ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: ذكريات
دير القديسين سيرجيوس وباخوس في معلولا

2010-08-03 21:49:20

دير القديسين سيرجيوس وباخوس في معلولابقلم آرا  سوفاليان

 

في صيف العام 1982التمّ شمل الثلاثي آرا  سوفاليان وفؤاد حلياني وعمار الحاج درويش والثلاثة من خريجي كلية الاقتصاد والتجارة فرع المحاسبة وتم الاتفاق على الذهاب في رحلة إلى  معلولا.

 

ومعلولا بالنسبة للأسمين الأول والثاني معروفة ومطروقة مئات المرات، ومجهولة تماماً بالنسبة للاسم الثالث، هذا الاسم الذي تم ضمه إلى  شلتنا مع الاحترام المطلق المتبادل للعقائد والأديان وهي بنظرنا أمر شديد الخصوصية ومتعلق بكل إنسان على حدة  ولا نقف عنده بالمطلق ولا يهمنا أبداً.

 

ومنذ بداية حياتنا الجامعية كنّا تآلف متفاهم، وكان عمار مثلي من طلاب السنة الأولى في كلية الاقتصاد والتجارة، شعرت بأنه مهذب ومحترم ومختلف فتم التعارف على عجل وتبادلنا رقم الهاتف، وانتظرت حتى المساء لأتصل به ودارت المحاورة الآتية مع السيدة والدته.

 

ـ مرحباً أنا آرا  سوفاليان صديق عمار في الجامعة أريد التحدث معه إن كان موجوداً.

 

ـ أهلاً وسهلاً أنا والدته حدثني عمار عنك أرجو أن أتشرف بلقاء حضرتك في منزلنا... تركت عمار منذ قليل يتحدث مع والده ، أرجو أن تبقى على الخط سأذهب لأناديه.

 

يا ساتر!!! ماذا حدث لي !!! هل هناك هلوسة في الموضوع!!! هل أنا أهلوس، أو يتهيأ لي أشياء تحدث وهي لا تحدث!!! مع أني لا أتعاطى مطلقاً غير المحاسبة والأدب والموسيقى ولا أتعاطى أي شيء أصيل أو هجين و بالمطلق !!! وحتى التدخين فأنا لا أدخن!!! فما هذا الذي يحدث!!!

 

لقد حدثتني والدة عمار بلغة أرمنية فصحى وبكلمات مختارة تستخدمها النخبة، وبلهجة الـ SPURK  المفخمة وهي لهجة المغترب... ووالدة عمار الحاج درويش، مسلمة وزوجة الوزير السابق والمستشار الأستاذ هشام الحاج درويش نائب رئيس محكمة النقض الحالي ومستشار أمير دولة الكويت صباح السالم الصباح السابق، وصاحب المجلدات التي لا تزال مراجع قيمة في القانون المدني السوري.

 

ورفع عمار سماعة الهاتف ودار الحوار الآتي:

 

ـ هل أمك أرمنية؟

 

ـ لا أبداً.

 

ـ ما هو اسمها؟

 

ـ تماضر الحاج درويش.

 

ـ ما هي كنيتها قبل الزواج؟

 

ـ الحاج درويش

 

ـ كيف نفس الكنية؟

 

ـ لأنها ابنة عم والدي وكنية أهلها مثل كنية أبي ... الحاج درويش... وأصلنا من أريحا ـ ادلب؟

 

وبعد أول زيارة لبيت عمار، تم التعرف إلى  السبب فزال العجب، وتبين أن والدة عمار هي ابنة أحد المتنورين وهو الأستاذ القاضي شكري مصعب الحاج درويش وهو كبير قضاة حلب في أواخر العهد العثماني مروراً بعهد الانتداب الفرنسي، وكان قد عهد بابنته إلى  دير راهبات الأرمن الكاثوليك في حلب، ودرست هناك وتعلمت الأرمنية وأرسلها والدها فيما بعد لدراسة الطب في فرنسا فأقامت في دير الراهبات الأرمن في باريس بتوصية من رئيسة دير راهبات الأرمن في حلب و بطلب من والدها الذي كان يثق براهبات الأرمن ولا يرضى بأي مكان آخر بديل لإقامة ابنته في فرنسا.

 

وكان عمار يذهب معنا إلى  كنيسة الأرمن وغيرها من الكنائس القريبة، ويحضر الحفلات الموسيقية وحفلات الكورال ومرة طلبت أن تتم دعوته لحضور حفل عشاء  أقيم تكريماً لعناصر الفرقة الموسيقية التي كنت أقودها وكنت في ذلك الوقت أهتم بالموسيقى وأمارسها كمحترف وبشغف غير طبيعي.

