ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: أحزاب وجمعيات
الأحزاب الأرمنيّة: سياسة بلا كنائس

2009-08-23 14:13:51

الأحزاب الأرمنيّة: سياسة بلا كنائسبقلم نادر فوز

 

من ينظر إلى المناطق الأرمنية، ويظنّ أنّ هذا المجتمع موحّد، فهو على خطأ. فتاريخ العلاقة بين الأحزاب الأرمنية حافل بالصراعات وإراقة الدماء، بدءاً من أحداث 1958، مروراً بالحرب الأهلية. ورغم هذا الاختلاف، فإنّ الأرمن موحَّدون حول «مصالح الطائفة» وعناوين، منها الحياد وإبعاد رجال الدين عن السياسة.

 

ليس جديداً الخلاف السياسي بين الأحزاب الأرمنية، ومن ينظر إلى تاريخ هذه الأحزاب ومواقعها، يلحظ أنّ ابتعاد بعضها عن بعض كان دائماً موجوداً. ينظر عموم اللبنانيين إلى الأرمن على أنهم «عرق» موحّد، على اعتبار أنّ جميعهم موحّدون على التماسك، ولكون المجتمع الأرمني تُغيَّب عنه مظاهر الاختلاف السياسي، الذي يغزو المناطق الأخرى.

 

لكن هذا التماسك بين المواطنين الأرمن يمكن أن يخفّ إلى درجة الانعدام حين تطغى السياسة، فيظهر كل فرد بحسب هويّته الحزبية: الطاشناق، الهانشاك والرامغفار. يعود هذا الانقسام ويختفي عند الحديث عن أي موضوع أرمني جامع أو التوقف عند المصالح الأرمنية.

 

هم موحّدون حول قضايا «وطنية أرمنية»، أولاها قضية المجازر التركية بحق أسلافهم. ومهما اشتدّ الخلاف بين الأحزاب الأرمنية، فهم يجتمعون كل عام في أواخر شهر نيسان لإحياء هذه الذكرى وتجديد العهد للشهداء والمحافظة على المجتمع والوجود الأرمنيين.

 

يدفع هذا الانقسام الحزبي بالكثيرين إلى حسد الأرمن على شكل خلافهم، إذ إنه - خلافاً لكل «المجتمعات» التي تحيط بهم - انقسام بعيد عن الاصطفافات الطائفية (بين أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت). وينتسب المواطنون الأرمن إلى الأحزاب الثلاثة بغضّ النظر عن انتماءاتهم المذهبية.

 

لا يتّسم تاريخ الأحزاب الأرمنية بالهدوء الذي يتصوّره البعض. فالانقسام السياسي الأول والأشد بين الأرمن في لبنان تجلّى في أحداث 1958. يومها انقسمت الأحزاب الأرمنية بين فريقَي الصراع اللبناني. فدعم حزب الطاشناق الرئيس كميل شمعون وحلف بغداد، فيما اصطفّ حزبا الهانشاك والرامغفار وراء الجبهة المناهضة، علماً بأنّ هذه الاصطفافات غبر مبررة في عقيدتَي كلّ من الرامغافار والطاشناق. فالأول حزب ليبرالي ديموقراطي تحالف مع اليسار، والثاني، أي اتحاد الثوار الأرمن، ذو عقيدة اشتراكية.

 

اشتركت الأحزاب الأرمنية في هذه الأحداث، مثلها مثل باقي الأحزاب اللبنانية، واستخدمت السلاح، ما أدى إلى حالة خطرة جداً في برج حمود وكورنيش النهر وغيرها من مناطق الوجود الأرمني. ويروي من عايش من الأرمن تلك الفترة، أنّ الهانشاك احتلّ منطقة الكورنيش، حيث يقع مركز الحزب، فيما سيطر الطاشناق على المدخل الغربي المواجه للنهر، والفاصل بين الطرفين كان الجسر الخشبي فوق نهر بيروت. سقط في هذه المواجهات ما يزيد على 300 قتيل أرمني، إضافةً إلى الشرخ الاجتماعي الذي استمرّ طويلاً بين أنصار الحزبين.

 

في تلك المرحلة استشرت في المجتمع الأرمني ظاهرة التصفيات العسكرية والسياسية، ما فاقم الوضع. حتى إنّ البعض يرفع عدد الضحايا الذين سقطوا في المواجهات الأرمنية ـ الأرمنية إلى أكثر من 400 شخص، معظمهم سقطوا نتيجة الاغتيالات، وبعيداً عن الاشتباكات المباشرة.

