ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: سيرة
هيام يارد تروي قصّة جدّتها على خلفية الحروب اللبنانية

2009-12-20 14:42:00

هيام ياردنصٌّ غني في جمالياته الشكلية وشخصياته وأحداثه

 

باريس ـ انطوان جوكي

 

في نهاية روايتها الثانية التي صدرت حديثاً لدى دار Sabine Wespieser الباريسية بعنوان "تحت العريشة"، تستشهد الشاعرة والروائية اللبنانية هيام يارد بقول نيتشه التالي: "بجّلوا الأمومة. الأب ليس إلا صدفة"، وهو قولٌ يُشكّل خير خلاصة لهذا النص المكتوب على شكل رسالةٍ مفتوحة لجدّتها، تتحوّل تدريجياً تحت أنظارنا إلى حكاية طويلة مشوّقة تقع أحداثها في أماكن وحقبٍ مختلفة من تاريخنا المعاصر، وتعالج ببصيرةٍ مدهشة مواضيع مهمة كثيرة.

 

وأوّل ما يلفت انتباهنا في هذا النص ويجذبنا إلى داخله هو محافظة يارد فيه على إيقاعٍ سردي واحد يُسهّل عبوره. ومع أن الرواية لا تتبع إلا التقسيم العشوائي لفصولها الأربعة والستين، لكن يمكننا استخلاص قسمَين رئيسيين فيها، على المستويين السردي والدرامي: في القسم الأول، تسرد يارد قصة جدّتها التي لطالما أحبّتها وأرادت التماثّل بها، وذلك بأسلوب المخاطب الذي يلغي أي وسيط محتمَل في عملية السرد، ويسمح للروائية بإعادة إحياء جدّتها وبالبقاء على أقرب مسافة ممكنة منها. وفي منزل هذه الجدّة التي توفّيت عشية حرب تموز 2006، تنطلق الحفيدة في عملية سردها، فتستحضر، بدون أي ترتيب تاريخي، فصول حياة هذه المرأة الفريدة التي تنحدر من عائلة أرمنية هربت من اسطنبول إلى لبنان مع بداية مذابح الأرمن، ولازمها شبح الموت منذ الطفولة، مع وفاة أمّها أثناء ولادتها، ثم وفاة زوجها وهي في سنّ الواحدة والثلاثين، فعيشها فظائع الحرب اللبنانية في منزلها الذي يقع مباشرةَ على خط التماس في بيروت، بدون أن يزعزع ذلك طبيعتها المتفائلة وإيمانها بقيمة الحياة. ومباشرةً بعد وفاة زوجها، قررت البقاء وفيةً له فتعلّمت العزلة وأحاطت نفسها بالكتب وجميع لوازم الفن، وأمضت جزءاً كبيراً من وقتها في القراءة والرسم والنحت... والوقت الباقي في محبة الآخرين. وخلال فترة الحرب الأهلية، التي تخصِّص الروائية لجحيمها وصفاً مؤثّراً ودقيقاً، نشاهد الجدّة تتشبّث بالبقاء في منزلها وتفرض احترامها ومحبّتها على المتحاربين من طَرفي خط التماس، وتتعايش حتى مع المجرمين منهم، مثل وسام القاتل و"سفّاح المتحف" وزياد الماكر...

 

وحكمة هذه المرأة ومحبّتها ستحوّلانها في نظر حفيدتها إلى مثالٍ حاولت هذه الأخيرة التشبّه به، فاستوعبت فلسفتها وعمدت إلى تكرار أقوالها الحكيمة، لكنها فشلت في تطبيق هذه الأقوال في حياتها، فمارست، بدلاً من الأمل، خيبته. ولا نتعجب من ذلك ما أن تعرض الحفيدة لنا ظروف حياتها بنفسها، فيتبيّن أنها وُلدت في بداية الحرب اللبنانية واضطُرت بالتالي إلى تعلّم الحياة والحب بسرعة وفقاً لمشيئة أبيها، البورجوازي المحافِظ، وخوفاً من أن تموت عذراء بقنبلة أو رصاصة. وهذا ما سيدفعها إلى الزواج في سنّ العشرين من شابٍ يتّضح لها مع الوقت بأنه لا يعبأ برغباتها ولا بقلقها وتأمّلاتها الوجودية المشروعة، فتغادره إلى باريس حيث تتلقى نبأ وفاة جدّتها بعد يومٍ واحد على وصولها...

