ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: ذكريات
مذكرات خليل سليم سماوي (1901 – 1935 م)

2011-02-27 02:35:03

د. هند أبو الشعر

 

نخصص هذه الحلقة لقراءة ما دونه خليل سليم سماوي عن فترة الحرب الكونية الأولى ( 1914 – 1918 م ) وكان عندها فتى يافعا انكسر طموحه في استكمال تعليمه في إحدى المدارس العليا ببلاد الشام، في حين أنه لم يفقد الرغبة في التعليم وظل يداوم على كتابة مذكراته اليومية والتي وصلتنا بدقة وإتقان.

 

إعلان الحرب الكونية

 

(أعلنت الحرب الكونية العامة في أربعة أنحاء المعمورة حتى أدى الأمر لإغلاق المدارس والفبارك والكنائس والمعارف وكل الأعمال لانهماك العالم في التجنيد و الحرب) هذا ما كتبه خليل سماوي مختصرا ما مر به العالم من ويلات، ومع أنه استطرد للحديث عن فشل آماله وضياع حلمه بالدراسة ودخول عالم العلم الواسع، إلا أنه أفرد صفحات للحديث عن أسباب نشوبها ووصف أحوال بلاد الشام بالتفصيل، فقد كان شاهد عيان في كل من فلسطين وسوريا، ومع انه بالغ أحيانا، لكن ما أورده يؤشر على الصورة التي سمع بها الأهالي أو رأوها في زياراتهم لكل من فلسطين ودمشق وبيروت، وهو ما سنتناوله من زاوية الرؤية التي عرضها خليل سليم سماوي.

 

الحالة بفلسطين في الحرب الكونية العامة

 

اختصر خليل سماوي الحال في فلسطين أيام الحرب بقوله: بأن جميع أهالي فلسطين استدعوا للجندية إجباريا، فتعطلت الأشغال ووقفت حال التجارة وعم الجوع و الغلاء البلاد حتى لم يبق ما يتقوتون به، ولا توجد أعمال، فما كان من الأغنياء الذين أموالهم في المصارف والبنوك إلا أن تعطلت دراهمهم وأغلقت البنوك أبوابها... ومصانعهم تعطلت وتجارتهم وقفت، فبيعت الأثاث والرياش في قصورهم الفاخرة بأبخس الأثمان، وفعلا فقد نزل بسوق المباع جميع ما يملكونه من حلي ورياش وأثاث حتى لم يبق بأيديهم شيئا، فعمدوا إلى الأراضي والقصور يبيعونها ويرهنوها بثمن بخس. وقد وصف خليل سماوي حال الناس بفلسطين، حيث يبدو البؤس واليأس على وجوه الناس من كل الأعمار، بسبب المجاعة الشديدة وطالت الأوضاع الصعبة حال النساء الحرائر، وعلل خليل سماوي سوء الأحوال إلى سوء معاملة الحكومة وتضييقها عليهم.

 

شرقي الأردن في الحرب العالمية الأولى

 

تؤكد المذكرات بأن الأحوال في شرقي الأردن وإن تكن سيئة، لكنها لم تكن بمثل حال سوريا وفلسطين، ولا أدري كيف استنتج خليل سماوي بأن شرقي الأردن تمتعت بامتيازات خصوصية ...! وأنه لم يكن هناك تجنيد ...؟ وبنى معلومته تلك على أن أهالي شرقي الأردن يعيشون بشبه بادية وأغلب سكانها من البدو الرحل الذين لا تنطبق عليهم هذه القوانين ...! وهذه المعلومة ليست صحيحة على الإطلاق، فقد شارك جيل بحاله من أبناء قرى لواء عجلون حسبما رصدنا ذلك بدراسة (إربد وجوارها) ونجحنا بتتبع الأعداد التي احتج عليها الأهالي، وأوردنا أسماء المجندين الذين لقوا حتفهم في ميادين القتال وألقيت جثث بعضهم في البحر الأسود ... وبالتأكيد فإن البعض دفعوا البدل العسكري، لكن الدولة كانت قاسية جدا في تطبيق قانون التجنيد الإجباري وفي تتبع (الفراريين) من الذين رفضوا التجنيد، ومن هنا ازدادت حالات الهجرة للتهرب من المشاركة في حروب الدولة العثمانية الخاسرة والمؤلمة، ممن سبقوا خليل سماوي في الهجرة إلى المكسيك وتشيلي والبرازيل والولايات المتحدة الأمريكية بكل تأكيد. وقد لاحظ خليل سماوي بأن شرقي الأردن أصبحت ملاذا لجميع (المتضايقين) من سوريا وفلسطين.

 

أشارت المذكرات إلى المعاناة التي عايشها أولاد العرب ما بين سنتي 1914 و 1918 م مما لا يستطيع بشر تصوره على يد الطاغية أحمد جمال باشا الذي كان حسب المذكرات ينتقم من أولاد العرب، كما ألغيت الامتيازات الأجنبية وسافر القناصل إلى بلادهم، وتم إغلاق الكنائس التابعة لرئاسة البابا في روما، في حين ظل أتباع المذهب الأرثوذوكسي يتمتعون بالحرية، وربما كانت ملحوظة خليل سماوي دقيقة، فقد كانت الدولة العثمانية تعقد حلفا دائما مع الكنيسة الأرثوذوكسية وتعتبرها الكنيسة الوطنية وتقف إلى جانبها مقابل التشدد مع الإفرنج والكنائس الكاثوليكية .

