ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: تصوير فوتوغرافي وسينمائي
آرا غولر: المنتظر أن تعود اسطنبول الى زمن صوره القديم

2009-11-12 08:52:08

آرا غولر: المنتظر أن تعود اسطنبول الى زمن صوره القديمالمصور التركي الأرمني الأصل يتحدث عن فلسفته في التصوير الصحافي

 

بقلم جوزف الحاج

 

يقدّم "البيت الأوروبي للفوتوغرافيا" في باريس معرض "اسطنبول المفقودة: صور من الخمسينات والستينات" للتركي آرا غولر Ara GULER (مواليد 1928) هو الأضخم له في فرنسا، من ضمن سلسلة معارض أخرى لخمسة مصورين أتراك أقل شهرة منه تراوح أعمارهم بين 25 عاماً و41، هم: أتيلا دوراك، سيركان تايسان، دنيز غول، علي تابتيك، وأصغرهم سيفيم سانكتار، في إطار أنشطة ثقافية تركية في باريس.

 

بموازاة المعرض الحالي لقاء مع غولر وعرض أفلام عنه إضافة الى إصدارين: "آرا غولر: اسطنبول" و"آرا غولر: مصوّر". المعرض مجموعة حول اسطنبول الأسطورية في صراع التقليد والحداثة: الأحياء الشعبية القديمة، المرافئ، المهن المتواضعة والوسط التجاري حيث حلّت السيارات مكان العربات القديمة... تشهد على واقع بلده لحظة بروز علائم التحولات.

 

في 1962 حاز لقب "معلّم اللايكا"، وهو شرف حظي به قلائل من المصورين. في السنة نفسها خصّته مجلة "كاميرا" السويسرية بعدد خاص. اختير واحداً من أفضل عشرة مصورين عالميين في "فوتوكينا ـ 1967". في العام 2000 نال لقب "مصور القرن في تركيا"، وفي 2002 منح وسام جوقة الشرف ووسام الفنون والآداب من الحكومة الفرنسية.

 

في نص بعنوان "سيّد اسطنبول" وصفت منسقة المعرض (لورا سيراني) غولر بأنه شخص معروف في تلك المدينة. مصوّر من خامة كبار مصوري القرن الماضي، ظريف وبشوش. سافر حول العالم مرات عديدة، وترك نظرته عند كل حجر وزاوية في بلده الشاسع تركيا. في نهاية الأربعينات أتمّ تخصصه في الاقتصاد من جامعة اسطنبول تلبية لرغبات العائلة. احتار بين المسرح والرسم والسينما، مع مثابرته على التصوير من دون نية في ممارسته بادئ الأمر: "ما كان في البداية لعبة وتسلية مجانية أمّن فيما بعد الرضى التام لحياتي. كانت الفوتوغرافيا بمثابة لغة ووسيلة تعبير طالما مارستها وقاربتها جاهلاً غناها وقدرتها التعبيرية عن الذات. لقد أعادت إليّ الثقة والأمل لأنني وجدت فيها طريقاً آخر غير طريق التجارة والأعمال الذي أرغمت على سلوكه".

 

بدأ في 1948 صحافياً في "يني اسطنبول" اليومية، ثم مصوّراً في مجلة "حياة". مع دخول تركيا ودول المتوسط مرحلة المتغيرات الكبرى في بداية الخمسينات بدأ غولر يصوّر اسطنبول والمناطق القريبة والنائية، الأناضول والمواقع الأثرية... ينتمي الى جيل من المصورين الأتراك الذين لعبوا دوراً مهماً في تعريف العالم بتنوع بلدهم. أصبح مراسلاً لـ"تايم لايف" و"باري ـ ماتش" و"شتيرن" الألمانية، فغطى لها أحداث تركيا من زيارات المشاهير وصولاً الى الأحداث السياسية الممهدة لإنقلاب 1960 العسكري ولتداعياته لاحقاً. أطلقت عليه هذه المؤسسات لقب "رجلنا في اسطنبول".

 

شخصيته المميزة ووفاؤه وحسن ضيافته جعلته صديقاً لأشهر مصوري العالم: مارك ريبو، هنري كارتييه ـ بريسون، جان ـ لو سياف، ماري ـ إيلين مارك، برونو باربي، جوزف كودلكا، وأعضاء "ماغنوم" الآخرين الذين لم يتوقفوا عن زيارته في بلده. شكّل ذلك جزءاً من شخصيته و"إنسانية" نظرته الفوتوغرافية المدهشة. دخل "ماغنوم" بسعي من هنري كارتييه ـ بريسون ومارك ريبو، مضاعفاً من تحقيقاته الرائعة ليصبح في 1961 واحداً من بين أعظم سبعة مصورين في العالم.

