ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: شخصيات أرمنية من خارج الوطن العربي
السينمائي سيرغي بارادجانوف في ذكرى وفاته العشرين

2010-06-23 18:17:19

السينمائي سيرغي بارادجانوف في ذكرى وفاته العشرين"الجمال والتفرد والحرية التي لا تحتملها الإيديولوجيات. فنياً، هناك عدد قليل من الأشخاص في العالم القادرين على استبدال بارادجانوف. إنه مذنب، مذنب لفرديته. ونحن مذنبون لعدم تفكيرنا فيه يومياً ولفشلنا في اكتشاف أهمية هذا المعلّم".

أندريه تاركوفسكي عن سيرغي بارادجانوف

 

ريما المسمار

 

سيرغي بارادجانوف (1924-1990) سينمائي وفنان سوفياتي أرمني، ابتدع أسلوباً سينمائياً خاصاً به. ولكن بسبب من خروجه على قوانين الواقعية الإشتراكية- كشكل من اشكال الفن الواقعي الذي ساد الاتحاد السوفياتي ودول شيوعية أخرى لأكثر من نصف قرن- ومغامراته الابداعية ومواقفه الجدلية، مُنع بشكل شبه مستمر من قبل السلطات السينمائية السوفياتية من صنع الأفلام. وعلى الرغم من انه بدأ مسيرته السينمائية في العام 1954، إلا انه تبرأ لاحقاً من كل أفلامه التي أنجزها قبل العام 1964 واصفاً إياها بـ "القمامة"، إذ شهد ذلك العام ولادة تحفته السينمائية "ظلال اسلافنا المنسيين"  المعروف ايضاً بعنوان "جياد النار البرية" في البلدان الأجنبية).

 

بعده، حاز بارادجانوف شهرة عالمية وتحوّل في الوقت عينه عدواً للنظام ما أدى إلى منع معظم أفلامه ومشاريعه بين 1965 و1973 العام الذي شهد اعتقاله بتهم ملفقة كالإغتصاب والرشوة والمثلية الجنسية. بعد أربع سنوات من الإعتقال، خرج من دون ان يتمكن من إنجاز فيلم حتى منتصف الثمانينات ـ بعد اعتقاله الثاني في العام 1982 ومن ثم إطلاق سراحه بعد أقل من سنة ـ حيث أنجز فيلمه الاشهر "اسطورة قلعة سورام" ومن ثم أشيك كيريب قبل وفاته بعامين بسرطان الرئة. فمن هو هذا المنسي الأكبر في تاريخ السينما؟

 

قليلون هم "شهداء" السينما، ربما لحسن الحظ. اليوم، وباستثناء بلدان قليلة مازالت تمارس القمع على سينمائييها، معظم الرقابة على السينما مصدرها إقتصاديات السينما. ولكن في زمن روسيا السوفياتية، كان الإخراج السينمائي مهنة قد تهدد حيوات أربابها، على ما يؤكّده لنا مثال سيرغي بارادجانوف ومسيرته التي انتهت قبل عشرين عاماً فقط، ومع ذلك تبدو تجربته الحياتية سحيقة والسينمائية خارج المألوف والمتناول في آن معاً. في أواخر الثمانينات، مع ظهور اولى بوادر تطبيق سياسة غورباتشيف الداعية الى الانفتاح والشفافية والعلنية (سياسة جلاسنوست في مؤسسات الدولة)، تحوّل بعض السينمائيين من "المغضوب عليهم" في الفترة السابقة حاملي ملامح الإصلاحات الجديدة. مخرجون مثل إيليم كليموف وألكسندر أسكولدوف استعادوا مكانتهم وتم إحياء أفلامهم الممنوعة. وفي العام 1988، استطاع بارادجانوف ان يسافر خارج بلاده للمرة الاولى حيث احتفى به مهرجان روتردام السينمائي. ولكن بخلاف زملائه الذين اكتشفوا أو أعيد اكتشافهم في تلك المرحلة، لم يكن بارادجانوف مجهولاً. بل إن إدراك مكانته وإن على نطاق ضيق يعود الى العام 1964 عندما اعتُبر فيلمه "ظلال أسلافنا المنسيين" أحد عوامل انطلاق فكرة "موجة سوفياتية جديدة" في السينما، مع باكورة اندريه تاركوفسكي "طفولة إيفان". والواقع انه كان للأخير تأثير بالغ على إعادة اكتشاف بارادجانوف لنفسه كسينمائي. وهو تأثير اصبح لاحقاً متبادلاً وأرضية لصداقة متينة بين الرجلين. عن تأثير تاركوفسكي وفيلمه الأول فيه، يقول بارادجانوف: "تاركوفسكي الذي يصغرني بعشرة أعوام كان معلّمي ومخلّصي. كان أول من استخدم صور الأحلام والذكريات ليقدم المجاز والرمز في "طفولة إيفان". تاركوفسكي ساعد الناس على فك مغاليق المجاز الشعري. من خلال دراسة تاركوفسكي والتنويع على اسلوبه، أصبحت اقوى. لم أعرف قبلها القيام بأي شيء وما كنت لأنجز شيئاً لولا "طفولة إيفان."

