ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: هوية
سر عمره 60 عاما يجتث شجرة عائلة في تركيا من جذورها

2010-01-14 18:46:32

سر عمره 60 عاما يجتث شجرة عائلة في تركيا من جذورها

 

حديث هامس بين جدة وحفيدة يعكس قصص آلاف من الأرمن نشأوا معتقدين خطأ أنهم أتراك

 

اسطنبول: دان بيلفسكي*

 

لا تزال فتحية تشتين (Fethiye Cetin) تتذكر اليوم الذي شهد تحطم هويتها. كانت شابة تدرس القانون عندما انتحت بها جدتها جانبا وأطلعتها على سر عمره 60 عاما، حيث أخبرتها أنها، أي الجدة، ولدت أرمنية مسيحية وأنقذت من إحدى مسيرات الموت على يد ضابط تركي، اختطفها من يدي أمها عام 1915 وتولى تنشئتها كتركية مسلمة. كشفت الجدة أمام حفيدتها أن اسمها الحقيقي هرانوش، وأن والديها الحقيقيين فرا إلى نيويورك. علمت تشتين أن هرانوش ليست سوى واحدة من بين آلاف الأطفال الأرمن الذين اختطفوا وتبنتهم أسر تركية أثناء الأحداث التاريخية التي وقعت بين عامي 1915 و1918. (الأرمن ومعهم الغرب يصرون على أنها إبادة قُتل فيها نحو 1.5 مليون أرمني من قبل العثمانيين، والأتراك ينفون الصفة ويقللون من عدد القتلى. أنظر تعليق آزاد-هاي في الأسفل*). وكان يطلق على هؤلاء الناجين في بعض الأحيان «بقايا السيف».

 

وقالت تشتين، البالغة من العمر الآن 60 عاما: «انتابني شعور بالصدمة لفترة طويلة، فعلى حين غرة أصبحت أرى العالم من منظور مغاير. لقد ترعرعت وأنا أنظر إلى نفسي باعتباري تركية مسلمة، لا أرمنية. لم تورد كتب التاريخ أي إشارة إلى مذبحة طالت شعبا محي من الذاكرة الجماعية لتركيا. ومثلما كان الحال مع جدتي، دفن الكثيرون هوياتهم - والأهوال التي عايشوها - داخلهم».

 

إلا أن تشتين تعد حاليا عضوا بارزا في الجالية الأرمنية - التركية هنا، والبالغ إجمالي عدد أفرادها 50000 فرد، علاوة على كونها واحدة من أبرز المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان على مستوى البلاد. وتعتقد تشتين أن اللحظة المناسبة حانت لتواجه تركيا وأرمينيا أشباح الماضي، بل وربما تتغلبان على واحدة من أعمق وأطول العداءات على مستوى العالم.

 

على الصعيد الشخصي، واجهت جتين بالفعل ذاتها المنقسمة، التي قادتها من إسطنبول إلى متجر بقالة في 10 ستريت في نيويورك، حيث أعاد أقاربها الأرمن بناء حياتهم في أعقاب فرارهم من تركيا. (جدير بالذكر أن معظم الأرمن الموجودين في تركيا حاليا نجوا لأن أجدادهم عاشوا في الأقاليم الغربية، بينما وقعت أعمال القتل في معظمها في الشرق).

 

وجاءت أحدث خطوة على طريق التخلص من عقود من الكراهية بين البلدين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي داخل ملعب لكرة القدم في مدينة بورسا، الواقعة شمال غربي البلاد، عندما أصبح سيرج ساركيسيان أول رئيس أرميني يسافر إلى تركيا لحضور مباراة لكرة القدم بين منتخبي البلدين. خلال جولته الأخيرة من دبلوماسية كرة القدم، انضم إلى ساركيسيان في الاستاد الرئيس التركي عبد الله غل، الذي كان قد سافر لحضور مباراة لكرة القدم في أرمينيا قبل ذلك بعام. وقال غل لنظيره الأرميني في بورسا: «إننا لا نكتب التاريخ هنا، وإنما نصنع التاريخ».

 

من جهة أخرى، يساور الشتات الأرمني الضخم، الذي يقدر بأكثر من 7 ملايين في الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما، القلق من أن يساء استغلال الدفء الجديد في العلاقات كذريعة لنسيان ما جرى في الماضي وإغفاله في تركيا، حيث يمكن أن يؤدي مجرد التفوه بعبارة «الإبادة الجماعية للأرمن» إلى المثول أمام القضاء. ومن بين الأمور الأخرى التي تهدد التقارب بين البلدين الخلاف الدائر تحت السطح بين أرمينيا وأذربيجان المجاورة، وهي حليف قوي لتركيا، حول انفصال جيب أرميني عن أذربيجان.

 

وقد يترتب على الاتفاق المقترح بين تركيا وأرمينيا، الذي لم يصدق عليه أي من البرلمان التركي أو الأرميني بعد، تداعيات واسعة النطاق، تساعد في إنهاء العزلة الاقتصادية المفروضة على أرمينيا، مع تعزيز فرص تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

 

تعتقد تشتين أن أحد أطول التداعيات أمدا ربما تتمثل في المساعدة على التغلب على التراشق بالاتهامات بين الجانبين. وأشارت إلى أن الأرمن عمدوا إلى مكافحة حالة فقدان الذاكرة الجماعي التي ألمت بالأتراك، الذين يؤكدون أن انهيار الإمبراطورية العثمانية كان دمويا، وأن الأرمن الذين لقوا حتفهم كانوا ضحايا هذه الفوضى.

