ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: موضوعات علمية
نحن والنانوتكنولوجي

2003-09-18 23:18:28

كيراكوس قيومجيانبقلم كيراكوس قيومجيان

الكويت

 

شرد ذهني فجأة وأخذني للوراء وذكرني بمواضيع كانت قد شغلت بالي بالماضي كثيراً وطالما كنت تمنيت أن أكتب عنها فى حينه. حصل هذا عند قراءتي مقالاً للدكتور أحمد أبو زيد بعنوان الثورة التكنولوجية الجديدة فى باب مستقبليات فى مجلة العربي عدد أغسطس 2003.

 

يذكر الدكتور فى مقالته "العلماء فى الغرب واليابان منشغلون بعلم جديد يعرف باسم النانوتكنولوجي، أي تكنولوجيا الأشياء الدقيقة والصغيرة للغاية وتعني بلغة المقاييس جزء من البليون (وليس المليون) من المتر، وأنه سوف يتم استخدام تلك التكنولوجيا فى مجالات عديدة منها أنه في عهد قريب جداً (وهنا شرد ذهني) سوف يمكن زرع نوع من الرقائق النانوية (نسبة إلى كلمة نانو أي القزم باللغة اللاتينية) في اللحاء المخي لدى الأطفال بحيث يصبح الدماغ محملاً بمختلف أنواع المعلومات التى سوف يحتاج إليها الطفل فى سنوات الدراسة، وأن ذلك سوف يؤدي إلى تغيير طبيعة العملية التعليمية بحيث تقتصر على تفسير المعلومات المخزونة فى عقل الطفل بدلاً من الانشغال بحفظ واستيعاب تلك المعلومات، كما هو حادث الان" انتهى الإقتباس. بكلمة أخرى سيتم التدخل فى حكمة الخالق وتزويد أياً كان بالذكاء والقدرات العقلية التي لم يشأ الخالق أن يمنحه إياها أصلاً، أي أنه اختراع قد يغير من طبيعة البشر.

 

وبدأت أفكر كيف سيستقبل عالمنا نحن هذا الإختراع. واسترجعت الأمثلة المشابهة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها لعدة أشهر أو سنوات، وتصورت الجدل الواسع الذي سيسببه هذا الموضوع بين رجال الدين بين بعضهم من جهة، وبينهم وبين العلماء من جهة أخري. تصورت الاتهامات التي سوف يطلقها بعضهم على الغرب متهمين إياهم بالكفر المبين والتدخل فى مشيئة الخالق وتوجيه عقل الطفل وخاصة أطفال العرب والمسلمين بغير ما أراد الله لهم وأن هذه التكنولوجيا اخترعت أصلاً لغايات خبيثة موجهة لنا لأسباب دينية أو لغايات إفساد عاداتنا وتقاليدنا.

 

لم يكن سبب تخيلاتي تلك مجرد شطحة خيال فى ليلة صيف بل قفزة بالإستنتاج واستباق الأحداث تستند على ما شاهدته أو قرأته فى الأربعين سنة الماضية منذ وعى عقلي على الأحداث من حولى. من هذه الأحداث على سبيل المثال وليس الحصر - وأذكرها عشوائياً - نزول الإنسان على سطح القمر وما صاحب ذلك الحدث من استنكار واتهامات أعجبها تدنيس الأمريكان أحدي محرمات الخليقة، ناهيك عن الاتهامات حول إخلال نظام الكون وأن ذلك فاتحة لكوارث قادمة من غضب الله  ثم جاء الجدل حول  أطفال الأنابيب. حيث لم يمض بعد وقت طويل عن اليوم الذي عايشنا  فيه السجالات الطويلة الحامية التى جرت حول ولادة لويزا براون طفلة الأنابيب الأولى، وعن وجوب أو عدم وجوب استخدام أسلوب تلقيح البويضات خارج الرحم.

 

كما أننا سمعنا من آباءنا وأجدادنا عن اللعنات التي صبوها على من اخترع الجهاز الشيطاني المسمى بالمذياع، وكم من فتاوى التحريم التي صدرت بخصوص من يستخدمه أو حتى من يستمع إليه، ولم يكن حظ التلفزيون أقل من المذياع ولم يكن نصيبه من المسبات أقل نظراً لما يتسبب به من إفساد للأجيال الصاعدة وتسفيه للأخلاق والقيم الإجتماعية.

 

لن أطيل عليكم بسرد النماذج عن الحالات المشابهة ولكن سأستذكر بشكل عابر بعض المواضيع التى قوبلت بالكثير من التهويل ومنها مثلاً: نقل وزراعة الأعضاء، الإستنساخ، الإنترنت، الفياجرا، الهندسة الوراثية، الخ. ومن الأمثلة الإجتماعية ما يتعلق  باللباس الغربي للرجال والنساء وتعليم البنات والتعليم المختلط و الديمقراطية كنظام حكم وهناك مئات الأمثلة التي أوجدت ظروفاً متشنجة بين الفرقاء المعارضين والمؤيدين لتلك المستجدات.

