ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: سيرة
أكسور كسارجيان على دروب الهجرة...

2009-03-27 02:49:21

أكسور كسارجيان على دروب الهجرة... البحّار الذي لم تشاهده الريح مهزومًا

 

بيروت - قزحيا ساسين

 

لا يمكن أن يكون الوطن حدثًا عابرًا في حياة أيّ إنسان، ويبدو أنّ الأوطان تستوطن أهلها وترتاح للإقامة فيهم، لا سيّما إذا حُرموها قسرًا واضطهادًا. وما التشرّد الموجوع غير صانع لصلابة الإنسان ويد توقظ فية الشّوق إلى كلّ بعيد وصعب وصولاً إلى حياة يتوّجها الاستقرار والطمأنينة، لكن بعد مسيرة نضال شخصيّ ذي نفس ملحميّ، فمشرّدو الأرض المسلوخون عن صدور أوطانهم ببشاعات الظّلم والتعسّف كلها وحدهم يستطيعون مواجهة الأقدار بتصميم ترفده إرادة صخريّة لا تلين تحت مطرقة الزمن الذي طالما يومئ إلى الرياح لتجري بما لا تشتهي سفن البشر.

 

أكسور كسارجيان واحد من هؤلاء البحّارة الذين بدت مراكبهم أيقونات خرافيّة على صدور الأمواج العاتية. عيناه اللتان احتفظتا بصور أرمينيا المأساويّة زمن الفاجعة حلا لهما التطلّع إلى الأبعد الأبعد في سن مبكرة، فامتطى أحصنة طموح جامحة إلى أن صقل روحه لتصير روحًا سنديانيّة وطار على بساط من نسيج يديه المؤمنتين بالتّعب الجميل من بلاد إلى بلاد، تاركًا خلفه في كلّ مكان حلّ فيه مناضلاً وساعيًا إلى النجاح حكايا تعلنه بطلاً من أبطال الحياة الذين وُلدوا على بساط تراب وشابوا على بساط ريح يملكون ذهبًا لا يملكهم ويسكنون قصورًا لا تسكنهم ولا تصادر فيهم المطارح التي ملأها الفقر والحنين والمحبّة.

 

ملحمة إنسانيّة

 

«على دروب الهجرة» ملحمة إنسانيّة طاعنة في الصّدق والحقيقة، بطلها «أكسور» يتقدّم على الكلام، ومعظم الاستثنائييّن تتقدّم وجوههم المضاءة بالنجاح والألم على نصوصهم التي خطّوها بأيديهم أو على النصوص التي كتبها عنهم الآخرون. وقلم جولي مراد، صاحبة النصّ العربيّ، خبير في مزاج الكلمات وعارف كيف يصوغ جملته محتفظاً بأناقة اللغة وأميناً لألم المعنى وجماله. فالكتاب ـ الملحمة يُقرأ بمتعة عين وقلب، ونصوصه تتتالى شهيّة، وفي كلّ منها محطّة في حياة إنسان طاف الدنيا في سفينة طموحه وبقي أميناً لذاكرته الأولى ولملامح وجهه في أوّل مرآة.

 

في إهداء الكتاب حيّا أكسور ناسه الحميمين أهلاً وأصدقاء وجيلاً صاعدًا غير متجاهل الذين ساعدوه وكانوا بعضًا من دليل على دروب الحياة. ثمّ أتت كلمة المطران كيغام خاتشريان لتبارك بطل الملحمة الرائع السيرة، وتثني على كفاءة جولي مراد الأدبيّة التي أعطت كتاب السيرة رونقًا لم تحظَ به كتب سيرة كثيرة، وتحيّي «دار المراد» المصدر دائمًا ما سما شكلا ومضمونًا.

 

تشرّد وبداية

 

عام ١٩١٧ وصل أكسور إلى هذه الدنيا ليهجَّر طفلاً من مدينة «سيس» إلى مدينة حلب إثر المجازر التي أتت في سياق إبادة جماعيّة للشعب الأرمنيّ أصرّت الأمبراطورية العثمانيّة على تنفيذها فصلاً فصلاً. وكلمة «أكسور» باللغة الأرمنيّة تعني «المهجّر» وهكذا اختصر الإسم معاناة شعب، وكان بمثابة شوكة في الذاكرة تمنع النسيان من الدخول إليها.

 

ومن حلب إلى زحلة اللبنانيّة التي وُشِمَ خيال أكسور بصورتها وهي تحتضنه طفلاً. ومن زحلة إلى محلّة الكرنتينا في بيروت حيث عمل الوالد «ڤرامشابوه»، فيما بقيت أمّ أكسور وإخوته مع الأقرباء في حوش الأمراء – زحلة. لكن، عاد الشّمل ليجتمع في الكرنتينا تحت سقف بيت خشبيّ.