 

أما فؤاد حلياني فكان جاهزاً  دوماً للذهاب إلى  أي مكان وخاصة إن كان الموضوع زيارة دير أو كنيسة بشرط أن لا يتعارض التوقيت مع تمارينه الرياضية ومبارياته في كرة اليد وكان بطل على مستوى سوريا ويلعب مع نادي النداء في القصاع.

 

اتفقنا أن نلتقي في ساحة العباسيين وفي تمام الساعة السابعة من صباحات  أحدى أيام الخميس من شهر آب اللهاب، وجاء عمار يصحب شقيقه عزام وهو اليوم من أفضل أطباء الولايات المتحدة في التشريح المرضي وله أبحاث طبية باسمه.

 

اجتمع هذا الثلاثي المتآلف الذي تحوّل إلى  رباعي بامتياز صباح يوم صيفي قائظ وتوجه إلى  قرية معلولا في ميكرو باص فيات من طراز الهوب هوب وهو صناعة سورية من حيث الصندقة فقط.

 

في معلولا صعدنا إلى  دير القديسة تقلا وكنت أحمل كاميرا زينيت روسية فيها فلم آكفا ألماني أسود وأبيض والتقطت بعض الصور على طول الرحلة، ووصلنا إلى  مقام القديسة تقلا الذي يتم الصعود إليه  بواسطة درج عالي ومتعب.

 

وغادرنا الدير لدخول الفج وهو ممر صخري منفلق نتيجة أحدى الانهدامات الجيولوجية، وهو ممر يضيق ويتسع، ويسمح بمرور بضعة أشخاص وفيه بعض المغر وأماكن تتقعر فيها الصخور جهة اليمين لتتحدب من جهة اليسار وكان الفج يومها في أسوأ أحواله تطوف فيه مياه نهر متسربة من نهاياته تشكل ساقية غير متجانسة تسير بعشوائية  من الوسط ومن الجوانب، تنتشر فيها مخلفات عنز الجبال والقاذورات وورق الصندويش هنا وهناك، وعبارات الذكريات على الجدران الصخرية الأثرية... بعضها مكتوب بدهان السيارات وبعضها بأقلام الفحم وأقلام الشمع وبعضها الآخر بالقشط والحك وهذا أسوأ الأنواع.

 

ولم يتحسن وضع الفج الآن بعد مرور 28 سنة على الزيارة المشار إليه ا في غرة هذه المقالة، الذي يمشي فيه كبار السن من السياح الأجانب، الصغير يسند الكبير دون أن يتم هذا العبور بدون كسر أو فكش أو خلع غير ولادي أو رض.

 

ولو كان الأمر بيدي لأغلقت هذا الفج في غير مواسم السياحة وأمرت ببناء حاجز أسمنتي مبطن باللدائن يمنع تسرب ماء النهر إليه  ليصار بعد ذلك إلى  تبليط أرضه بالرخام الروزيه اللامع  ووضع مساند نحاسية يستند إليها  كبار السن عند اجتيازه على أن تتم إضاءته ليلاً بالفلوريسنت الملوّن وحتى الفجر وتخصيص دورية من الشرطة السياحية تتولى تكسير أيادي من تسول لهم أنفسهم إتحاف جدرانه بسخافاتهم من كتابات وذكريات وغراميات وقلوب وأسهم تخترق القلوب وفي الصميم، وكل العلاك المدعّم بالكشط والحك.

 

وبعد ذلك سيجتاز هذا الممر الذي يتمتع بصفة دينية ويقدم مورد سياحي لا يستهان به للبلد وبالعملة الصعبة، كل كبار السن من السياح الأجانب الذين تنقلهم البولمانات السياحية إلى  معلولا دون أن يقع أحد أو تنكسر قدمه فيدعوا لنا على هذا الانجاز الحضاري بدلاً من أن يدعو علينا!

 

المهم: بالعودة إلى  العام 1982 وبعد أن عبرنا الفج اقترح فؤاد أن نذهب لزيارة دير القديسين سيرجيوس وباخوس ويبعد هذا الدير مسيرة عشر دقائق عن نهاية الفج... ولم يسبق لي أن سمعت بهذا الدير أو زرته وكنت أعتقد أن هناك دير واحد في معلولا وهو دير مار تقلا.