 

إن ما يدعو المراقب الفطن وما يخرج به من استنتاج أننا هنا في العالم الثالث لم نستطع بأي حال منع أي من الإختراعات التى أتت من الغرب أو الشرق، ولم نفلح في تعديل البعض منها بما يتناسب جوهرياً مع ما أسميناه قيمنا الأصلية. لقد أقمنا ندوات وإجتماعات حضرها مئات العلماء والمتخصصين لبحث مختلف التطورات العلمية ومدى صلاحيتها لمجتمعاتنا، وحتى تلك الإختراعات التي استنكرناها ورفضناها سرعان ما أخذت مكانها بيننا بعد أقل من 20 سنة فى أكثر الأحوال، وكل ما فعلناه أننا أجلنا عملية تسخير التكنولوجيا ومنجزاتها وما يتمحض عن العلوم السياسية والاجتماعية لمدد متفاوتة بالطول ولكننا في نهاية المطاف رضخنا لها رضوخ الحملان.

 

إن أحفاد من عارضوا فكرة وجود المذياع في بيوتهم لديهم الآن أكثر الأجهزة تطوراً وأغلاها ثمناً وهذا ينطبق على التليفزيون.

 

إن أبناء الذين ظهروا فى الندوات أو على شاشات التليفزيون وعارضوا معارضة مستميتة جواز استخدام الأنابيب للحصول على ذرية تضمن له استمرار النسل اضطروا لاحقاً للإستعانة بالاختصاصين فى ميدان التلقيح الاصطناعي وتوفقوا (افلحوا) بالانجاب، حينذاك فقط رفعوا أياديهم إلى السماء شاكرين الرب لخلقه علماء استطاعوا بفضل هذا الابتكار تأمين الاستمرار لنسلهم وذريتهم لأسباب أغلبها محض شخصية.

 

جميع من عارضوا الإنترنت (أقول الجميع وليس البعض) يستخدمونه اليوم على الأقل لترويج ضرورة محاربة الإنترنت نفسه وفى الوقت ذاته يستخدمونه استخدامات لا يعرفها الا الله.

 

وخلاصة القول أننا ننظر دائماً إلى تلك الإختراعات بعين الريبة والشك في أولها ودون وجهها المشرق وبهذا نبدد فرصة أن نكون السباقين للإستفادة من تلك الاختراعات وتسخيرها لنهضة شعوبنا المتخلفة. إننا برغم عدم مساهمتنا ودعمنا ولو بقدر قليل فى إيجاد تلك الاكتشافات ترانا نعوق عملية نقل التكنولوجيا لشعوبنا بحجج وادعاءات بعيدة كل البعد عن منطق التطور والواقعية.

 

وبدلاً من ن أن نكون المبادرين السباقين لاحتضان أي من الاكتشافات الواعدة وإثرائها ببعض عناصر التفوق المحلية لنا، وبدلاً من سن التشريعات المشجعة للابداع والابتكارات نطفش علماءنا. وبدل أن نرصد مخصصات سخية لارسال بعثات لاصطياد المكتشفات المفيدة ولو بالصين تجدنا آخر المهتمين وأقل الشعوب استعجالاً.

 

إننا يجب أن نتعلم من دروس التاريخ وتطور الأحداث البعيد والقريب بأن أي مقاومة لابتكار جديد لن تجدى بأي حال من الأحوال في حجبه عن مجتمعاتنا. المطلوب منا ليس الرفض الأعمى لهذا المبتكر أو ذاك تحت ذرائع شتى بل الإستعداد له أحسن استعداد للإستفادة منه أشد الاستفادة وبما يتناسب مع متطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية لبلداننا، وإذا شئت بأقل الأضرار على معتقداتنا ومفاهيمنا (بعضها وهمية). نحن لا نستطيع الاستمتاع بأي تطور أو ازدهار بدون قبول قاعدة تغيير لبعض ما في أنفسنا وما نشأنا عليه وهناك أقوال وآيات صريحة فى الأديان تؤكد هذه الحقيقة، فلماذا الإنكار إذا؟ إنك لم تحصل فى الماضي ولن تحصل فى المستقبل على أي مكاسب حضارية، ولا على أي مقومات التمدن الحقيقية بدون التضحية ببعض النفائس لديك ... إنها سنة الحياة ... واظن إن الوقت قد حان لاستيعابها.

 

جريدة "القبس"، الكويت، 18 سبتمبر 2003

نشر هذا المقال أيضاً في جريدة "النهار" الصادرة في بيروت، عدد 5 نوفمبر 2003

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1946

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web