ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: أحياء سكنية
هذه بيروت التي انقضت... وهذه أسواقها مستقبلة الغرباء من حلب الى أرمينيا

2009-11-13 23:01:49

سوق سرسق في بيروتبقلم أسامة العارف

 

للصديق جوزيف طراب نص ممتع عن الوسط التجاري في بيروت قبل الحرب الأهلية اللبنانية، كتبه في عز هذه الحرب حين أصبح هذا الوسط يباباً. وكانت قراءة هذا المقال تترافق أحياناً مع أصوات القذائف المترنحة بين المناطق. ففي هذا الوسط التجاري وصف المقال كيف تعايش التجار والحرفيون المسلمون والمسيحيون واليهود اللبنانيون منهم والسوريون مع الأرمن والأكراد وذوي الأصول اليونانية والبولونية والروس البيض. فكأنك كنت في برج بابل تجد التجار يتنافسون في ما بينهم لكنهم كانوا يتعايشون معاً بمحبة. وكنت تسمع في الأسواق مختلف اللغات من عربية وفرنسية وإنكليزية وكردية وتركية وأرمنية وروسية. وكنت أعجب لبعض تجار سوق سرسق الذين كانوا يتقنون التحدث باللغة الروسية ويرحبون بزبائنهم من البحارة الروس الذين كانوا يأتون إلى لبنان بين وقت وآخر. وكنت أعجب كيف أمكنهم إتقان هذه اللغة في حين أن مدارس تعليم اللغة الروسية لم تكن قد ظهرت بعد في لبنان.

 

وحين كان يؤوب هؤلاء التجار من الوسط التجاري إلى مناطقهم، كنت تجد أن صلاتهم الاجتماعية تنقطع فجأة. فالاندماج والتعايش بينهم يتم في معرض العمل فقط في هذا الوسط التجاري، وكأن سلوكهم يحدده مكان وجودهم.

 

كان التاجر في الوسط التجاري لبيروت يتعامل مع غيره من التجار في منطقة الأسواق بود لا يحجبه التنافس، لكن هذا الود كان محصوراً في إطار العمل ولا ينتقل الى خارج الوسط التجاري. وكأن المكان الذي يجمعهم هو الذي فرض عليهم حميمية استثنائية تبدأ بهذا الوسط وتنتهي فيه من دون أن تمتد إلى خارجه. وفي أماكنهم السكنية كان تجار الوسط يقيمون علاقات اجتماعية داخل أماكن وجودهم السكني، وإذا امتدت هذه العلاقات خارج هذه الأماكن أقاموا العلاقات مع أبناء مللهم، فالسني مع السني والأرمني مع الأرمني والأرثوذكسي مع الأرثوذكسي وإذا اتسع أفق هذا الأخير أمكنه أن يقيم علاقات اجتماعية مع الماروني.

 

كان التجار المسلمون السنة يأتون إلى الوسط التجاري من مناطق المزرعة والمصيطبة وطريق الجديدة والبسطة والزيدانية، أما التجار المسيحيون وكانوا في غالبيتهم من الأرثوذكس والكاثوليك، فكانوا يأتون من منطقة الأشرفية، فيما الأرمن يأتون من منطقتين اثنتين الأولى منطقة زقاق البلاط، وكان يبدو على أبناء هذه الفئة أنها أكثر غنى ورقياً من الآخرين الذين يأتون من منطقة برج حمود وسفوح جبل الأشرفية الغربي مثل منطقة البدوي واتشناق. أما اليهود فكانوا يأتون من منطقتين متقاربتين هما «وادي أبو جميل» وامتداداته لجهة منطقة الزيتونة في المكان الذي يقع فيه الآن مركز ستاركو.

