ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: موضوعات عربية بأقلام أرمنية
تحالفات الأضداد

2010-06-26 06:25:16

بقلم آرا دمبكجيان

 

إقتبستُ العنوان في أعلاه من كتابٍ صدر في السبعينيات من القرن الماضي في بغداد إلّا أن مقالي هذا لا يمتَّ الى ذلك الكتاب بصلة، لا من بعيد و لا من قريب، ما عدا تشابه العنوانين.

 

أطلقَ العربُ على أرضِ العراق إسم (أرض السواد) لأن العرب تسمّي الأخضر أسوداً لأن الأخضر يُرى كذلك عن بُعد، و منه سواد العراق لخضرةِ أشجارِهِ و مزروعاتِهِ من نخيلٍ و غيره.

 

أرضُ السوادِ هذه أشبَعَتْ، كما هو مذكورٌ في كتب التاريخ، ثلاثين مليوناً من البشر في عهد الخليفة هارون الرشيد، وأرضُ السوادِ هذه أشبعت عشرين مليوناً من العراقيين إضافةً الى أربعة ملايين من المصريين ومليوناً آخر من جنسياتٍ آسيوية مختلفة كانوا يعملون في العراق في السنوات الثماني من الحرب العراقية – الإيرانية عندما كان الشباب العراقي العامل المنتج (يدافع عن البوابة الشرقية للأمة العربية)، وعندما كانت قدرات الدولة كافة تخدم الحرب و تدير عجلتها... أرضُ السوادِ هذه التي تحوي ذهباً أسوداً في باطنِها بكمياتٍ هائلة أكثر من مجموع ما تملكُهُ دول الشرق الأوسط من هذه النعمة الإلهية لشعب العراق الذي سينتج نصفَ الإنتاج العالمي من النفط عندما تنضب معظم آبار النفط في العالم.

 

لم يُخطئ العرب بتسميتهم العراق بأرضِ السواد ... سوادُ الخضرةِ على سطحِها، وسوادُ الذهبِ في باطنِها...

 

وبسببِ حسدِ الناظرين من "الأخوة والأشقاء" في العنصر والدين والمذهب تحوَّلتِ النعمةُ الى نقمة...

 

وبسببِ سوء إدارةِ الحكام دفَّةَ الحكم في عراقِ الخير، تحوَّلت اللقمةُ الهنيئة الى سرطانٍ قاتل في أحشاءِ الشعب...

 

وبسببِ طمعِ الطامعين من قوى الإستعمارِ العالمي، أسْتُبْدِلَ الذهبُ الأسود بحديدِ السلاح الذي صدأ على طولِ الحدود الشرقية والجنوبية للعراق، فعمَّ الفقرُ أرضَ السواد وانتعشَ الإقتصاد الإستعماري، أي كان، لإستمرار دوران عجلاتِ مصانعِها لإنتاج السلاح لقتال الجيران. فهرب "الأشقاء" بعد أن جفَّ الضرع ولم يعد ينتج ديناراً صحياً مقابل الدولار السليم دوماً.

 

في تلك الظروف الصعبة ترك خمسة ملايين من العراقيين أرض السواد الطيبة والخيِّرة للبحث عن الأمان ولقمة الخبز الحلال من أرصفةِ الساحة الهاشمية في عَمّان الى شواطئ إندونيسيا والفليبين واستراليا، ومن دول القارة العجوز وزمهرير شتائها وجبال تركيا وشطآن اليونان الى أمريكا الجنوبية حتى تيوانا المكسيكية على الحدود مع الولايات المتحدة، بعد أن أغلق "الأخوة والأشقاء" الحدود في وجوههم.

 

آخ يا عراق...

 

تحالف الأضدادُ على خرابِ أرضِ السواد. و كما قال أبو علي  البصير (ت 251 هج)

 

ولكنَّ البلادَ إذا اقْشَعَرَّتْ       وصَوَّحَ نَبْتُها رُعِيَ الهشيمُ

 

تحالفَ الطامعون من أشقاءٍ وغرباء في تحالفاتٍ مريضة ضدَّ العراق...

 

إنغمسَ في وحلِ التحالفاتِ الكثير من وعّاظِ السلاطين و أصحاب الفتاوي الكاذبة الذين يعيِّنهم أولياء الأمر برسومٍ جمهورية أو إراداتٍ ملكية سامية أو فرمانات همايونية لتكفيرِ أو تقديسِ هذا أو ذاك، وهم يمارسون ممارساتٍ خطيرة لها أثرها المدمِّر على حياة الشعوب المقهورة.

 

فقبيل الغزو الأمريكي وعشيَّتهِ تحالف الأضدادُ مرّة أخرى ضد أرض السواد. فكان أحد زعماء منظمة دينية من غزة ينصح النظام العراقي على إتباع أسلوب التفجيراتِ الإنتحارية ضد القوات الأمريكية في تحالفٍ مريب بين إسلامي و علماني. وما الذي جعل مناضلاٍ إسلامياٍ يقودُ تنظيماٍ دينياً في لبنان يدعو الى مصالحة بين رأس النظام في العراق والمعارضة العراقية غير الخوف على مصالح سياسية ستضيع بضياع الأول وعلى أمل إستمرار تحقيقها مع الثاني في المستقبل ضارباً عرض الحائط مصالح العراق وشعبه...

 

هؤلاء كانوا ثوريِّي العراق العلماني والإسلام السياسي في تحالفٍ ملتبس.