 

بعد انتهاء هذه الأزمة، ظلّت ذيولها تخيّم على المجتمع الأرمني، كما على سائر «المجتمعات اللبنانية» الأخرى. استخرج الأرمن من هذه الأحداث مجموعة من العبر والدروس، حتى توصّلوا جميعاً إلى رأي واحد يقول إنّ قوة الأرمن تقوم من الدولة اللبنانية، وإنّ أي انقسام داخلي بين اللبنانيين سيرتدّ على الأرمن. فرأوا أنّ من مصلحتهم وجود الاستقرار الأمني والسلم الأهلي.

 

خارج الصراع العسكري

 

توافق الأرمن على هذه الثوابت، ووضعوا المصلحة الأرمنية أولاً، وشددوا على أن خرقها يأتي بمثابة المسّ بأمن المجتمع الأرمني ككل. وفي النصف الأول من الستينيات من القرن الماضي، قرروا جميعاً عدم الذوبان في الجبهات والتحالفات السياسية، بل الوقوف إلى جانب الدولة، أي رئيس الجمهورية بغضّ النظر عن هويّته.

 

خرجت هذه الخلاصات في عام 1965، بعد اجتماعات ولقاءات مشتركة بين رؤساء الأحزاب الأرمنية. وظلّت هذه العقيدة، التي تقضي بتحييد الأرمن ومجتمعهم عن الصراعات السياسية اللبنانيّة، حتى السبعينيات وتكرّست في مرحلة الحرب الأهلية، إذ بقي الأرمن اللبنانيّون خارج الصراع العسكري الذي يدور من حولهم. إلا أنّ هذا الحياد «الإيجابي» الذي تبنّاه الأرمن، لم يمنع عدداً من القوى من التعرّض لهم سعياً للاستفادة من مناطقهم وأبنائهم. آخر هذه المحاولات جاءت من حزب الكتائب، ومن ثم القوات اللبنانية. رفض الأرمن دخول الحرب وإدخال أي طرف عسكري إلى مناطقهم، فكانت اشتباكات مع العديد من القوى «الغريبة» لإبعادها. وقعت بحق المدنيين الأرمن مجموعة من المجازر على يد مجموعات «اليمين»، كانت أبرزها في مناطق أنطلياس والزلقا. فبرز مرة جديدة مشروع القوى المسيحية حينها ـ يقول أحد المتابعين الأرمن ـ الذي حاول جرّ الأرمن إلى جبهتها على اعتبار أنهم مسيحيون. رفض الأرمن تلك الأفكار، منطلقين من مفهوم وحدة لبنان، فاضطروا إلى الوقوف بوجه مشروع التقسيم والكانتونات الذي طرحته أحزاب الشرقية. أدى بهم الأمر إلى استخدام السلاح مرة جديدة، لكن بوجه أطراف غير أرمنية، للمحافظة على حياد مناطقهم، فسقط لهم ما يزيد على خمسين قتيلاً في اشتباكات المواجهات مع الكتائب والقوات.

 

انتهت الحرب وبقي الأرمن في موقعهم. ومع انتهاء الحرب الأهلية، كان حزب الطاشناق قد كرّس قوّته. إلا أنّ دخول الرئيس رفيق الحريري بعد عام 1994 على الخط الأرمني، أعاد خلط الواقع الأرمني. وانقسم الأرمن مجدداً، إذ رأى الطاشناق أنّ موقعه هو إلى جانب الرئاسة الأولى بما تمثّله، فيما رأى الهانشاك والرامغفار أنّ الرئيس الحريري هو الدولة ومشروع بنائها، إضافةً إلى الاهتمام والحيثية اللذين وفّرهما الحريري لهذين الحزبين.

 

استمرّ الخلاف بين الأحزاب الأرمنية على هذا النحو، إلى أن تفجّر تباعاً بعد دورات الانتخابات النيابية، إذ ظلّ الطاشناق يواجه الحريري ويدافع عن كتلة النواب الأرمن، فيما الحريري يواصل دعمه للحزبين الأرمنيين ويوصل ممثلين لهما إلى مجلس النواب. وصل الأرمن إلى الشرخ الحقيقي، بعد عام 2000، وهو انقسام أقسى من ذاك الذي ساد الساحة الأرمنية في أحداث 1958، وإن كان الصراع الحالي بعيداً عن السلاح. وترجم هذا الانقسام بجدية عقب إعلان نتائج الانتخابات الفرعية في المتن عام 2007. يومها صعد في فريق 14 آذار من قال إنّ الأرمن غير لبنانيين. لم يأت احتجاج الحزبين الأرمنيين في فريق الأكثرية جدياً، ولم يحتجّا على الصفات التي أطلقت بحق الأرمن، بغضّ النظر عن الانتماءات السياسية للأرمن.