 

عملياً، أدى ذلك التأثير ببارادجانوف الى تغيير مساره السينمائي بشكل جذري، نابذاً ما كان قد أنجزه بين 1951 و1962 من أفلام قصيرة وروائية ووثائقية يصل عددها الى سبعة أعمال. ولكن تحوّله ذاك كان في نظر "النظام السينمائي" القائم أخطر من باكورة تاركوفسكي. ففي حين اشتغل الأخير على صنف سينمائي قائم اي افلام الحرب العالمية الثانية، مستبدلاً البطولية التي سادت تلك الافلام بصوغ الايام الأخيرة لبطله من خلال أحلام الأخير وهواجسه، ذهب بارادجانوف الى قرية أوكرانية في جبال الكربات ليقدم قصة حب قروية على غرار "روميو وجولييت"، مصحوبة بموسيقى فولكلورية ورقص وأزياء إثنية فضلاً عن الانتقام الوحشي. كيف يمكن لحكاية من هذا النوع ان تُعتبر تهديداً للنظام؟ هنا لا بد من العودة الى فكرة الواقعية الاشتراكية وليس  الواقعية التي أرساها النظام الاشتراكي جزءاً من سياسة الحكم كشكل فني رسمي أوحد (ودعائي)، مهمته تعزيز أهداف الاشتراكية والشيوعية. وكان من مغبات ذلك رفض كل الأشكال الفنية والتعبيرية السابقة للثورة البولشيفية (1917) كالتعبيرية والتكعيبية وسواهما في وصفها "فناً بورجوازياً منحطاً". في السينما، طُبق النموذج ايضاً فكانت النتيجة أعمالاً تتمحور حول السياسيين السوفياتيين والثورة والانسان الجديد في ظل الاشتراكية وغيرها. بارادجانوف لم يضرب عرض الحائط بتلك القوانين الفنية وحسب، بل انه قارب "محرمات" السينما السوفياتية من خلال موضوع بقاء التقاليد القديمة واستمرار تأثير السحر في حياة الفلاحين، فضلاً عن إحيائه شبح القومية الراقد داخل الامبراطورية السوفياتية الذي كان ستالين (المولود، كما بارادجانوف، في جيورجيا) يكتمه بيد من حديد.

 

ومهما كانت الاختلافات بين تاركوفسكي وبارادجانوف، فإن كليهما كان المؤشر على ولادة تعبير بصري جديد في السينما السوفياتية. وتضافر ذلك، لدى الجمهور الأجنبي، مع الاكتشاف المتأخر لفيلم أيزنستاين الأول "إضراب" المنجز عام 1925 من دون ان يكون متاحاً حتى أواخر الخمسينات، والخروج المؤجل لفيلمه الأخير "إيفان الرهيب الجزء الثاني" في الوقت نفسه تقريباً.

 

وفي حين بدت حقبة تولي نيكيتا خروتشيف رئاسة مجلس الوزراء ومنصب السكرتير الاول للحزب الشيوعي بين منتصف الخمسينات ومنتصف الستينات "واعدة" لجهة توسيع هامش الحريات، دحض خلفاؤه الآمال بسلسلة من المحاكمات والمنع، ذهب ضحيتها الأولى فيلم تاركوفسكي الثاني "أندريه روبليف"" الذي انتهى العمل عليه عام 1966 ولكنه لم يعرض حتى العام 1971. على خطاه، سار بارادجانوف في فيلمه التالي "سايات نوفا" أطلق عليه لاحقاً اسم "لون الرمان" باعثاً شخصية مثقف آخر من الماضي البعيد هو الشاعر الغنائي الأرمني "سايات نوفا" (وتعني "ملك الغناء")، مقدماً حياته من خلال الصور والألوان والشعر من خلال لوحات حية متتالية ومع ممثلة واحدة (الجيورجية سوفيكو شيوريلي) لعبت ستة أدوار. ولكن الفيلم وبعيد اكتماله في العام 1969 مُنع من العرض داخل الاتحاد السوفياتي وخارجه لعقد كامل. وبين 1969 و1970 رفضت خمسة من مشاريعه ظلّت حبراً على ورقق. بعد عامين، ظهرت نسخة معدلة من "سايات نوفا" بعنوان "لون الرمان"، أقصر بعشرين دقيقة وعرضت في صالات موسكو لأسبوعين فقط.