 

مذبحة الأرمن عام 1915 م

 

أبدى خليل سماوي تعاطفا واضحا مع المهاجرين الأرمن الذين أقاموا في أراضي الفحيص ووصف بؤس حالتهم بألم ظاهر، وذكر المذبحة بطريقة تقشعر منها الأبدان، وصاحب المذكرات عايش الأرمن وتعلم منهم وسمع رواياتهم المؤثرة، ورآهم وهم جياع وحفاة وعراة بعد أن تم تهجيرهم، ووصف تجمعهم بكل قرية يلوذون بها من الخوف والجوع وقد أدى هذا الحال ببعض فتياتهم للزواج من أبناء المناطق التي ينزلونها لحفظ حياتهن من شدة الجوع و الإعياء، وكانت مجموعة من المهاجرين الأرمن نزلت في أملاك أهالي الفحيص شمالي القرية في أحد الكروم التي تكثر فيها أشجار التين الباسقة، وأخذوا يزاولون أعمالهم اليدوية بمهارة معروفة عنهم ومنها مهنة الإسكافي، والتي بدأت معها مشكلة صاحب المذكرات الذي أغلقت أبواب العلم بوجهه بإصرار.

 

فوجد والده الذي أعجب بإتقان المهاجرين لهذه الحرفة مخرجا لابنه الحدث الذي يحبه ويريد له مستقبلا مأمونا ، فتشارك مع أحد المهاجرين من الأرمن ليعلم ابنه الصنعة رغما عن إرادته .

 

عام الجراد في الأردن (1915 م)

 

يبدو أن هذا العام الثاني من أعوام الحرب الكونية الأولى كان من أقسى الأعوام على الأهالي، فقد عاث الجراد في أراضي بلاد الشام ومنها شرقي الأردن بشكل غير مسبوق، حيث أكل الأخضر و اليابس، ويذكر خليل سماوي أن كبار السن أكدوا بأنهم لم يروا من قبل في جميع سني حياتهم جرادا بمثل هذه الكثرة، حيث يخيل للناظر أن السماء تمطر جرادا و الأرض تنتج جرادا بدلا عن القمح والشعير، ويبدو أن الجهات الرسمية (الحكومة) اتخذت احتياطات عظيمة لمكافحة الجراد، لكن الجراد لم يترك البلاد إلا بعد أن أكل الزرع وأفني الغطاء الأخضر، فكانت سنة 1915 م من أقسى السنوات على الأهلين. وقد رحل الجراد في أواخر شهر أيلول وترك وراءه الجوع و المعاناة.

 

حرفة الإسكافي والحزن الكبير

 

مع رحيل الجراد في أيلول من عام 1915 م توطنت مجموعة من الأرمن المهاجرين في الفحيص، وكانوا قافلة مكونة من أسر مهاجرة هاربة وهم بحال تفتت الأكباد حفاة عراة وأحمالهم على ظهورهم، فتبعهم جمع غفير من أهالي الفحيص ، وكان والد صاحب المذكرات من بينهم، فراقب مهارة المهاجرين الأرمن الذين عرفوا بدقة أعمالهم اليدوية ومن بينها صناعة الأحذية، فجال بخاطره أن يعلم هذه الصنعة لنجله الثاني (ولده الحبيب المدلل) ليضمن مستقبله، فاستقدم جماعة الأرمن واتفق معهم على شراكة مشروطة بان يعلموا ابنه الصنعة، وقد قبل الأرمن ذلك بكل سرور، في حين أصيب الصبي بضربة قاضية دمرت آماله الجميلة وأحلامه بالعلم والدراسة. وقد اغتنم خليل سماوي هذه المناسبة المحزنة على قلبه، ليكتب عن رأيه في تدخل الآباء بمستقبل الأبناء، وعن تأثير هذا السلوك على شخصيات الأبناء الذين يحترمون إرادة الأب ويفضلون الموت على العصيان، ويبدو أن الصدمة التي تلقاها خليل والتي طعنت أحلامه في الصميم، رمته صريع المرض فأصابته حمى ألزمته الفراش طويلا، لكنه ما أن شفي حتى عاد إلى المهنة التي لم يقم باختيارها ولم يحبها والتي فرضها عليه والده عن حسن نية، فعاد حزينا كئيبا إلى العمل، وانكفأ على نفسه لا يجد صديقا ولا من يعزيه، وأخذ يكتب مذكراته اليومية سرا وهو في أحلك لياليه وأقساها، مع أنه في عز تفتح العمر.

 

الحزن يجيء مبكرا

 

قضى خليل سماوي سنوات 1915 وحتى 1917 م في حزن لا مثيل له، إذ اعتبر نفسه ضحية، وجعل عنوان الصفحات التي تناول فيها هذه السنوات بعنوان (الضحية) ووصف نفسيته التي تحول فيها من فتي وقاد الذكاء ضحوك الوجه، إلى فتى يري في نفسه ضحية العادات الاجتماعية والتقاليد.

 

المصدر: "الرأي"، عمّان، 12 فبراير 2011 (مقتطف)

http://www.alrai.com/pages.php?news_id=384878

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1798

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web