ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: انطباعات صحفية عن الأرمن
أرمينيا وسيمفونية المبارز!

2010-04-19 13:22:32

عبدالحسين شعبان 

 

يُطلق على أرمينيا وعاصمتها يريفان بلد الورد والشمس، فالزهور تنشر عطرها في كل مكان، والشمس لا تغيب عنها مدة 340 يوماً من السنة. وهذا البلد الذي كان ضمن السلطة السوفييتية منذ مطلع العشرينيات تمكّن من إحراز الاستقلال في العام 1991، والانضمام إلى الأمم المتحدة العام 1992.

 

ورغم مآسي الأرمن والمجازر التي تعرّضوا لها تاريخياً، فبلدهم يجسّد الفرح والجمال ويُعرف بـ"المتحف في الهواء الطلق" لكثرة التماثيل التي تنتشر في الشوارع والساحات العامة والمنتزهات والحدائق التي تطوّقه وتتغلغل فيه، كما ترسم صخور يرفان صورة المدينة الوردية، لاسيَّما في مركزها الرئيسي.

 

ويقرّ الأرمن ويعترفون بفضل الكاتب المعروف والمخلّد خاجادور أبوفيان في نشر اللغة الأرمينية الجديدة، وذلك في القرن التاسع عشر.

 

كأن العالم كلّه قد تواطأ على إسدال الستار على المجازر التاريخية التي تعرّض لها الأرمن طيلة نحو قرن من الزمان، ولعل مؤتمر ديربن عام 2001 حول العنصرية، كان قد استعاد مسألة اعتذار المستعمرين عما تسبّبوه من آلام وأذى للشعوب المستعمَرة، ناهيكم عن أعمال الإبادة والقمع والاضطهاد، الأمر الذي شجع الأرمن وجهات دولية -لأغراض مختلفة- على مطالبة تركيا بالاعتذار.

 

ورغم أن الأرمن في إطار الدولة العثمانية كانوا يعيشون مثل غيرهم من الشعوب والأمم والأديان -لاسيَّما الأقليات- إلاّ أن ما حصل لهم منذ العام 1895 على يد السلطان عبدالحميد ولاحقاً على يد طلعت باشا وأنور باشا وصولاً إلى المجزرة الكبرى في العام 1915، واستمراراً حتى العام 1922، يعتبر الأسوأ في تاريخ أرمينيا.

 

وإذا كان الحديث عن التاريخ ضرورياً فالهدف هو الاستفادة من عبره ودروسه وتقييمه، ولعل هذا الأمر لا يستهدف أية إساءة لتركيا، لاسيَّما مواقفها الإيجابية، خصوصاً التي تتخذها اليوم في ظل قيادة حزب العدالة والتنمية، فهذا الأمر شيء والبحث في التاريخ شيء آخر، وفي تاريخ كل أمة ثمة نواقص وثغرات وعيوب لا بدّ من الإقرار بها والاعتذار عنها.

 

كانت أولى المجازر ضد الأرمن هي المجزرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف منهم في العام 1895، وفي العام 1909 كانت مجزرة أضنة هي الأبشع، حيث سقط فيها الآلاف أيضاً، أما مجزرة العام 1915 فقد كانت الأسوأ على الإطلاق، حيث قتل فيها على نحو جماعي مئات الألوف من الأرمن بعد أن تم تجنيد الرجال للحرب العام 1914 بدون سلاح، وللقيام بأعمال خدمية، ثم بُوشِر بقتل المتميّزين من العلماء والأطباء والكتّاب والمثقفين وأصحاب الاختصاصات، والأكثر من ذلك كان كل شيء قد تم بصمتٍ ودون احتجاجات تُذكر.

 

وخلال الحرب وما بعدها حصلت مذابح كثيرة، منها معركة الجزء الشرقي التي حصلت في 26/5/1918 وراح ضحيتها الآلاف أيضاً، واستمرت المجزرة حتى العام 1922، ولكن بتواطؤ أكبر هذه المرة، حين انضمت أرمينيا إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان يرغب في تسوية علاقته مع تركيا، فتم التنازل لها عن جبال آرارات الشهيرة وأصبح نهر أراكس عند أقدام سلسلة الجبال هو الحد الفاصل لأرمينيا وتركيا. ولا تزال الحدود بين تركيا وأرمينيا مغلقة، إذ لا يمكن الوصول إلى تركيا من أرمينيا إلاّ عبر جورجيا، ولا تزال علاقة أرمينيا بروسيا جيدة جداً، مثلما أن علاقتها طيبة مع إيران.

 

ظل الأرمن يعانون بصمت ويكبتون مشاعرهم، ولعل مشكلة الجيل الثالث أنه ما زال يبحث في بطون التاريخ والكتب عن أقارب أو أجداد لهم، وعن كل خيط يربطهم بالماضي، إذ إن السياسة والمصالح الدولية لعبت دورها، فلم يرخّص لهم باستعمال كلمة الجينوسايد (الإبادة الجماعية) إلاّ في أواسط الستينيات، رغم مجازر الأناضول وفان وارضروم وساسون وديار بكر وغيرها، إلى أن تم بناء مجمع رمزي للضحايا في العام 1965، علماً بأن الأرمن أسهموا بتفانٍ وإخلاص في "بناء الاشتراكية"، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أرسلوا نحو نصف مليون جندي دفاعاً عن "الاتحاد السوفييتي" السابق.

 

سألت مرافقتي الجميلة (أرمينه): هل لديكم نوستالجيا (حنين) إلى الماضي، رغم أنها لا تتذكر شيئاً عنه لأن عمرها 31 عاماً، فأجابت أن الكبار وحدهم هم من يعيشون على الذكرى لأن حياتهم كانت سهلة وظروفهم الاجتماعية بسيطة وبعض المستلزمات مؤمنة، والغالبية أقرب إلى الكسل منها إلى الإبداع والمنافسة الفردية المشروعة، فضلاً عن شحّ الحريات والنظام الشمولي.

