ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: كتب وطباعة
ثورة الحلبيين على الوالي خورشيد باشـا

2008-10-03 02:12:31

ثورة الحلبيين على الوالي خورشيد باشـا (1819 - 1820)

 

يوميّات المطران أبراهام كوبليان

 

بقلم المهندس عبدالله حجّار

 

تمهيد

 

إنّه كتاب من منشورات مطرانية الأرمن الكاثوليك بحلب صدر في 250 صفحة قدّم لنا فيه المحقّقان سيادة المطران بطرس مراياتي والباحث مهران ميناسيان "ثورة الحلبيين على الوالي العثماني خورشيد باشا (1819-1820)" كما تركها لنا في يوميّاته شاهد عيان هو مطران الأرمن الكاثوليك بحلب أبراهام كوبليان.‏

 

تألّف الكتاب من تقديم للمحقّقين عرّفا فيه بالثورة وأيّامها التي بلغت 101 يوماً امتدّت من يوم السبت 23 تشرين الأوّل 1819 ولغاية الاثنين 31 كانون الثاني 1820 (4 محرّم - 15 ربيع الثاني 1235هـ) كما عرّفا بالمصادر المختلفة التي تكلّمت على الثورة وتعرّضا لحياة كاتب اليوميّات ووصفا المخطوط والمنهج الذي اتّبعاه في تحقيقه وذلك ضمن 47 صفحة من الكتاب.‏

 

ثمّ قام المحقّقان بترجمة بداية اليوميّات التي كتبها صاحبها بالأرمنية إلى العربية، وهي تغطّي أحداث 18 يوماً الأُولى من الثورة وضمّتها 3 صفحات من المخطوطة ثمّ تابع الكتابة باللغة العربية حتّى اليوم 104 من ابتداء الثورة (من الصفحة 27 آ وحتّى الصفحة 36 آ) أي 21 صفحة تراوح عدد أسطرها بين 31 -40 سطراً.‏

 

دقّة التحقيق‏

 

لقد اتّبع الباحثان في تحقيقهما للمخطوطة منهجية اهتمّت بشرح الكلمات العامّية وترجمة الأعلام والأماكن وتعريب الكلمات الأعجمية وما أكثرها وشرح المصطلحات ومقارنة بعض الأحداث مع ما ذكر في المصادر الأُخرى (24 مصدراً) التي تكلّمت على الثورة ومدى صحّة ما ذكر في كلّ مصدر من حيث الموضوعية أو العاطفة أو النقل عن آخرين أو وصف شاهد عيان، بالإضافة إلى تصحيح الأخطاء الإملائية والسهو عن كتابة بعض الأحرف في متن المخطوطة. وما يؤكّد دقّة التحقيق وشموليته وجود 1060 ملاحظة حوت العديد من المعلومات المفيدة والمسهبة عن الشخصيّات المذكورة من أمثال عبد الله دلاّل والشاعر نصرالله طرابلسي وسواهما مع إحالة القارئ إلى مصادر هذه المعلومات في حال الرغبة في الاستزادة.‏

 

ذكر المحقّقان اعتمادهما 77 مرجعاً بالإضافة إلى العديد من مقالات الصحف والمجلاّت العربية والإنكليزية والفرنسية والأرمنية. كما أجهدا نفسيهما بوضع جدول مقارنة التواريخ الهجرية مع الميلادية وفق التقويمين الشرقي والغربي (اليولياني والغريغوري) لأيّام الثورة يوماً بيوم. كما ألحقا بالكتاب تسعة ملاحق لمقاطع رسائل تتعلّق بأحداث الثورة كتبت بالأرمنية وتمّ تبادلها بين كاتب المخطوطة ومسؤولين من دير بزمّار في لبنان. وضع المحقّقان في آخر الكتاب صوراً من النصّ الأرمني والعربي للمخطوطة وقلعة حلب (دروموند 1757) وتكية الشيخ أبو بكر الوفائي في الرمضانية مقر الوالي العثماني ومخطّط مدينة حلب (روسو عام 1818) ومخطّط حلب (الكونت رزيفوسكي 1819) ومخطّط منطقة المعارك المذكورة في أحداث الثورة حيث قسطل المشط والحرامي والزقاق الطويل والجديدة، بالإضافة إلى صورة لرجالات الحكومة والجيش العثمانيّ في أبهى حللهم وأشكال قبعاتهم التي تميّز الواحد عن الآخَر.‏