 

وهذه الصُدفة ليست الحدث المفاجئ الوحيد داخل الرواية المحبوكة بمهارةٍ كبيرة. فانطلاقاً من منتصف النص، تنتظرنا مجموعة مفاجآتٍ أخرى تبدأ بظهور شخصٍ غريب يدعى أوجين في مراسم العزاء، يجلس مع الحفيدة تحت العريشة ويكشف جانباً مجهولاً من حياة جدّتها: قصّة حبّ عذري طويلة بينها وبين رجلٍ يدعى جوزيف، تخصّص يارد القسم الثاني من الرواية لتفاصيلها الشيّقة والرقيقة وتقدّم لنا في هذا السياق شخصياتٍ جديدة، مثل ملكون، والد جوزيف بالتبني، وزوجته راشيل، أو روز، حارسة البناية التي سيسكنها جوزيف في باريس، فضلاً عن جوزيف نفسه الذي سيختبر الحب الإيروسي في ذراعَي بائعة الهوى إيرينا، والحب الصوفي في وادي قاديشا، والحب العذري مع الجدّة، قبل أن يغادر لبنان إلى باريس، فالمكسيك، بدون عودة...

 

في مكانٍ ما داخل نصّها، تقول يارد: "ثمّة أهواء كثيرة في الشرق تتحوّل الأحلام من جرّائها إلى سديم". أهواءٌ مدمّرة ومتناقضة تفسّر جولات العنف والقتل المتكرّرة في شرقنا، كما تفسّر لماذا لم تعرف بطلات الرواية (الجدّة، الحفيدة وراشيل) سعادة الحب ولماذا تتشابه شخصياتهنّ وأقدارهنّ في النهاية. لكن الروائية تتمكّن من تلطيف الأجواء القاتمة لروايتها بطرافةٍ كامنة في أسلوبها وطريقة تصويرها الفريدة للأحداث، وبرقّةٍ مؤثّرة تمدّ بها بعض الشخصيات الثانوية، مثل الجانب الأمومي لسلوك روز مع يوسف، وعطف إيرينا على زبائنها، واحتضان أحد العاملين على أرصفة المرفأ الفتى أوجين، والرأفة التي تميّز بها بعض المقاتلين على الجبهة، وقيام أحد خاطفي يوسف بتحريره...

 

وتأسرنا هذه الرواية بحبكتها المشغولة بفنٍّ كبير وبجمال لغتها الأدبية المطعَّمة بجملٍ شعرية كثيرة، كما تأسرنا بالنظرة الثاقبة والناضجة التي تلقيها يارد على أحداثٍ تاريخية كبرى، كالحروب والاجتياحات التي عاشها اللبنانيون ومذابح الأرمن ومحرقة اليهود وأحداث أيار 1968 في باريس. لكن قوة النص تكمن خصوصاً في شحنة التمرّد التي تميّز مسارات الجدّة والحفيدة وراشيل داخل الرواية وتفتح أمام الروائية فرصاً كثيرة لنقد الطبقة البورجوازية البيروتية والأعراف والتقاليد الشرقية التي تحرم المرأة، وأحياناً كثيرة الرجل أيضاً، من أبسط حقوقهم وتسلّط الأب والعائلة على أقدارهما، بدون إهمال طبيعة الرجل اللبناني الذي يختبئ خلف سيجاره ويشبه إلى حدٍ بعيد البلد الذي يعيش فيه. ففي مكان ما من الرواية، تقول يارد: "الاثنان مستعمَران ومدرّبان منذ الولادة على الطاعة العمياء ومكمَّمان، الأول بواسطة الأب، والآخر بواسطة دستورٍ يجلب لأبنائه التفرقة والتمزّق".

 

 المصدر: "المستقبل"، 15 ديسمبر 2009  

http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?storyid=383421

 

كتاب هيام يارد

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1529

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web