 

وصلنا إلى  الساحة واستقبلتنا بحرة ماء عذب ولكن ساخن... فشربنا من منهلها ثم دخلنا الدير ودخلنا كنيسته القديمة حيث تبين أن هناك كنيسة أقدم منها تقع تحت الكنيسة الرئيسية ودخلنا المتحف ثم قاعة المقتنيات وفيها الصور والتحف اليدوية وهناك صادفنا كاهن اهتم بنا وأطلعنا على الهيكل في الكنيسة وأخبرنا وبالشرح المستفيض عن بدايات التبشير بالنصرانية في المكان وعن قصة هذا الدير منذ البدايات عندما كان معبد سري تحت الأرض  يؤمه النصارى للصلاة، ونشر العقيدة، وحدثنا عن الاضطهاد الذي تعرض له المسيحيين الأوائل من قبل الرومان وقياصرتهم وأخذنا إلى  الهيكل ودلنا على الأطاريف،  وطرق النحت والنقوش التي كانت سائدة في ذلك الزمان وأخبرنا عن المتحف وبعض اللقى التي عثر عليها وكانت الأساس أو نقطة البداية لإنشاء المتحف، وصعد بنا إلى  غرفة راعي الدير حيث شربنا القهوة وبعدها قدم الكاهن نفسه على الشكل الآتي:

 

ـ أنا الأب ميشيل زعرورة راعي دير القديسين سيرجيوس وباخوس هنا في معلولا أرحب بكم كضيوف كرام وأعزاء، ثم أشار بيده إلى  عمار الذي قال له: أنا عمار هشام الحاج درويش وهذا أخي عزام، فأشار إلى فؤاد الذي بادره بالقول أنا فؤاد حلياني... فسأله الكاهن عن البطريرك حلياني العائد لطائفة السريان الكاثوليك والذي كان يشغل هذا المنصب في بدايات القرن الحالي والذي تم تكريمه بإشادة تمثال لشخصه تم تثبيته في باحة المطرانية في حارة الزيتون بدمشق فأجابه... هذا شقيق جدي... فنظر الكاهن باتجاهي وأشار بيده فقلت: أنا آرا  سوفاليان ... فقال لي: أنت أرمني؟ ... قلت نعم... قال: كل الأرمن سيئين.

 

قلت يا ساتر.... هل أخطأوا  بحقك أيها المحترم؟  قال: نعم قلت: كلهم؟  قال: ليس بالضبط  قلت: هل تحب أن تحدثني بالموضوع أيها المحترم؟ ... قال: نعم... قلت: تفضل.

 

قال: اعلم يا بني أن لهذا الدير أهمية بالغة ويجيء إليه الناس من أطراف الأرض وتنبع أهميته من أهمية مؤسسيه وهم القديسين سيرجيوس وباخوس الذين نشرا الدين المسيحي في المنطقة وهناك الكثير من التضحيات والكثير من الشهداء الذين قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل نشر كلمة الله ودعوة الحق ولم ينجح أحد في ثنيهم عن طريق الحق على الرغم من ممارسة أقسى صنوف الاضطهاد من رميهم في حلبات المصارعة مع الأسود الجائعة أو قتلهم بحد السيف أو إحراقهم وهم أحياء.

 

وأنا كتبت مخطوط بسيط يقدم نبذة عن انتشار المسيحية في هذا المكان كتبت فيه عن تاريخ الدير وفن عمارته وطرازها وكتبت عن القديسين والدعوة لنشر الدين الجديد والانعتاق من الوثنية، ومراحل بناء الدير والإصلاحات والتجديدات والمنحوتات وزخارف الهيكل والبوابات والمقتنيات، واضطهادات الرومان وعذابات المسيحيين، وكان الهدف من هذا المخطوط ترجمته إلى أغلب لغات العالم وتسجيل كاسيت لكل لغة على حدة  لوضع هذا الكاسيت وإذاعته أمام الضيوف فأنا أملك الآن نسخة بالانكليزية وأخرى بالفرنسية والاسبانية والألمانية واليونانية والسريانية والتركية والروسية والجيورجية ففي العام الماضي زارنا قداسة بطريرك الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية المقدسة والوفد المرافق فوضعنا الكاسيت الروسي في المسجلة واضطلع قداسته وبشكل موجز ومفيد على كل ما أردنا أن نقوله له...

 

وبعد أسبوع واحد زارنا وفد مرموق من الكنيسة الأرمنية فوقفنا حيارى ونحن لا نعرف الأرمنية وهم لا يعرفون الانكليزية ولا الفرنسية وكان الموقف محرجاً للغاية.

 

وكنت قد عملت الحساب لكل المواقف إلاَّ أن يزورنا وفد من الكنيسة الأرمنية فلقد كان هذا الاحتمال بعيد ومع ذلك فلقد كنت أطلب من زوار الدير وبمجرد أن أعرف أنهم من الأرمن كنت أطلب منهم أن يترجموا هذا المخطوط ويسجلوه بصوتهم على شريط كاسيت وكنت أتلقى الوعود ويأخذون النص العربي ولا يعودون.