 

أصبح السلام العالمي هدفاً سياسياً وليس مطلباً إنسانياً يعمل الجميع من أجلِهِ في تلك الأيام من نوال الزغبي ورغدة ومحمد صبحي وعلي الكيمياوي وبوتين وشيراك وشارون وتوني بين اليساري المخرف ونخبة من يساريينا واسلاميينا وقوميينا الأشاوس!!

 

كيف يستقيم للثوري أو المتديِّن أن يرفع عقيرتَهُ بالصراخ ضد جبهة ويصمُت عن جبهةً أخرى يتوقع منها كسباً مادياً وسياسياً في الوقت الذي يتَّهم الآخرين على أنهم يكيلون بمكيالين؟!

 

و في تلك الأثناء أعلن مجمع البحوث الأسلامية بالأزهر الجهاد ضد الأمريكيين والبريطانيين ووصفَ الحرب الدائرة في العراق أنها "حرب صليبية"، ثم عاد المجمع وأصدرَ بياناً جديداً تراجع فيه إثر الإعتراضاتِ عليه من عدة دوائر سياسية ومنابر دينية قائلاً في البيان المعدًّل أنه لم يكن يقصد المسيحيين في البيان الأساس!! هل كانت الغاية ضرب عصفورين بحجر واحد، أم تحالفاً للأضداد ضد العراق من جهة واللعب على حبل الطائفية من جهة أخرى؟

 

يحضرني قول شاعرٍ نجفي في هذا المجال:

 

    أحذروا يا ناس قوماً      تخذوا الدين بضاعة

    أظْهروا للناس زهداً      و هم للدينِ باعة

 

من حقِّ العراق أن يسمّي أعداءه بأسمائهم، صغاراً كانوا أم كباراً. فما كان الدافع آنذاك وراء تلك التحالفات المريبة مع النظام العراقي رغم إدِّعاء الكثيرين أنهم ضد "الدكتاتورية"؟ كانت إدِّعاءات الحكومة الفرنسية حول معارضتها لشنِّ الحرب ضد العراق نابعة من خوفها على حياة العراقيين الأبرياء كذباً وافتراءاً. كان السبب الحقيقي يكمن في الطموح الفرنسي لقيادة جبهةٍ أوروية مقابل الهيمنة الأمريكية. وأما سبب المعارضة الألمانية للحرب فكان دور الشركات الألمانية القوي في تسليح العراق بالسلاح الكيمياوي والبايولوجي، وخشي الألمان كشف أسرار شركاتهم من جهة ومن جهة ثانية تقوية دورها في قيادة الإتحاد الأوروبي ضد الطموح الفرنسي في المجال نفسه.

 

وتحالف الأضداد ضد العراق...

 

وأما اليسار الغربي التقليدي والفوضويون الغربيون واليسار الشرقي التقليدي والارهابيون والإسلاميون المتطرفون، أي تحالفات الأضداد كافة، جمعهم إحساسٌ مشتركٌ ضد أمريكا...عند هؤلاء أمريكا هي البلد الذي يكرهونه على الرغم من أن الكثيرين منهم هربوا من دكتاتوريات بلدانهم ووجدوا الملاذ الآمن في أمريكا، أمريكا الإمبريالية، أمريكا المهيمنة على العالم، و جميعهم خائفون منها في قرارات أنفسهم المريضة.

 

حتى أمريكا نفسها، فكان موقفُها نابعاً من مصالحها في حماية وصيانة أمنها القومي والإسترتيجي...ويحتلُّ النفطُ العراقي أولى الأولويات في حساباتِها المستقبلية.

 

تحالف الجميع ضد الضحية، العراق وشعبه، وليس ضد النظام الحاكم، أي كان، وسيكتشف هؤلاء خطل معتقداتهم وتصوراتهم. لقد رأينا قبل الحرب وفي أثنائها كيف أن الإعلام العربي المسيَّر ساهم بدورِهِ في ذبحِ العراق والعيش على جراحه.

 

في خطابٍ ألقاهُ في جامعة برنستون في 23 أيار 1953 ذكر السفير السابق أدوين لوك:" الدكتاتورية شرٌّ لا بد منه للمحافظة على الإستقرار و التقدم في الشرق الأوسط."، و لعل هذه العقلية الإستعمارية كانت صحيحة قبل ستين سنة حين نصبَ كل حاكمٍ نفسه دكتاتوراً فوق سدةِ الحكم عبر الإنقلاباتِ والثوراتِ ثم إذعان الجميع للدولة خانعاً وصاغراً.

 

يقول الشاعر علاء الجويهل: "في العراق، علّمنا الله أن  نُضَمِّدَ جراحنا، ليس لنشفى، بل لنُهَيِّأ في الجسد مساحة لجرحٍ آخر." فهل هذا مصير العراق وشعبهِ؟

 

تكالبت قوى الطامعين على العراق منذ عشرات القرون وخرج في كل مرة من تحت رمادِهِ كطائرِ الفينيق في الوقت الذي وَلَّت تلك القوى الشريرة واختَفَت في طيّاتِ صفحاتِ التاريخ، وبجهود أبنائِهِ من الشرفاء سيخرج ثانية لعنفوان الشباب المتجدد دوماً بطبيعتِهِ المُحِبَّة للحياة.

 

وصدق الشاعر الملا عبود الكرخي في مُعَلَّقتِهِ "المجرشة" حين قال:

نصبر على الحصرم غصب

لا بد و إن ناكل عنب

ميصير دوم مغَيِّمة

هم ربَّك يصحِّيها...

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1182

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web