 

مرافقتي قالت بعد سؤالي عن الجمال الأرميني إن الأرمينيين بسبب الاختلاط والتزاوج اكتسبوا بعض الملامح الجديدة، فبعد أن كان الشكل الغالب للنساء قبل عقود من الزمان هو: الشعر الأجعد والقوام الأشقر والأنف الكبير والعينان الزرقاوان، أصبح اليوم أقرب إلى خليط جميل ومتجانس من تعاشق ملامح وأمم وحضارات وثقافات متنوعة، ولعل ذلك ما أعطى هذه الملاحة للوجوه المشرقة.

 

لا أدري لماذا تذكّرت شخصيتين عراقيتين أثيرتين، الأولى هي الجواهري الشاعر الكبير الذي كان يتغزّل بالكونياك الأرميني (آرارات.. وأصل الكلمة أشوري)، وأتذكر أنه في كل مرة يتذوقه كان يقارن ذلك بالكونياك الفرنسي (غورفازية ونابليون وريمي مارتين)، مشيراً إلى أن هذا الكونياك هو 7 نجوم، وكان يدعو عامر عبدالله ويدعوني لتناول كأس صغيرة قبل الظهيرة لفتح الشهية كما يقول، وبالمناسبة فهذا الكونياك كان يفضّله رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل على غيره، وكان ستالين الزعيم الروسي قد أهداه عدّة صناديق منه. وبالمناسبة فمعمل آرارات تم بناؤه العام 1877 وهو أرميني– فرنسي.

 

أما الشخصية الثانية فهو آرا خاجادور أحد أبرز القيادات العمالية النقابية الشيوعية في العراق، وظل بُعده الوطني متميّزاً رغم حنينه للماضي واعتزازه بقوميته الأرمينية، لكن أمميته جعلته يغضّ النظر عن ارتكابات السلطة السوفييتية، ناهيكم عن اعتقاده أن قضية الأرمن لا يمكن حلّها إلاّ بتحقيق الاشتراكية، وما زال القائد الشيوعي العراقي حيّاً ويعيش في براغ ويرفض الاحتلال الأميركي لبلده.

 

ثمة أسماء أرمينية كانت مؤثرة عالمياً وذات شهرة كبيرة، لعل أبرزها وأهمها على الإطلاق هو الموسيقار آرام خاجودوريان، الذي ينتصب تمثاله أمام دار الأوبرا، ولا أدري لمَ قفزت إلى ذاكرتي سيمفونيته الشهيرة رقصة المبارز sword، وقد يعود الأمر إلى مشاهدتي لتمثال أمّ أرمينيا (وهي تحمل سيفاً كبيراً دلالة على أنها أمّ مقاتلة)، حيث نُصب هذا التمثال في المكان الذي كان ينتصب فيه تمثال ستالين الذي أزيح العام 1956 بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، حيث ألقى نيكيتا خروشوف تقريره الشهير. أما الاسم الثاني فهو انستاس ميكويان نائب رئيس مجلس السوفييت الأعلى، وأتذكر زيارته إلى العراق العام 1959، وأخوه هو آرام ميكويان مصمم طائرة الميغ الشهيرة.

 

أرمينيا التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق لم تسلم من المشاكل حتى الآن، ولم تتخط عتبة الماضي بسهولة، ولا يزال الكثير من التحديات تواجهها، ففي الفندق الذي أقمت فيه وكانت الاجتماعات الأساسية للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان تنعقد فيه، واجهتنا تظاهرة تندد بأعمال القمع واغتيال عدة نشطاء في مارس 2009، وقد بادرنا بالمشاركة فيها، الأمر الذي أغضب بلدية مدينة يريفان التي ألغت حفل العشاء المقام على شرف المؤتمر. وبالمناسبة فالفيدرالية الدولية تعقد مؤتمرها الـ37، وهي منظمة حقوقية تأسست العام 1922 في باريس وتضم في عضويتها 155 منظمة من 115 بلداً.

 

قبيل إعلان استقلال أرمينيا عانت من حروب وتعرض الأرمن إلى عقاب جماعي قرب باكو (أذربيجان)، ودامت الحرب أربع سنوات حتى تم وقف إطلاق النار العام 1992 بين أرمينيا وأذربيجان وناغورنو كاراباخ (الذي يتمتع باستقلال واقعي De facto ويبلغ عدد نفوسه 170 ألف نسمة).

 

الدولة الجديدة التي كانت جزءا من الصراع العثماني- الفارسي أصبحت جزءا من الدولة السوفييتية، وهناك أجزاء منها في تركيا، واجهت كوارث طبيعية غير قليلة، فبعد أن اشتهرت بالصناعات الكيماوية تعرضت لزلزال ضخم راح ضحيته 25 ألف أرميني، وذلك في 7/12/1988، مثلما عانت من حروب، وتعاني حالياً من بطالة ومن قلّة الأجور والموارد، إذ إن الحد الأدنى لا يتجاوز 200 دولار في الشهر، الأمر الذي يجعل التنمية تحت مخالب كثيرة منها الفساد المالي والإداري والتهديدات الخارجية والشعور بالقلق إزاء المستقبل.

 

ولكن أما آن الأوان للاعتراف والاعتذار للأرمن عما تعرضوا له تاريخياً!

 

المصدر: العرب، الدوحة، 19 أبريل 2010 (بتصرّف)

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=127999&issueNo=854&secId=15

 

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1205

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web