 

بالنسبة إليّ كنت على ارتباط بالوسط التجاري منذ طفولتي، فوالدي كان حريصاً على أن أقضي يوم الجمعة من كل أسبوع (وهو يوم عطلة مدرستي) إما في مكتبه الذي كان في بداية الأمر في شارع المعرض، تجاه الجامع الكبير، بناية القصار قبل انتقاله عام 1956 إلى ساحة المعرض وقف الروم الأرثوذكس، وإما إذا أعفاني والدي من النزول معه إلى مكتبه فأن أمي كانت ترسلني إلى أحد خالين لي الأول كان يعمل قاطع تذاكر في سينما شهرزاد والثاني كان تاجراً في سوق الأرمن الكائن على مقربة من سوق سرسق وسوق الخضار وسوق اللحامين.

 

كانت عينا الطفل الصغير الذي هو أنا ترقب بدقة أحوال الوسط التجاري. كان سهلاً علي أن ألحظ أن مهنة بائعي الخضار والفواكه تكاد تنحصر بالمسلمين السنة، في حين أن قطاع الثياب المستعملة كان حكراً على الشيعة. حتى أن ذاكرة الفتى لا تفوتها حتى الآن منظر أحدهم ممن لم يكن يملك محلاً تجارياً، كان يحمل طقماً مستعملاً ويعرض بيعه بأرخص الأسعار لكن بالمزاد العلني الذي يجريه بين عدة مشترين إذ لم يكن يقبل أن تباع بضائعه بالطرق العادية. بالإضافة إلى تلك المهنة اشتهر الشيعة في الوسط التجاري خصوصاً شيعة الجنوب بتجارة الكتب جديدها وقديمها، وكانت غالبية هؤلاء تتخذ محلات وبسطات لها في بناية اللعازارية وعند آخر شارع خندق الغميق قرب مسرح وسينما تياترو الكبير. وكثيراً ما كنت تشاهد في هذه المحلات رجال دين شيعة يباركون هذه المحلات وأصحابها.

 

كانت الفرحة الكبرى لأصحاب المكتبات والبسطات من أهالي جبل عامل في شهر تشرين الأول من كل سنة، إذ كانت تتوافد عليهم الآلاف المؤلفة من الطلاب الذين يريدون بيع كتبهم التي انتهوا منها، ليشتروا بثمنها كتباً مستعملة للسنة الدراسية المقبلة. فكانت هذه السوق التي سميت بسوق اللعازارية مكاناً رائجاً لهذه التجارة وسوقاً للمقايضة أيضاً، ذلك أن بعض الطلاب كان يعرض كتبه على سبيل المقايضة مع كتب أخرى. ويذكر أن عائلات معينة امتهنت تجارة الكتب العربية الجديدة منها والمستعملة وأبرزها عائلات الزين ومغنية وعاصي.

 

كذلك كان في الوسط التجاري تجار صغار من الشيعة كانوا يمتهنون بيع الألبسة القطنية بالمفرق على بسطات غير ثابتة يحملونها دوماً ويضعونها في منتصف الطريق، إلى أن يسمعوا صفارة بوليس البلدية الذي يصادر البسطات الموضوعة في هذه المواقع، فيهرع هؤلاء إلى المحلات التي يملكها أرمن، ليخبئوا لديهم بسطاتهم إلى حين عبور رجال الشرطة السوق، فيعودوا حاملين بسطاتهم إلى منتصف الطريق مع بسمات من أصحاب المحلات الأرمن الذين اختبأوا لديهم والذين كانوا يسرون من تحولهم من نازحين إلى حماة.

 

تجارة الثياب الداخلية، خصوصاً القطنية، كانت من اختصاص السوريين الذين قدموا إلى لبنان بعد الاستقلال، علهم يجدون فيه سوقاً أكثر انفتاحاً من السوق السورية، وإن كان أصغر حجماً. واعتقد أن التجار السوريين الذين امتلكوا في شكل كلي سوق الثياب الداخلية القطنية كانوا من دمشق والإسكندرون. أما تجار الجوخ والأقمشة العادية فكانوا في غالبيتهم من دمشق وحلب. وقد تمركز هؤلاء الأخيرين في شارع فوش، وهم من آل الحلبي والدبس والحكيم في حين تمركز تجار الثياب القطنية من آل الدرخباني والحفار ومخباط في سوق سرسق.