 

خلال هذه الفترة، تجاورت أسطورة بارادجانوف المتنامية مع الفضائح. أدى اعتقاله في العام 1973 خلال انتقاله بالقطار من موسكو الى كييف، ومن ثم محاكمته في 25 نيسان 1974 بالسجن خمس سنوات في مخيم عمل في أوكرانيا، على خلفية مجموعة من التهم الملفقة (من بينها المثلية الجنسية والإباحية والإتجار بالفن والمضاربة بالعملات والتحريض على الإنتحار)، الى احتجاج عدد كبير من السينمائيين والكتاب والشعراء الأوروبيين الكبار، لم يخلُ من الحيرة. هل كان اوكرانياً او جيورجياً او ارمنياً؟ هل كان مثلي الجنس بالفعل ما سبب اضطهاده؟ أو ضحية تشهير النظام السوفياتي؟ مسألة جنسية بارادجانوف، او عرقه، كانت محيرة بالنسبة الى العالم ذلك انه ولد في "تبليسي" (الاتحاد السوفياتي)، بدأ مسيرته المهنية في أوكرانيا، أنجز فيلمه " ظلال اسلافنا المنسيين" بلكنة اوكرانية غامضة، بينما قدم "لون الرمان"باللغة الأرمنية. وكأن بارادجانوف كان على علم بذلك الإرتباك فصرح مرة قائلاً: "أنا أرمني، وُلدت في تبليسي، سُجنت في سجن روسي بسبب وطنيتي الأوكرانية".

 

بعد خروجه من المعتقل، لم يسمح له بصنع الأفلام، فالتجأ الى النحت والكولاج والرسم التي كان قد مارسها خلال فترة السجن. وبعد فترة سجن ثانية في العام 1982 لستة أشهر، خرج بارادجانوف وفي نيته هذه المرة العودة الى السينما. حينها، كانت القيود قد خفت، فأنجز عام 1984 في جيورجيا "اسطورة قلعة سورام"، الذي جاء بعد 15 عاماً من الإنقطاع عن السينما متزامناً مع وهن بارادجانوف الصحي بسبب من السنوات التي أمضاها في المعتقل في ظروف غير صحية. وكما أهدى السينمائي فيلمه السابق "لون الرمان" للشعب الأرمني، جاء "اسطورة قلعة سورام" هدية لبلده الام جيورجيا. حكايته الشعبية دارت حول البحث عن بطل للذود عن الوطن الأم، ووصلت ذروتها في مشهد البرج المشيد من اللحم البشري والدم، كوسيلة وحيدة لحماية الأرض من الهجوم.

 

فيلمه الأخير في العام 1988 لم يرقَ الى مستوى سابقيه. عن قصيدة للشاعر ميكايل ليرمونتوف، كان "أشيك كيريب"، حكاية مغني أعراس فقير، يتوجب عليه إثبات نفسه ليتزوج من ابنة رجل ثري. أهدى بارادجانوف هذا الفيلم الى تاركوفسكي والى "كل الأطفال في العالم". ورأى فيه كثيرون مجازاً لمسيرته السينمائية التي همّشها النظام السوفياتي.

 

لم يمهل الموت بارادجانوف لإنهاء مشروعه الطموح "الإعتراف"، اذ توفي يوم 20 تموز عام 1990 في يريفان عن 66 عاماً. في العام التالي، أقيم في يريفان متحف دائم باسم السينمائي والفنان، يتضمن أكثر من مئتي عمل له فضلاً عن بعض اثاث منزله في تيبليسي وأصبحت أفلامه متاحة للعرض في المهرجانات الدولية والبرامج الاستعادية. كذلك أصدرت "كينو آي" في العام 2008 مجموعة "دي.في.دي" تضم أفلامه الأربعة الاساسية بين 1964 و1988 فضلاً عن بعض الافلام القصير له او عنه.

 

اليوم وبعد عشرين عاماً على وفاته، ثمة من يعتقد ان بارادجانوف هو ضحية إما تقليل الشأن وإما تعظيمه. ذلك ان اهتمامه بالكيتش والثقافة الشعبية وفرا له الأرضية لابتكار صور وألوان تناقض أسس الواقعية الاشتراكية المسطحة والبسيطة. وهناك من يعتبر ان شخصيته الابداعية منبعه ذلك الالتصاق والععجاب بكل ما هو فطري وبدائي ومن ذلك فيلمه القصير عن الرسام الجيورجي البدائي نيكو بيروزماني (نظير هنري روسو الجيورجي) عام 1985. ولعل التشابه حاضر هنا في صنع الفن بتواضع وسحر وبساطة.

 

المستقبل، بيروت، 11 يونيو 2010

http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=413397

 

بعض الأسماء الواردة أعلاه باللغتين العربية والإنكليزية:

ظلال اسلافنا المنسيين: Shadows of Our Forgotten Ancestors

جياد النار البرية: Wild Horses of Fire

اسطورة قلعة سورام: The Legend of Suram Fortress

أشيك كيريب: Ashik Kerib

طفولة إيفان: Ivans Childhood

إضراب: Strike

إيفان الرهيب الجزء الثاني: Ivan the Terrible Part II

سايات نوفا: Sayat Nova

لون الرمان: The Color of Pomegranates

الاعتراف: The Confession

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1093

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web