 

وعن ذلك، قالت تشتين: «معظم الأفراد داخل المجتمع التركي ليست لديهم أدنى فكرة عما حدث عام 1915، ويجري تصوير الأرمن لهم كوحوش وأشرار وأعداء في كتب التاريخ لديهم. على تركيا أن تواجه الماضي، لكن قبل أن تصبح هذه المواجهة ممكنة، يجب أن يعي الناس من يواجهون. لذلك، نحن في حاجة إلى إسقاط الحدود بين الجانبين لإقامة حوار».

 

وقالت تشتين، التي تولت جدتها لوالدتها تربيتها، إن الحدود القائمة داخل قلبها التركي المسلم زالت إلى غير رجعة عندما كشفت لها جدتها عن ماضيها الأرمني.

 

وأشارت إلى أن هرانوش كانت مجرد طفلة عام 1915 عندما وصل جنود أتراك إلى قريتها التركية، مادن، التي تقطنها أغلبية أرمنية، حيث جمع الرجال وعزل النساء والأطفال داخل فناء أحد الكنائس محاط بأسوار عالية. وأخبرتها هرانوش أن النساء عندما صعد بعضهن على أكتاف بعض شاهدن الرجال يجري ذبحهم وتلقى جثثهم في نهر دجلة، الذي ظل ملطخا باللون الأحمر لأيام.

 

خلال المسيرة الإجبارية التي أعقبت ذلك، قالت هرانوش إنها رأت جدتها تعمد إلى إغراق اثنين من أحفادها قبل أن تلقي بنفسها في الماء وتختفي. وتمكنت والدة هرانوش، إسكوهي، من البقاء على قيد الحياة بعد المسيرة، التي انتهت في حلب بسورية، ومضت للانضمام إلى زوجها، هوفهانيس، الذي كان قد رحل عن القرية متجها إلى نيويورك عام 1913، وافتتح هناك متجر بقالة. وبنى الزوجان أسرة جديدة.

 

قالت تشتين: «كانت جدتي ترتعد وهي تروي لي قصتها. كانت تكرر باستمرار: ليت هذه الأيام تختفي ولا تعاود ثانية». في ذلك الوقت، كانت تشتين طالبة متمردة ناشطة في التيار اليساري. وذكرت كيف كانت مواجهة الهوية الأرمنية حينذاك، مثلما هو الحال الآن، من المحظورات. وقالت: «نفس الأشخاص الذين كانوا يصيحون عاليا في حديثهم عن الظلم وكيف يمكن جعل العالم مكانا أفضل، كانوا لا يجرؤون سوى على الهمس عندما ينتقل الحديث إلى القضية الأرمنية، الأمر الذي جرحني بشدة».

 

قالت تشتين، التي تعرضت للسجن ثلاث سنوات في الثمانينات لمعارضتها النظام العسكري التركي، إن هويتها الأرمنية الجديدة ألهمتها أن تصبح محامية في مجال حقوق الإنسان. عندما جرت محاكمة هرانت دينك، رئيس تحرير صحيفة «أغوس» التركية - الأرمينية، عام 2006 بتهمة إهانة الأتراك بإشارته إلى الإبادة، تولت تشتين الدفاع عنه. في 19 يناير (كانون الثاني) 2007، اغتيل دينك خارج مكتبه على يد شاب قومي متطرف.

 

نشرت تشتين مذكرات حول جدتها عام 2004. وأشارت إلى أنها تعمدت حذف لفظ «إبادة جماعية» من كتابها لأن استخدامها يشكل عائقا أمام التصالح. واستطردت قائلة: «رغبت في التركيز على البعد الإنساني. رغبت في إثارة التساؤل حول صمت أشخاص مثل جدتي أبقوا على قصصهم مخفية طوال سنوات، وتحملوا هذا الألم».

 

عندما توفيت هرانوش عام 2000، عن 95 عاما، حرصت تشتين على تلبية أمنيتها الأخيرة، وهي نشر نعي لها في صحيفة «أغوس»، على أمل جذب انتباه أقاربها الأرمن الذين فقدتهم منذ أمد بعيد، بينهم شقيقة جدتها، مارغريت، التي لم ترها قط.

 

أثناء لحظة جمع الشمل بأسرتها الأرمنية في نيويورك، بعد شهور عدة لاحقا، أخبرت مارغريت تشتين أنه عندما توفي والدها عام 1965، وجدت في محفظته قطعة ورقية ملفوفة بعناية احتفظ بها لسنوات. كانت عبارة عن خطاب كتبته له هرانوش بعد سفره إلى أميركا. وقالت في الخطاب: «نحن جميعا نصلي وندعو لتكون بخير».

 

*خدمة «نيويورك تايمز»

 

المصدر: "الشرق الأوسط"، لندن، 07 يناير 2010

http://aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=11363&article=551787

 

*رأي آزاد-هاي: النص الأصلي يستعمل دون مواربة تعبير "الإبادة الأرمنية" ولكن جريدة "الشرق الأوسط" قامت بتحوير الكلام وأضافت الشروحات المجتزأة بين القوسين. وهذه علة الصحافة العربية التي تتهم الغرب بالكيل بالمكيالين ولكن عندما يجد الجد يتبين أن مواقفها مخذلة. إقرأ النسخة الإنكليزية غير المحرفة هنا.

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1657

 
التعليقات المرسلة:
البعد الانساني
2010-01-23 01:55:18 | رامي
كم يحزنني موقف جريدة الشرق الاوسط.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web