 

بسطات وحرفيون

 

في سوق الأرمن حيث كان يملك خالي المرحوم خضر بليق بسطة ثابتة للثياب الداخلية النسائية والرجالية كان أكثر التجار من بائعي الأحذية الأرمن. وكان يوجد بالقرب من محلات الأحذية بسطات للحرفيين الأرمن من الإسكافيين. ففي ذلك الوقت كانت أحوال الناس ضيقة، وكان الحذاء يعيش مع صاحبه لسنوات، حيث يعمل فيه تصليحاً وترقيعاً لدى «الكندرجي الأرمني» في سوق الأرمن. وكانت هذه المهنة رائجة على رغم تعارضها مع تجارة الأحذية التي يفترض بأصحابها أن يروّجوا لمبيعات الأحذية الجديدة وأن لا يشجعوا على إصلاح الأحذية القديمة. لكن المهنتان تعايشتا بصمت، ولولا أن تجار الأحذية ومصلحيها هم جميعاً من الأرمن، لكان يمكن أن تقع الخلافات، لكن هويتهم الواحدة وهجرتهم القريبة جعلهما متعاطفين.

 

اليهود من التجار امتهنوا في الوسط التجاري مهناً عدة، أهمها بيع النوفوتيه بالجملة، وهذا كان يجعلهم غير مضطرين لفتح محلات تجارية في الطوابق الأرضية من السوق التجاري، فكانت محلاتهم تقع في الطوابق العليا من مباني هذه السوق. أما المهنة الثانية التي امتهنها اليهود فهي بيع الأدوات المنزلية والزجاجية بالمفرق. وقد امتهن هذه المهنة أيضاً بعض أهالي بيروت من السنة، مثل عائلة النصولي الشهيرة وغيرها. وأعتقد أن غالبية محلات الأدوات المنزلية والزجاجية كانت تقع خلف مبنى بلدية بيروت. وأذكر أن خالي المرحوم خضر بليق أشار إلى محل مواجه لبسطته ليقول لي أن صاحبه يهودي. وكان يعمل لدى هذا التاجر اليهودي عاملاً يلبس «قمبازاً»، فكنت طيلة سنوات اختلافي إلى محل خالي أظن أن العامل لابس القمباز هو اليهودي ورب العمل هو الموظف، إلى أن شاهدت هذا العامل بعد سنوات طويلة يعمل مؤذناً في الجامع الموجود في قريطم.

 

الأكراد الموجودون في السوق كانوا فقراء يعملون في حمل الخضار والفواكه للمتسوقين. وكان كل واحد من هؤلاء يكتري حمالاً يضع على ظهره سلاً من القصب يرافقه أثناء تسوقه ليشتري ويحمّل مشترياته في هذا السل الذي كان صاحبه ينوء بحمله ساعات وساعات، وذلك مقابل دريهمات لا تقيه من جوع. فيوصل حمولة السل إلى موقف السيارات.

 

وعلى رغم العداء الشديد بين الأرمن والأكراد بحكم الدور الذي لعبه هؤلاء الأخيرين في تهجير الأرمن من الأناضول بتشجيع من الأتراك عامي 1915 و1922 قبل أن تدور الدائرة عليهم عام 1926، إلا أنه لم يكن يظهر بينهم أية إمارات ضغينة، وإن كنت ألحظ تجاهل الأرمن لهؤلاء الأكراد.

 

خلف كنيسة مار جرجس المارونية كان ثمة سوق للسكاكر معظم تجاره من الصناعيين والتجار السوريين القادمين من دمشق. كان هؤلاء يتخذون من الدرج الممتد من جنب الكنيسة إلى سوق أبو النصر نزولاً مركزاً لهم، إلا أن هذا القطاع لم يكن فقط حكراً على هؤلاء السوريين إذ أن ثمة لبنانيين نافسوهم في هذا المجال، خصوصاً عائلة علم الدين اللبنانية.