 

وكان مسك الختام في كتاب التحقيق الرائع ثبت فهرس الأعلام والأماكن والبلدان ومسرد الألقاب والكلمات الأعجمية الذي ضمّ 40 صفحة، وقد أحيل كلّ اسم إلى الصفحة ورقم الحاشية التي ذكـر فيها ما يسهّل على القارئ إيجاد ما يبحث عنه بسهولة، وهذا ما نفتقده غالباً في كتبنا التاريخية عموماً.‏

 

كاتب اليوميّات

 

هو المطران أبراهام يكينيان- كوبليان (1786-1832) وُلد في مدينة كلّس في 8 كانون الثاني 1786 وفي 2 ربيع الآخَر عام 1200ه‍ وفي سنة 1235 أرمنية كما يعلمنا والده في وثيقة ميلاده (ونفهم من ذلك أنّ التقويم الأرمني يبدأ عام 551، أي تجب إضافة 551 إلى التقويم الأرمني للحصول على التقويم الميلادي).‏

 

مات أبوه، وهو طفل، فجاءت به أُمّه إلى حلب، ومنها أُرسل بعد مدّة إلى دير بزمّار ليلتحق بسلك الكهنوت. وأصبح كاهناً عام 1809 وكان ذكياً يتقن العديد من اللغات، أرسل إلى حلب عام 1810 ثمّ عُيّن نائباً للبطريرك ورئيساً على الطائفة فيها عام 1814 وكان كاهناً أثناء الثورة ضدّ الوالي خورشيد. اختير أسقفاً على حلب ورسم في 20 تمّوز عام 1823 وبقي في لبنان يدير شؤون أبرشيته من هناك حسب العادة. وعاد إلى حلب عام 1824 إثر وفاة الوجيه يوحنّا بليط يسوس أبرشيته عن قرب. اتّهمه عام 1825 بعض كهنته تهماً باطلة عُزل على أثرها واستغاث بالبابا وسافر إلى بزمّار وبقي فيها حتّى تمّت تبرئته من روما عام 1828. فعاد مجدّداً إلى حلب فاستقبلته طائفته بترحاب. وباعتراف الحكومة العثمانية بالطوائف الكاثوليكية في السلطنة والسماح ببناء الكنائس، اشترى داراً من عائلة قراألي وبدأ بتحويلها إلى كنيسة (هي كاتدرائية الأرمن الكاثوليك في التلل حاليّاً)، لكنّه توفّي في 27 تمّوز 1832 مصاباً بمرض الكوليرا الذي جلبته معها عساكر إبراهيم باشا إلى حلب. دُفن خارج سور المدينة وعندما أنجز بناء الكنيسة عام 1840 نقل رفاته إلى مدفن المطارنة خلف مذبح قلب يسوع الأقدس.‏

 

كان المطران كوبليان واسع الثقافة يتقن عدّة لغات، انشأ عدّة مدارس للطائفة، وله العديد من التآليف والترجمات بالأرمنية والعربية، ونسخ عدّة كتب صلوات وترك دفتر يوميّاته التي دوّنها بين 1810-1830، وكان من بينها ثورة الحلبيين ضدّ الوالي خورشيد عام 1819-1820.

 

ثورة الحلبيين ضدّ الوالي خورشيد

 

وأقدّم في ما يلي ومضات عن الثورة وأسبابها لا تغني عن القراءة الكاملة للنصّ والاطّلاع على حواشيه الغنية.‏

 

أسباب الثورة غير المباشرة: سَأَم الشعب من الضرائب المتواصلة وسوء الوضع الاقتصادي ما أدّى إلى غلاء المعيشة، وإرسال عساكر من حلب لقمع ثورات أماكن أُخرى، ونقمة الإنكشاريين حيث فتك بهم الوالي السابق ابن جبّار، وقطع رؤوس 11 مسيحياً بسبب الخلاف الطائفي بين الأرثوذكس والكاثوليك. كلّ ذلك خلق جوّ استياء وعدم ارتياح كبيرين.‏