 

نظرت إلى الأب ميشيل زعرورة وقلت له: أيها السيد الموقر اليوم هو الخميس ونحن في فترة الظهيرة وأطلب من حضرتك مهلة 24 ساعة لإتمام هذا العمل... ولكن ما هو المقابل؟

 

قال لي: إمكانات الدير متواضعة فأنا لا أعدك بأكثر من زجاجة نبيذ من نبيذ الرهبان المعتق والموجود في القبو... قلت له: لا يكفي أيها المحترم... قال: قلت لك أن إمكانيات الدير بسيطة...

 

قلت: لم أفكر بأي بدل نقدي... قال: ماذا تريد إذاً؟  قلت: اعتذار...  قال: عن أي شيء؟  قلت: عن عبارة كل الأرمن سيئين!

 

قال: سأفعل... قلت وقبل أن تستلم الكاسيت... قال ضاحكاً ... إن عدت حضرتك إلى هنا.

 

وبمجرد وصولي إلى  الشام اتصلت بالسيدة آراكسيا مهديسيان (مقدسي بالعربية) وهي والدة صديق لي وزوجها هو الصديق الأوحد لوالدي وهي امرأة نقية ومتدينة وتقرأ الإنجيل بالأرمنية في كنيسة الأرمن وترتل مع كورال الكنيسة ولم يسبق لها أن تغيبت عن حضور قداس يوم الأحد على الإطلاق... فهي مرجع رائع يحفظ الكتاب المقدس غيباً وأعطيتها فكرة عن الموضوع وطلبت منها أن تستقبلني على الفور فقبلت... واستقبلتني ضاحكة فلقد كنت أحمل في يداي الكتاب المقدس بالعربية والكتاب المقدس بالأرمنية وجهازي تسجيل واحد للإذاعة والثاني للتسجيل، والنص المخطوط وأوراق وأقلام وشرائط كاسيت مليئة وأخرى جديدة وشرائط كهرباء وما إلى ذلك.

 

قالت لي: هل يحتاج الأمر لكل هذه الأشياء... قلت نعم سيحتاج فأنا مختص بالأعمال الكاملة.

 

وجلسنا لأجل الترجمة فعرفت لماذا تلقى الأب ميشيل زعرورة الوعد تلو الوعد وهرب الجميع بعد ذلك... كنا أمام كارثة حقيقية لأن كل أسماء القديسين لها مقابلات في الإنجيل الأرمني ولكن أين؟ وكان البحث شاق ومضني ومروع تحت طائلة الحصول على ترجمة مهزوزة ولا تليق.

 

وعملت السيدة مهديسيان بمنتهى البراعة وبيدها الإنجيل الأرمني وبيدي الإنجيل العربي وكنت أذكر لها الحادثة المتعلقة باسم القديس في الإنجيل العربي فتجد المقابل بالأرمني، وكانت المقابلات المتعلقة بفن النحت والعمارة الكنسية في الفترة المعنية وللغة الأرمنية شيء صعب ونادر الوجود، وتأخر بنا الوقت وصارت الترجمة جاهزة، وعند ذلك وضعت في جهاز التسجيل الأول كاسيت موسيقى أرمنية لآرام خاتشادوريان ووضعت شريط فارغ في جهاز التسجيل الثاني واتفقنا على أن تقرأ السيدة مهديسيان وتتوقف حسب حركة يدي وكنت أضع يدي اليسرى على المسجلة التي تذيع الموسيقى فأرفع الموسيقى وأخفضها وأشير بيدي للسيدة مهديسيان بأن تتابع القراءة... والصمت يعم المكان، وانتهى العمل وأخذت الشريط الماستر ووضعته في جيب قميصي وحملت أغراضي لأضعها في سيارة والدي وودعت عائلة مهديسيان الذين ذهبوا إلى النوم.

 

في البيت أعددت أربع نسخ اثنان للأب زعرورة ونسخة لي ونسخة ثانية للسيدة مهديسيان ونظرت من شباك نافذتي وراقبت انبلاج الفجر بعد أن سرقني الوقت، فذهبت لإعداد القهوة وكتبت رسالة لأهلي وانطلقت إلى  الكراجات واستقليت ميكرو باص معلولا.