 

وفي هذه المنطقة وبالذات في سوق أبو النصر كان ثمة مصنعان صغيران لصناعة الحلويات وتجارتها عائدان لعائلتيّ غندور وجبر. وقد تخصصت هاتان العائلتان بصناعة الحلاوة إضافة إلى بعض السكاكر من الملبس والشوكولا، وبقيتا على تخصصهما في هذا المجال لفترة طويلة، ولا تزال إحداهما عائلة «غندور» حاضرة في هذا القطاع بعد أن تطورت من الصناعة بمرحلتها الحرفية إلى صناعة كبرى.

 

في درج خان البيض الموازي لسوق السكاكر كان ثمة سوق للقباقيب مما يتم صنعه في محلات العرض، وكان هذا السوق حكراً على صانعيه من أهالي الشام.

 

قرب سوق الخضار كان سوق الذهب وكان سوقاً مقفلاً ومؤلفاً من مجموعة بنايات. لم تكن المحلات فيه منتشرة في الطوابق الأرضية فقط بل شملت الطوابق العليا أيضاً. وكانت الغالبية الساحقة من الصاغة من الأرمن واليهود والروم الارثوذكس القادمين من فلسطين وأرثوذكس بيروت، وإذا كان ثمة عرب فهم من أهالي دمشق الذين فضلوا سوق لبنان المنفتح على سوق سورية المحافظ. وكان للسوق المذكور رهبة ملحوظة، فهو أشبه بالكنيسة، يفتح في ساعات الصباح ويقفل ظهراً ليعود ويفتح من بعد الظهر حتى مغيب الشمس. ولم أكن أشعر أنا الطفل الصغير حين أتمشى بداخله بخوف من أصحاب المحلات من السرقة، فالدنيا كانت آمنة بالنسبة لهم، ونادراً ما وقعت حوادث سرقة، فكأن اللصوص كانوا يشعرون برهبة الذهب ويخشون ملمسه.

 

شارع المصارف لم يكن قد نشأ بعد وكانت الساحة المواجهة لمركز البريد الحالي في الشارع المذكور عبارة عن درج عريض يصل إلى العدلية القديمة تقريباً حيث يوجد الآن مبنى مجلس الإنماء والأعمار. وقد أقيم على جانبي الدرج المذكور حيث الحمامات الرومانية الآن محلات لمنجّدي أسرّة النوم واللحف والمخدات. وكانت غالبية أصحاب هؤلاء المحلات من حرفيّي الشام وحمص. ويذكر أن أصحاب هذه المهنة لم يكتفوا بانتظار الزبائن في محلاتهم فقط إذ كان قسم منهم يمسك عدته المكونة من عصا خشبية ملتوية يزيد طولها على متر ونصف يربط طرفاها بسلك معدني مزدوج ويجول في الأسواق.

 

وكثيراً ما كان المنجد الشامي يجلس على الأرض أمام بيت صاحب الفرش، فيعمل طيلة النهار لتنجيد كامل أسِرة البيت.

 

وقد أبلغتني زوجة خال لي من عائلة القباني أن مكان سكنهم في طفولتها كان في شارع المصارف الآن الذي كان حياً سكنياً تسكنه العائلات البيروتية السنية قبل أن يخرج هؤلاء خارج السور ليقيموا في البسطة والمصيطبة والمزرعة وطريق الجديدة.

 

سوقا الخضار واللحامين كانا شبه حكر على سنة بيروت الذين تعود أصولهم الى حلب التي كانوا يعملون فيها بتربية الماشية. وكان ثمة ثلاث نقابات لهذه المهن الأولى للّحامين وكانت رئاسة النقابة معقودة اللواء للمرحوم عبد الرحمن بكداش العدو والد الصديق كمال بكداش، ونقابة بائعي الخضار بالجملة التي كانت معقودة اللواء للسيد يوسف دوغان والد المحامي المرحوم عبد الرزاق دوغان. أما نقابة بائعي الخضار بالمفرق فكانت رئاسة النقابة فيها معقودة اللواء للمرحوم عثمان المعبي والد الصديق محمد المعبي. وكان هؤلاء الثلاثة يلتقون يومياً، وكانوا على صلة قوية بزعماء بيروتيين، لكن أقربهم إلى قلوبهم كان الرئيس صائب سلام والدكتور محمد خالد، الأول للشؤون السياسية والثاني للخدمات الاجتماعية. وكان المرحوم صائب سلام يمسك بمفتاح بيروت السياسي عبر هذه النقابات الثلاث. وكان يهدد القوى المتخاصمة معه بهم، فإذا اضطر للمجابهة مع خصومه المشار إليهم أعلن الإضراب وأقفلت أسواق اللحامين والخضار.