 

السبب المباشر للثورة: فرض الوالي خورشيد باشا ضريبة "الصليان" على الحلبيين (الصليان أصلها سليان جمع "سال" من الفارسية وتعني "سنة": وهي نوع من الضرائب السنوية كانت تُفرض على العقارات). وقد فرضت لجمع المال لجرّ مياه الساجور إلى حلب لانخفاض منسوب القويق بسبب الجفاف. فرض 40 -70 قرشاً على كلّ بيت، وكان هناك بيوت لا تساوي قيمتها الضريبة المفروضة. ذهب خورشيد إلى الساجور فاجتمع بغيابه زعماء البلد ورفضوا دفع الضريبة وطلبوا عزل المتسلّم.‏

 

بدأت الثورة السبت 23 تشرين الأوّل 1819 وشارك فيها الأشراف (السيدا) وجهاء البلد والإنكشارية الناقمة والملاحقة من قِبَل الحكم. هجم في البدء الحلبيّون على بيت الكتخدا (نائب الوالي العسكري) سليمان بك وقتلوه مع العديد من عسكر الوالي، وطالبوا بعزل المتسلّم. رفض خورشيد طلبات الثوّار وأمر بمحاصرة المدينة وضربها بالمدافع وقطع الماء والذخيرة عنها وحاول القبض على رجال الثورة، فرفض الشعب الاستسلام ووقف صفّاً واحداً.‏

 

دامت الثورة مئة يوم ويومـاً، عانى فيها الشعب الجوع والحرمان وهُدمت الدور وأُحرقت الأسواق وقُتل الكثيرون. وحصل انقسام في النهاية بين مؤيّد للقتال ومؤيّد للصلح، واتّفق على الصـلح مع خورشـيد. فدخلت جيوشـه وتمّت تصفية الثوّار والزعماء وكان في مقدّمتهم محمّد قجّة واثنا عشر قـائداً ووجيهاً، واقتحـموا بيت الشاعر الطرابلسي الذي كان يحرّض الثوّار بأشعـاره الحماسية.‏

 

مع الإمدادات التي جاءت لمساعدة الوالي خورشيد كان الجيش العثماني مؤلّفاً من 12000 رَجل أغلبهم من الخيّالة، في حين كان عدد المسلّحين من أهالي حلب 30000 مواطن.‏

 

كانت حصيلة الثورة: مقتل 3000 - 4000 من الحلبيين وحوالى 1500 رَجل من عساكر الوالي. وأُلقي 25000 - 31000 طلقة مدفع و2000 قنبلة. وكان عدد سكّان حلب عام 1822 (120000) نسمة حسب رأي الباحث أندره ريمون. وكان الشعب هو الضحية الأُولى حيث تعرّض للمجاعة ودفع الضرائب الهائلة ودُمّرت الدور وأُحرقت الأسواق. وأترك للقارئ الكريم الولوج إلى تفاصيل المعارك بين كرّ وفرّ بين أبناء الشعب وعسكر الوالي والتي تمّت في قسطل الحرمي والزقاق الطويل وقسطل المشط وسواها ممّا ذكرته اليوميّات يوماً بيوم، ليستمتع بقراءتها وبمتابعة حواشيها الغنية بالمعلومات المفيدة.‏

 

وختامـاً..

 

لقد قدّم تحقيق المخطوطة المحكم، والذي نأمل أن يقتدي بمنهجه المحقّقون الآخَرون، لبنة رائعة متينة تساهم في إبراز ذاكرة وتاريخ حلب وشعبها الطيّب بمختلف أطيافه في فترة محدّدة ثار فيها على ظلم الحاكم العثماني، كان في حواشيه، عن رجالات الثورة والشعب ومواقع المدينة والكلمات الشعبية المستعملة آنذاك منبع معلومات تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية لا ينضب. شكراً للجهد المبذول وهنيئاً للصديقين المحقّقين.

 

ثورة الحلبيين على الوالي خورشيد باشـا

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:2469

 
التعليقات المرسلة:
نسخة من الكتاب
2008-12-28 15:03:00 | جهاد حميدة
كيف يمكنني الحصول على نسخة من الكتاب؟


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web