 

وفي دير القديسين سيرجيوس وباخوس كان الأب ميشيل يصلي وانتظرته في باحة الكنيسة وجاء باتجاهي والبسمة تعلو وجهه وصافحني وأعطيته الشريطين وطلب مني ان اتبعه إلى  المكتب ووضع الشريط في جهاز التسجيل وسمع التقديم بصوت السيدة آراكسيا مهديسيان ثم أصغى إلى  موسيقى خاتشادوريان ونظر باتجاهي وقال: ليس في الأرمن سيئين... ويبدوا أنني كنت أطلب من الناس شيء لا يقدرون عليه... أما أنت وهذه السيدة فيبدوا أنكم أصحاب اختصاص.

 

ودعاني إلى مائدة الفطور وكانت مائدة متواضعة تحوي الجبن واللبنة والزيتون وإبريق الشاي وخبز التنور... فتناولت بمعيته طعام الإفطار... وشربنا القهوة... وودعته وبيدي زجاجة النبيذ المعتق ولم أعد أراه مطلقاً... فلقد جئت مرتين وكان في لبنان.

 

وكنت في كل مرة أذهب إلى  معلولا أزور دير القديسة تقلا ثم الفج ونسيت دير القديسان سيرجيوس وباخوس ولم أنس الوقت الذي أضعناه مثلاً للبحث عن مقابل لأسم القديس سيرجيوس في الإنجيل الأرمني وأعمال الرسل ليتبين بعد جهد مضني أن القديس سيرجيوس هو القديس سركيس شفيع الأرمن.

 

ومضى على الحادثة 28 سنة وجئت أزور معلولا مع زوجتي وأولادي، وكانت زوجتي تتحدث مع الصغيرتين قائلة: أن أول زيارة لكنيسة لا يعرفها الإنسان تفرض عليه أن يصلي ثم يطلب من الله أمنية قد يحققها الله له، وسنذهب اليوم لزيارة دير القديسين سرجيوس وباخوس وهذه الدير تدخلونه أنتم لأول مرة فأرجو أن أعرف ماذا ستطلبون من الله؟

 

قالت الكبيرة: سأطلب لأبي وأمي دوام الصحة والعافية وأن يبقينا هكذا أسرة صغيرة متحابة ومتآلفة.

 

أما الصغيرة فقالت سأطلب من الله أن يعيد لنا خالي من السفر لأرى جدتي سعيدة ولو لمرة واحدة فقط.

 

دخلنا الدير والكنيسة والمتحف وفي قاعة التذكارات تحدثت إلى الفتاة التي كانت تجمع التبرعات وتبيع بعض الصور والتذكارات وحدثتها عن قصة الكاسيت وترحمنا معاً على الأب ميشيل زعرورة فلقد علمت وبعد سنة من وفاته بأنه فارق عالمنا الفاني في العام 2003 ... نظرت الفتاة في وجهي وقالت: مهلاً لا تغادر ... وبحثت عن الكاسيت فوجدت نسخة منه في علبة مكتوب عليها وبخط الأب زعرورة عبارة النسخ الأرمنية ويبدوا أنها نسخ معدة للإهداء... لقد عثرنا على الكاسيت الذي خبأه الأب زعرورة لي طيلة 28 سنة، في حين أضعته أنا وأضاعته السيدة آراكسيا ولم نعثر عليه كلانا رغم كل المحاولات.

 

وطلبت من الفتاة أن تضعه في المسجلة فوضعته وانساب صوت السيدة آراكسيا مهديسيان بهدوء وثقة  ولم استطع أن أقاوم دموعي وصار الكاسيت في جيبي حيث يمكنني الآن أن أعمل منه نسخة سي يدي أعطيها لصديقي الذي يعنّ على باله سماع صوت أمه التي توفيت حديثاً ولا بد أن يفرح كثيراً عندما يعلم بأنني استطعت الحصول على هذا الكاسيت المسجل بصوت أمه بعد أن قطعنا الرجاء كلينا (أنا وهو) من إمكانية العثور عليه، رحم الله الأب ميشيل زعرورة المسيحي بالقول والعمل والذي أبى إلاّ وأن يترك ذكرى غالية تجلت في أعماله وانجازاته وعلى قدر طاقته في خدمة الكنيسة والمسيحية.

 

"طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله"

 

هذه المقالة مهداة لروح الأب الجليل ميشيل زعرورة راعي دير القديسين سيرجيوس وباخوس في معلولا...

 

دمشق في 30/07/2010 ميلادية.

 

آرا  سوفاليان

Ara  Souvalian

arasouvalian@gmail.com

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1809

 
التعليقات المرسلة:
القديس سيرجيوس
2010-08-18 01:20:42 | Raffi
الف شكر لأرا سوفاليان. أنت قريب من القلب.


الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web