 

في الخامسة عشرة طلب أبو أكسور من بكره مساعدته في العمل وكان يتاجر بالشعير والتبن. فدخل «المهجّر» معترك العمل ونجح في فترة زمنية قصيرة في تطوير تجارة أبيه الذي تعامل مع الفرنسييّن، إذ اتّجه نحو المشاركة في المناقصات لمزيد من الربح، وحقّق ما صبا إليه ومدّ خطوطًا جيّدة مع الجيش الفرنسيّ وقصد حمص وحماه ليأتي بالبضاعة المطلوبة من هناك. ومن الدرّاجة الهوائيّة التي تعدو إثرها الكلاب في البقاع ليلاً، إلى الدرّاجة الناريّة التي حرّضت أكسور إلى السفر الأبعد ولو كان على بساط الرّيح.

 

بعد التجارة الناجحة بين لبنان وسوريا قصد أكسور أفريقيا متخطّيًا رغبة أهله وله من العمر اثنان وعشرون عامًا. في القارّة السمراء واجهته آفاق رماديّة لا تبشّر بالخير وتملّكه حنين إلى بيروت. غير أنّ الأبواب بدأت توحي بأن للوصول إلى مفاتيحها سبيلاً ولو بصعوبة لا يحتملها سوى مغامر عنيد لم تعرف الهزيمة نيلاً في قلبه.

 

نحو الثورة والتوسّع

 

على فراش منجّد من أعشاب جافّة نام أكسور في كوفوريدوا، حيث فتح دكّانًا متواضعًا وبدأ يتجّه نحو التجارة الحرّة بعد أن أيقن أنّ الوظيفة والارتباط بعقود العمل لن يكونا لمصلحته. ومن الدكّان الى البدء في شراء الشاحنات لتوزيع البضائع، ليرتاح «المهجّر» شيئًا فشيئًا ويشعر بالبحبوحة. وإذا كان تعامل مع الجيش الفرنسيّ في لبنان فإنّه نسج علاقاته الجيّدة بالجيش الإنكليزيّ في أفريقيا. ومن خلال تعهّد بعض المشاريع التي تدخل في مجال البناء تمكّن أكسور من فتح الباب الأوسع الذي بوسعه أن يوصله الى عالم الثروات الكبيرة ليصير مع مرور الوقت شخصيّة لامعة في بعض من دول أفريقيا.

 

وبين مشاريع البناء وشقّ الطرقات تطوّرت حالة المهجّر وأصبح مليونيرًا له كرسيّ يُدَلّ عليه. ومن بيروت حضر أبو أكسور الى أفريقيا بدعوة من بكره ليحمل أكياس المال إلى لبنان بهدف وضعها في أحد المصارف.

 

اجتاز المهاجر الاستثنائي مراحل سياسيّة مضطربة وخطيرة في أفريقيا، واستطاع الحفاظ على علاقته بالجيش الإنكليزي والبقاء في مأمن من الأفريقييّن. وفي عام ١٩٧٨ أصبح اسم «كسارجيان» يعلو الصروح والساحات والشوارع.

 

في طنجة المغربيّة أقام أكسور وعائلته، لكنه عاد إلى لبنان الذي لم يقايضه بجمالات الدنيا. وكانت له اليد السخيّة لمساعدة كلّ محتاج ولبناء مؤسّسات ذات هموم تربويّة واجتماعيّة وإنمائيّة فذكره الكثيرون بالخير لأنّه أعطى مجّانًا بلا رغبة في أيّ مقابل.

 

أكسور كسارجيان أنفق عمرًا على دروب الهجرة، غير أنّ سفينته أبحرت فقيرة لا تملك سوى الرغبة في السفر والتعلّق بالله والوطن وعادت ملوّنة بخيوط المشيب إلى الوطن الأمّ لبنان، محمّلة بالحبّ الذي طغى على الذهب والأخلاق الرفيعة التي تتقدّم على ألقاب الثراء. ولا شكّ في أن قارئ «على دروب الهجرة» ينتابه شوق إلى الإبحار صوب البعيد والصعب تحقيقًا للذات وللطموح الذي هو صفة الإنسان الأولى إذا كان مؤمنًا بالحياة.

 

المصدر: "الجريدة"، الكويت، 26 مارس 2009

http://www.aljareeda.com/AlJarida/Article.aspx?id=102998

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1630

 
التعليقات المرسلة:
نعمة النسيان
2009-04-29 01:57:37 | كمال أوشار
نحن نأسف على ماضينا مما عان أجدادنا من قهر وقتل وظلم ولكننا صمدنا بوجه الظلم والقهر ولم نستسلم وأثبتنا وجودنا بالعلم والعمل والأخلاص بالدرجة الأولى لأن لم يبقى لدينا سوى هذه الأسلحة حتى ندافع عن مبادئنا وفكرنا والله دوما الى جانبنا لأننا مخلصين لأمتنا ولشعبنا والنصر ان شاء الله لقضيتنا والسلام ودمتم.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web