 

مذّاك، يقول أحد المطّلعين على أجواء الساحة الأرمنية إنّ إمكان التوصل إلى مصالحة بين الأحزاب الثلاثة أمر مستحيل، «حتى لو تتابع عقد اللقاءات الدورية بين هذه القوى».

 

نصف علمانيين

 

طوال السنوات والمراحل، يمكن القول إنّ الصراع بين الأحزاب الأرمنية هو على من يسيطر على الأندية والجمعيات الأرمنية التي تحيط بالكنائس. والصراع على هذه الجمعيات كان واضحاً في علاقة الأحزاب في ما بينها. واللافت أنّ هذه النوادي والسلطة الدينية قبل أحداث 1958 كانت إلى جانب الهانشاك والرامغفار اللذين كانا يسيطران على معظم التجمّعات الأرمنية. إلا أنّ حزب الطاشناق استطاع كسر هذه السيطرة، وعمل تباعاً على إثبات قوّته، ما خوّله اليوم السيطرة على هذا الهامش الأرمني.

 

هذه الخلافات بعيدة اليوم عن مواقف رجال الدين للمذاهب الأرمنية. ويشير المطّلعون على الوضع الأرمني، إلى أنّ السلطة السياسية لرجال الدين الأرمن تكاد تنعدم، وأنّ موقفهم السياسي الوحيد يأتي في تأكيد وحدة الصف الأرمني وإبعاد الانقسام عن الطائفة. ويتحدث كثيرون من الأرمن، من مختلف الطوائف والانتماءات الحزبية، عن التعاون الجدي بين الكنائس الأرمنية في سبيل تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

 

حتى إنّ هناك مواطنين أرمن يعملون في إدارات أو مؤسسات لطائفة معيّنة، وهم ليسوا منها، ما يشير إلى انفتاح بعض الطوائف الأرمنية على بعضها وتعاونها في سبيل مصلحة الأرمن.

 

ويربط بعض المتابعين الجديين ابتعاد رجال الدين الأرمن عن السياسة، بواقع الكنائس في أرمينيا، حيث إنّ في البلد الأصلي لا سلطة دينية فعلية تتدخّل في السياسة، نظراً إلى الإرث الشيوعي الذي خلّفه الوجود السوفياتي في يريفان. فالعلاقة ممتازة بين الكنائس الأرمنية، بما للأرمن من خصوصية في المحاظفة على وجودهم. ويؤرّخ عدد من الباحثين في الشأن الأرمني أنه قبل المجازر بحقّ الشعب الأمني كان لرجال الدين الأرمن «سلطات جدية»، ما يدفع العديد من الباحثين إلى وصف الأرمن بأنهم باتوا «نصف علمانيين.»

 

يمكن استثناء عدد قليل من رجال الإكليروس الأرمني من هذه القاعدة، ولعلّ أوّل هؤلاء المستثنَين هو بطريرك الأرمن الكاثوليك، نرسيس بيدروس التاسع عشر طرموني. يضع المتابعون للشأن الأرمني مجموعة كبيرة من الملاحظات على أداء طرموني، لكونه ينجرّ وراء السياسة. ويذكر هؤلاء أنّ مجموعة من المسؤولين الأرمن طالبت طرموني، عقب التصريحات العنصرية بحق الشعب الأرمني التي أطلقها بعض الساسة اللبنانيين، بالردّ وإطلاق موقف واضح في الدفاع عن الأرمن، إلا أنّ جواب طرموني، بحسب هؤلاء، كان: «يجب مشاورة النائب سيرج طورسركسيان قبل ذلك». إضافة إلى هذا الموقف، ثمة من يرى أنّ طرموني ذهب أبعد من ذلك، في ما يخص السياسة، فهو «يقف إلى جانب حزب أرمني معيّن.»

 

ورغم هذا الأداء، لا يرغب كثيرون من المطّلعين على الأوضاع الأرمنية الحديث بسلبية عن أحد ممثلي الطوائف الأرمنية، فيحرصون على تلطيف عباراتهم بمخرج طوارئ هو: «يُقال ذلك» أو «نسمع هذا الحديث»، من دون أن يعلّقوا أو يضيفوا شيئاً. هذا الأمر هو إشارة إضافية إلى وحدة الصف الأرمني، ولو أنّ الخلاف السياسي والصراع الداخلي على أشدّه بين الأحزاب الأرمنية. وثمة من يقول إنّ أبناء الطوائف الأرمنية تحوّلوا إلى شعب أو أمة، واستطاعوا الخروج من الطائفة، على عكس باقي المجتمعات اللبنانية.

 

الصورة: اعتصام للأرمن في ساحة الشهداء (أرشيف ــ مروان طحطح)

 

المصدر: "الأخبار"، بيروت، 22 آب / أغسطس 2009

http://al-akhbar.com/ar/node/153031

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1753

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web