 

في شارع الأمير بشير قرب كنيسة مار جرجس كان ثمة معلم كبير هو مكتبة أنطوان العائدة لآل نوفل من أرثوذكس طرابلس أو الميناء. وكانت مكتبتهم زاخرة بما تيسر من المؤلفات والمجلات الفرنسية. وكان للعائلة المذكورة فرع آخر لمكتبتهم يقع في منطقة باب إدريس قرب مكتبة صرافيان للقرطاسية باتجاه مطعم «مسعود» ومقهى «طانيوس» الشهيرين اللذين كان يتنقل بينهما أحد كبار مثقفي ذلك الزمن المحامي والناقد فكتور حكيم.

 

وفي منطقة باب إدريس قرب محل ABC الشهير خياط للثياب الرجالية من عائلة حلبليان، وكذلك كان يقع مركز بنك أنترا ومحلات «باتيسري سويس»، ومحل نظارات «أوبتيكا» العائد للسيد الفونس بشير، وكذلك البنك البريطاني للشرق الأوسط. وهذا الأخير تمت سرقته عبر الجدران الخلفية انطلاقاً من كنيسة الفرنسيسكان خلال سنة 1976، فكانت إحدى أهم سرقات العصر، لأن كبار تجار المجوهرات الموجودين في منطقة باب إدريس كانوا يودعون بضائعهم في صناديق حديدية في هذا المصرف يستأجرونها لتخزينها ليلاً بدل تركها في محلاتهم.

 

أما سوق الطويلة القريب من باب إدريس الذي اشتهر بأزيائه النسائية الفاخرة فغالبية تجاره من أهالي بيروت الكاثوليك والأرثوذكس. وكان سوق أياس الموازي لسوق الطويلة المذكور يحوي مجموعات من تجار الألبسة الداخلية وغالبيتهم من أهالي بيروت السنة مثل آل حطب ونقاش ومن أهالي الشام كآل أياس.

 

تجاه سوق أياس لجهة الجنوب وخلف جامع الأمير منذر كان ثمة ساحة متوسطة تدعى سوق البازركان. كان أهم محلاتها عائدة لتجار أرمن. وأذكر أن والدتي كانت تختار هذا السوق لتشتري لي ولأخوتي حين كنا صغاراً ثياباً من إحدى هذه المحلات المملوكة من أرمني وكان اسم المحل المذكور «شيك ب.ب». وبقربه كان يقع محل لبيع القمصان لأحد التجار الأرمن ويدعى «واهان». ووسط محلات الثياب هذه في ساحة سوق البازركان كان ثمة مطعماً عائداً لعائلة دندن البيروتية، اشتهر بتقديم الفول والحمص والفتة وبعض المأكولات الأخرى.

 

أما الحلويات العربية فقد كانت من اختصاص سنّة بيروت من عائلات البحصلي والصمدي والوزي ورمضان والقاروط. وكانت محلات هؤلاء تقع في ساحة الشهداء وشارع الأمير بشير وشارع المعرض وسوق الخضار. وأذكر أن ثمة محلاً لبيع الحلويات العربية في بناية اللعازارية أصحابه من آل حداد من سنّة بيروت. ومع أن هذا المحل لم يكن من أهم محلات الحلويات العربية إلا أنه كان يعمل بنجاح، والسبب في ذلك الاعتقاد الخاطئ لأهالي بيروت من المسيحيين بأن أصحاب المحل المذكور هم من عائلة حداد المسيحية، فكانوا يفضلون الشراء منهم.