 

بنى آرا غولر عملاً غنياً نادر التنوع ركائزه إنسانية: الانتباه، الاحترام، التعاطف... رافقت كلها رغبة في الشهادة على ظروف حياة وعمل الإنسان. في صوره عن مدينته قدّم قصصاً عن الشوارع والعمال المتواضعين صانعي نشاط المدينة من فجرها حتى آخر الليل، أولئك الذين يخرجون باكراً ويرقدون على طاولات الحانات. من دقة التأطير المقرّب ومن تكثيف اللون الأسود تستمد أعماله كل قوتها فتخطف أنظارنا الى الجوهري فيها. الشكل مهم في صوره شرط وجود المعنى. أحبّ ناس اسطنبول وتعلق بأمكنتها فكانت النتيجة "بورتريه" مدينة في تبدل وتطور مستمرين، حركة حيوية ناشطة لا تتوقف، من عمق الأحياء القديمة الى الوسط الأحدث عهداً. مدينة فقدت حرفييها وعمال الخردة وبائعيها الصغار وصياديها. بخلاف الأميركية بيرينيس أبوت في عملها "نيويورك المتغيرة"، لم يوثق غولر للحداثة إنما توقف عند كل ما يتهدده الزوال. في صوره نستشعر مشاعر الحنين المضطربة التي كانت دافعه الوحيد في عمله. في "اسطنبول: ذكريات مدينة" الكتاب الذي جمع صوره مع نصوص للتركي أورهان باموك حول ذكريات طفولته في المدينة نفسها، ردد الأخير كلمة "huzun" التركية وهي كلمة من أصل عربي تعني الحزن، المشاعر الأكثر تطابقاً مع أجواء المدينة في قرونها الأخيرة. إنها اسطنبول في الليل حيث تلتمع أضواء لا تمت الى بذخ السلطنة قبل احتضارها، إنما هي من نوع آخر مختلف، إنها مصابيح الشوارع والأحياء القديمة والسيارات الصاعدة نحو "بيوغلو" والسفن المبحرة في ضباب البوسفور السميك، تعكسها حجارة وأرصفة الطرق المغطاة بالمطر.

 

عوالم آرا غولر القاص المدهش غنية بمرجعياتها الأدبية والتشكيلية والسينمائية، المحلية والأجنبية، وهي الأوساط التي نسج غولر صداقاته معها: "إن عالمنا خلقه فنانون بحثت عنهم واحداً واحداً وصوّرت وجوههم". من هنا الشق الآخر لعمله، بورتريهات جميلة لفنانين مثل شاغال، كالدر، بيل براندت، أورسون ويلز، إيليا كازان، فيديريكو فيلليني، برتراند راسل، ياشار كمال، أورهان باموك وآخرين. واقعيته الشعرية تضفي على عمله قوة وفراده. مشاهده الكئيبة جعلته واحداً من كبار فوتوغرافيي القرن الماضي.

 

هناك نظرات مصوّرين لا يمكن فصلها عن بعض المدن: دوانو وباريس، روبرت فرانك ونيويورك... آرا غولر هو نظرة اسطنبول، ولقّب أيضاً "مشّاء اسطنبول".الوصول الى مكتبه جولة في ذاكرة المدينة، شوارع ضيّقة ومعتمة. على مدخل البناية القديمة حيث ولد ونشأ لا تزال بلاطة الرخام محفوراً عليها "بناية غولر" منذ أن اشتراها والده الصيدلي الثري. على أمل إقناع غولر الشاب التخلي عن مهنة التصوير قدّم الوالد لإبنه الطابق العلوي الذي لا يزال يستعمله حتى اليوم. المكان خانق تغطي جدرانه صوره لبيكاسو، دالي، تنيسي ويليامز وجاك بريفير تقابلها صورة التقطها له هنري كارتييه ـ بريسون.

 

في شخصية غولر طفل بريء وممثل ساذج. ثمانيني مرح يشبّه حياته "بسلسلة من اللقاءات السعيدة". يعشق الواقع ويتباهى بقلب "مصوّر ومراسل": "همي هو في الواقعي أكثر من الفني". لا يزال مفعماً بالشعور الإنساني والحشمة التي ميّزت جماعة "ماغنوم" التي انضم إليها في 1961. يحرص على اللقب الذي كان يناديه به معلمه وزميله كارتييه ـ بريسون: "شيبشاكدجي" وهي مفردة صوتية تركية للدلالة على المصورين الجوالين في الخمسينات. اسطنبولي حتى الأعماق. يحزن لرؤية الإسمنت يجتاح المدينة ولهدم جسرها القديم "غالاتا" حاضن الباعة والمشردين، ليحل محله "مجرد جسر" كما يصفه متحسراً: "اسطنبول كانت روحاً وحالة إنسانية، أما اليوم فغدت مكاناً محلقاً بريف الأناضول. يجب أن أوضع في متحف لأنني أقلية، كوني أرمني وكوني إبن اسطنبول".

