السنين قبل الميلاد.

 

وأتخذ من إندلاع الحرب الكونية الأولى التي كانت تركيا أحدى أطرافه الرئيسيين بناء على أساس اتفاقية  التحالف المبرمة بينها وبين ألمانيا في 2 آب وبعد ذلك بيومين أنطلقت العمليات الحربية في الساحة الآوربية. وحتى قبل إنطلاق الحرب الكونية الأولى منذ صيف عام 1914 بدأ غزو القرى الآشورية من قبل الأتراك والاكراد، بقرة خاتون في مقاطعة قارص وأعدموا جميع رجالها الذين حاولوا النجاة غير انهم قطعوهم بسيوفهم، وفي منطقة آلباق تم سلب القرى وفر من استطاع. وانطلاقا من أن الاتراك والاكراد بدأوا غزو الآشوريين غير المعلن مسبقا، فقد اعلمت وزارة الخارجية الروسية سفيرها في طهران في 27 تموز 1914م. بان انتفاضة الآشوريين تعتبر مطلوبة الآن وان وزارة الحربية ستسلح الآشوريين في حال استمرار الاجراءت العدوانية التركية(المائدة الفارسية, وارشيف الياسة الخارجية الروسية. ف."ديوان وزارة الخارجية"الارشيف السياسي"، المكتب الفارسي" المكتب التركي" لأعوام 1912-1914.

 

وأمتد سعير الحرب وألتهمت نيرانها الممتلكات ودمرت كافة مرافق الحياة الزراعية والسكنية والاجتماعية وأزهقت الارواح في كل مكان بدأ من أورمية ومناطق بحيرة وان وهكاري وطور عابدين وآميد(ديار بكر) وماردين , وأنطاكية. وفي ربيع وصيف عام 1915 كان ابناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية يتعرضون إلى أبشع حملة إبادة عرقية على يد العثمانيين والعشائر الرجعية الكردية المتحالفة معها. ونتيجة هذه المجزرة الرهيبة تم قتل الغالبية الساحقة من المسيحيين وكما يقول الباحث والكاتب التركي(وبحسب الأحصاء التركي الرسمي لعام 1913 كان عدد سكان تركيا الحالية ستة عشر مليون ونصف من بينهم أكثر من أربعة ملايين مسيحي منهم مليون من أبناء الشعب الآشوري بمذاهبهم المختلفة. واما حاليا فأن عدد سكان تركيا البالغ ثمانون مليون تقريبا فلا يوجد سوى مائة ألف مسيحي بدلا من أن يكون على أقل تقدير حسب نسب الزيادة الطبيعية أكثر من عشرين مليونا مقارنة مع العدد الأجمالي لسكان تركيا حاليا). ويضيف الكاتب(لا يوجد في جنوب شرق تركيا المناطق الأساسية لمناطق سكن الشعب الآشوري بدأ من بحيرة وان وهكاري وطور عابدين وآميد(ديار بكر)وأنطاكية سوى بضعة آلاف. لقد تم إبادة أكثر من ستمائة وخمسون ألف منهم أثناء الحرب الكونية الأولى.)

 

وهذه القلة القليلة لا تجد اطمئنان لها في تركيا الحالية في ظل حكم المسلمين المعتدلين من حزب العدالة والتنمية التركي الواقفين على عتبة باب آوربا للدخول في عضوية اتحاد الدول الأوربية. حيث يتعرض دير مار كبريئيل للسريان الأرثوذكس في طور عابدين إلى حملة شرسة للأستيلاء على أملاكها واستمرار التهديد وممارسة الرعب على ساكنيها من الرهبان ورجال الدين وبعض الطلبة وكل ذلك يتم بالتعاون والتنسيق الكامل مع بعض رجال العشائرالكردية المتحالفة مع حزب أردوغان رئيس وزراء تركيا المعتدل الأسلامي الديمقراطي! دير مار كبريئل يعد صرحا دينيا وثقافيا وعمرانيا على المستوى العالمي.لقد شيد الدير منذ أكثر من 1700عام وتحديدا في عام 397 م أي قبل الاسلام بقرون وقبل احتلال العثمانيين لتلك الأرض بأكثر من ألف عام.

 

وبهذه المناسبة الأليمة نطالب الحكومة التركية بالكف عن ممارسة اضطهاد المسيحيين في تركيا عمليا وليس بالأقوال والأعلام والتصاريح والتقارير المقدمة إلى أوربا والعالم. إيقاف ممارسة الارهاب النفسي وسلب اراضي الدير وممتلكات المسيحيين الذين فروا من القتل.كما نطالب تركيا الاعتراف بالمجازر التي ارتكبتها السلطات العثمانية التركية خلال أعوم الحرب العالمية الأولي ولأن مجازر الإبادة العرقية الجماعية لا تزول بالتقادم حسب المواثيق الدولية.

 

الذكرى السادسة والتسعون في الرابع والعشرون من نيسان لمجازر الإبادة العرقية الجماعية يصادف عيد القيامة المجيد للمسيحيين في كافة العالم. بهذه المناسبة نتمنى أعياد سعيدة للجميع في عالم خال من الحروب والعيش في عالم يسودة السلام بين كافة شعوب العالم والتحرر من الظلم والاستبداد. ونتمنى بأن تكون مناسبة هذا العام بداية قيامة الشعب الآشوري بكل تسمياتهم ومذاهبهم الكنسية من تحت نير التفرقة والتشرزم، وتوحيد صفوفهم من أجل البقاء وحماية كيانهم من الأنصهار في أوطانهم وخاصة في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام والشرق الأوسط عامة.

 

المصدر والاقتباسات:

 

1- الآشوريون والمسألة الآشورية في العصر الحديث _ ق.ب. ماتفييف (بارمتي) ترجمة: ح.د.آ

2-  الكاتب والباحث كمال يالجين ومذابح إبادة المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية. د. جميل حنا

 

يوم الجمعة العظيمة، 22 نيسان 2011

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1983

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web