 

تجار الطحين

 

خلف بناية اللعازارية كانت تقع محلات تجار الطحين. وكان أغلب أصحاب هذه المحلات من العائلات السورية القاطنة في بيروت من الذين ارتبطت أسماؤهم بصناعة الطحين فانتقلوا بين هاتين المهنتين.

 

وفي الوسط التجاري لبيروت أفران عدة غالبية أصحابها من السوريين من أهل الشام باستثناء فرن واحد كان يقع في شارع المعرض كان يملكه شخص من مدينة الغازية في جنوب لبنان من عائلة غدار المعروفة، وكان يدعى فرن النجمة.

 

قرب سينما شهرزاد وسينما دنيا كانت ثمة سوق للأدوات الكهربائية لم استطع معرفة طائفة أصحاب محلاتها باستثناء أشهر هذه المحلات، إذ كان يعود لعائلة «قواص» البيروتية، ويقال أنهم من أصول سعودية. وأظن أن أصحاب هذه المحلات كانوا موزعين بين مختلف الطوائف اللبنانية، فكانت كل طائفة تختار مطلوبها من تجار ينتمون إلى طوائفهم.

 

تبقى الإشارة إلى دور السينما فأصحاب غالبية هذه الدور التي كانت تعرض الأفلام السينمائية الأميركية والفرنسية والإيطالية والروسية والهندية والأرمنية كانوا من العائلات المسيحية، باستثناء صالة «ريفولي» التي كانت مملوكة لعائلة الآغا من سنة الشمال، وكذلك صالة «كريستال» التي كانت مملوكة من عائلة كريدية البيروتية التي كانت تملك أيضاً «مسرح فاروق» الشهير وكذلك كانت صالة سينما فاميليا التي تغّير اسمها إلى سينما «فينوس» بإدارة عائلة منيمنة البيروتية. أما بالنسبة لصالة سينما «كريستال» فأن أهلنا كانوا يحذروننا من ارتيادها لأن روادها ليسوا من المعروفين بأخلاقهم الرفيعة، بل هم من سقط الرجال والفتيان. وقد قرأت يوماً أن نجيب محفوظ استقى روايته «اللص والكلاب» من حادثة حقيقية لأحد المصريين ممن ترعرعوا في فترة مراهقتهم في بيروت ضمن محيط سينما «كريستال» ثم عاد إلى بلده الأصلي وتحول مجرماً.

 