 

يتذكر العام 1958 عندما أوفدته مجلة "حياة" التركية لتصوير سد يقع في منطقة نائية. وصل الى "آيدين" حيث تعرّف على حاكمها الذي وضع بتصرفه سيارة مع سائقها: "وصلنا الى المكان، تسلّقت الجبل الذي يعلو السد فوجدت ضوء الشمس مواجهاً لي غير مؤات للتصوير. إنتظرت حتى تغيّرت ظروف الإضاءة. بعد ساعات أتممت مهمتي وعدت لأجد السائق في حال الغضب الشديد. شتمني وشتمته بدوري. اختار سلوك طريق مختصرة قال أنه يعرفها فخرج عن الطريق العام، لكننا ضللنا في متاهات الأناضول. داهمنا الظلام وأصبح الجو موحشاً. تشاجرنا كل الوقت حتى وصلنا الى قرية صغيرة. توقفنا أمام مقهى كان بعض مرتاديه يغطّون في ثبات عميق باستثناء شخصين كانا يلعبان الدومينو على ضوء قنديل كاز خافت. بعدما تعوّدت عيناي على هذه الإنارة الخفيفة لاحظت أنه بدل الطاولات يستخدمون أعمدة رومانية حجرية".

 

"... بتنا ليلتنا في المكان، وفي صباح اليوم التالي استيقظت وقلت: "لا بد وأن شيئاً ما غريباً يحدث هنا. تجولت في القرية فرأيت عدداً من الأولاد يعصرون العنب في أحد المدافن الأثرية. كانوا فعلاً يعيشون في الحقبة الجمهورية وفي الحقبة الرومانية في الوقت نفسه. صوّرت تحقيقاً مفصلاً عن طريقة حياتهم. كانت الآثار الرومانية تملأ المكان. بعد عودتنا الى اسطنبول نشر التحقيق حول السد، وعندما حدثتهم عن التحقيق الآخر حول الحياة المدهشة في هذه القرية، وكان برأيي أهم من موضوع السد الذي كلّفت به، سخروا قائلين: "قضيت كل هذا الوقت وعانيت لتلتقط صوراً للحجارة!". في تلك الفترة كنت أتعامل مع صحيفة بريطانية أثار الموضوع اهتمامها واعتقدت أن المكان ربما هو لمدينة أفروديزياس الرومانية القديمة، نشرت منه بضع صور. بعد مدة تلقيت برقية من مجلة أميركية مهمة هي "هورايزون ماغازين" أبدى مديرها رغبة في نشر كامل التحقيق الذي ظهر جزء منه في الصحيفة البريطانية ووعدوا بتخصيص نحو 10 صفحات له. طلبوا صوراً ملوّنة لكن التحقيق كان بالأسود والأبيض بسبب استهلاكي لكل الأفلام الملوّنة في تصوير السد. وافقت على طلبهم مقترحاً مهلة أسبوع فردوا بالإيجاب. اتصلت بالسائق نفسه وعدت الى القرية وإلى المقهى عينه. أعددت تحقيقاً رائعاً وشاملاً عن هذه القرية وأرسلته الى أميركا. بعد نشره توالت عمليات التنقيب في المنطقة ولم تتوقف طوال سنوات".

 

يقول غولر: "لا علاقة للتصوير الصحافي بالفن. لا أعتقد أن الفوتوغرافيا فن فهي أكثر أهمية منه. الفن يقرفني رغم أنه يجعل الناس سعداء ويساعدهم على فهم بعض الأمور. لست مصوراً فوتوغرافياً، أنا صحافي". يدافع غولر في كل مرة عن وجهة نظره محدداً الفوتوغرافيا على أنها مذكرات مرئية للتاريخ المعاصر: "أنا باحث عن الحقيقة. المصورون عيون العالم، يشاهدون نيابة عن الآخرين، يجمعون ويدوّنون التاريخ المرئي للمستقبل، لذا يجب عليهم تجنب المبالغة".

 

يلوم غولر الأوروبيين: "يعتبرون ناسهم أكثر أهمية منّا. أثناء معرضي "مئة وجه من الأدب التركي" المؤلف من 300 بورتريه لشخصيات أدبية تركية، جاءتني صحافية فرنسية شابة تعمل في "لوموند" لم تتعرّف على أي من تلك الوجوه، أريتها عزيز نيسين فلم تتعرّف عليه حتى أنها لم تسمع بناظم حكمت. تلك هي خطيئة أوروبا، لا تعرفك لأنها لا تهتم بك. بالنسبة إليهم اسطنبول تعني نهاية أوروبا وبداية الشرق. لا تعجبني أوروبا، أفكارها إمبريالية".

 

يتمنى آرا غولر، المثابر على ارتياد "آرا كافيه" الكائنة في الطابق السفلي من "بناية غولر" والمتذمّر من تغيّر وجه المدينة، أن يُرجع اسطنبول الحالية الى زمن صوره، فهل استطاعت الصور يوماً فرض أزمانها؟

 

المصدر: "المستقبل"، بيروت، 08 تشرين الثاني / نوفمبر 2009

http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=377399

 

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1360

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web