سوق الصاغة في بيروتوفي مناطق الوسط التجاري توزعت دور الصحف الكبيرة التي كانت تصدر جميعها منه. ففي مكاتب تقع خلف بناية اللعازارية كانت تصدر صحيفتي «الطّيار» و «التلغراف» اللتان كان يصدرهما الشقيقان المارونيان نسيب المتني الصحافي الذي أدى مقتله سنة 1958 المدخل الى نشوب الحرب الأهلية عام 1958 ضد نظام حكم الرئيس شمعون، وشقيقه توفيق المتني. وفي المحلة نفسها كانت تصدر صحيفة «الكفاح» ومجلة «الأحد» اللتان كان يصدرهما ابن الهرمل نقيب الصحافة المغدور المرحوم رياض طه. وفي الشارع نفسه كانت تقع مكاتب صحيفة «اليوم» التي كان يصدرها الشقيقان الفلسطينيا الأصل عفيف الطيبي الذي انتخب لفترة طويلة نقيباً للصحافيين وشقيقه وفيق الطيبي الذي انتخب يوماً ما نقيباً للمحررين. وفي منطقة الخندق الغميق في زقاق الغلغول كانت تصدر صحيفة «الحياة» لصاحبها المرحوم كامل مروة اللبناني الجنوبي وكذلك صحيفته الأخرى «الدايلي ستار». وفي آخر سوق الطويلة كانت تصدر صحيفة «النهار» لصاحبها الأرثوذكسي البيروتي القادم من القاهرة المرحوم جبران تويني جد الشهيد جبران تويني ووالد عميد الصحافة اللبنانية الأستاذ غسان تويني. وعلى بضعة أمتار منها كانت تصدر صحيفة «الجريدة» اليومية التي كان يصدرها باللغة العربية الكاتب الفرنكوفوني الماروني جورج نقاش الآتي من الإسكندرية، بالإضافة إلى صحيفة «الأوريان» التي كان يصدرها المذكور باللغة الفرنسية وقد كانت هذه الأخيرة من أشهر الصحف اللبنانية وأكثرها رواجاً وأقواها على رغم أنها تصدر باللغة الفرنسية. ويذكر أن صحيفة «الجريدة» قد نزلت إلى الأسواق اللبنانية في الخمسينات بحلة جديدة وبصحافيين وسياسيين وكتاب مرموقين تصدروا صفحاتها مثل المرحوم نصري المعلوف والمرحوم رشدي المعلوف والد الصديق أمين المعلوف وحلمي المعلوف وباسم الجسر وأمين الحافظ ممن تركوا بصماتهم في تاريخ الصحافة اللبنانية. وكانت جريدة «الجريدة» من أوائل الصحف العربية التي أصدرت ملحقاً أدبياً أسبوعياً كان يشرف عليه الأديب جميل جبر. كما أصدرت جريدة «الأوريان» الفرنسية التي كان يشرف عليها تباعاً الشاعر البيروتي بالفرنسية والسفير في ما بعد صلاح ستيتية والصحافي الشهير الذي يعيش في فرنسا حالياً من الطائفة اليهودية السيد أندره بركوف.

 

وكان أشهر كتابها الناقد السينمائي من أصول فرنسية غوبلتان. وبقرب صحيفتي «الجريدة» و«الأوريان» وفي جادة الافرنسيين كانت تقع إدارة ومطبعة صحيفة «الأحرار» التي كان يصدرها الصحافي كميل يوسف شمعون والتي لي ذكريات جميلة فيها، لأن ابن عم والدتي النقــابي منير بليق كان يعمل في مطبعتها، وكان كثيراً ما يصطحبني معه أيام الجمعة لأقضي اليوم بين عمال هذه المطبعة أشم رائحة الحبر والقصدير من دون أن أدخــل يوماً إلى مكاتب التحرير.

 

وعلى بعد مئات الأمتار من صحيفة «الأحرار» كانت تقع جريدة «لسان الحال» التي كان يصدرها الصحافي الأرثوذكسي جبران حايك ذي الأصول القومية في مكاتبها قرب سنتر ستاركو.  وقد شكلت هذه الجريدة حدثاً بحد ذاتها لأنها كانت تصدر ظهراً وليس كبقية الصحف في الصباح، واشتهرت أيضاً بصفحتها الثقافية.

 

جادة الافرنسيين كانت المكان المختار لتجار الراديوات والتلفزيونات من أفضل الأنواع. وخلف هذا الشارع كانت تقع مقبرة «السنطية» التي أزالتها شركة سوليدير. ويذكر أنه وراء المقبرة المذكورة كان يقع مطعمان شهيران تملكهما عائلة الحلواني البيروتية هما مطعم «الحاج داوود» و «مطعم البحرين» اللذان كانا مقصد الراغبين باللقمة الطيبة لكن من دون مشروبات روحية.

 

في منطقة المعرض وفي الطوابق فوق الأرضية كانت تقع مكاتب المحامين الذين اختاروا هذه المنطقة لفتح مكاتبهم فيها بالنظر لقربها من العدلية التي كانت في السراي الصغير حيث مركز مجلس الإنماء والأعمار الآن. وقد كان المسيحيون منهم يشكلون الــغالبية الساحقة، إذ كان عدد المحــامين المسـلمين يعد على أصابع اليد.

 

الصور:

سوق سرسق عام 1974

سوق الصاغة عام 1972

 

المصدر: "الحياة"، 13 نوفمبر 2009

http://international.daralhayat.com/internationalarticle/75712

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:3740

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web