ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: بحث عن أقارب
هايزواق بزديكيان وفضاءات الأمل...

2011-06-11 00:56:37

آرا سوفاليانبقلم آرا  سوفاليان

 

بعد 96 سنة، والبداية الأولى كانت في العـ1915ـام،  بدأت من جديد قصة هايزواق بزديكيان، وهايزواق اسم أرمني أصيل معناه بالعربية (الفتى الأرمني)، وكنية الأسرة عريقة ومعروفة وهي بزديكيان ومعناها (الصغير) ويُكتب الاسم بالفرنسية على الشكل الآتي:Hye Zavag  Bezdigyan  الذي خرج من دورت يول الواقعة إلى الشمال من اللواء السليب الذي لا نعرف اسم آخر له غير لواء اسكندرون، خرج مع من تبقى من أهله وعمره لم يكن ليتجاوز التسع سنين، وتركهم على طريق الإبادة في الأودية والجبال والسهول والغابات وعلى شواطئ الأنهار والبحيرات وعلى المفارق كجثث هامدة، وهو لا يعلم بأنه سيكون الوحيد الباقي على قيد الحياة من عائلته الكبيرة التي بدأت بالتلاشي منذ اللحظة التي قرر فيها العثمانيين من جماعة الاتحاد والترقي جعل الأرمن أثر بعد عين وتمت مصادرة بلدهم وأقضيتهم وقراهم ودورهم وبساتينهم وكروم العنب وشجر الفواكه والزيتون، وزرعهم وضرعهم ومحارثهم وثيرانهم وعرباتهم ومالهم وحلالهم ونسائهم وذهب نسائهم، وأطفالهم بعد إبادة شبابهم في حروب السلطنة العبثية وفي مصادمات خطوط المواجهة والتقابل أو الالتحام القريب مع العدو بهدف إفنائهم ثم تحويل من تبقى منهم إلى كتائب السخرة، ليحفروا فيما بعد قبورهم ظناً منهم أنها خنادق دفاعية، ويتم قتلهم بإطلاق النار على ظهورهم بيد رفاق السلاح وتغييبهم في قبورهم الجماعية ليفارقوا الوطن والحياة ويلثموا تراب أرمينيا لثمة المفارق الذي يعرف بأنه لن يعود أبداً.

 

كان لهايزواق بزديكيان ثلاثة شقيقات مارغريت وسزا وهايكانوش وأخ يخدم في الجيش العثماني، وذهب ككل شباب الأرمن ذهب ولم يعد ولا بد أن والدة هايزواق بزديكيان كانت تخشى أن تفارق دورت يول خشية أن يعود شقيق هايزواق بعد الحرب إلى دار أهله فلا يجدهم ولا يجدوه حيث يضيِّع كل طرف أثر الطرف الثاني، دون أن تعلم بأنها هي بالذات سيتم اقتلاعها وأهلها وصغارها ولن تعود بالمطلق وأن ابنها الذي كان يخدم في الجيش العثماني،  قد غادر هذه الحياة الفانية قبلها بكثير، ليبقى أمل أوحد وهو أن تقابل هذه الأم المفجوعة ولدها وكل أسرتها فيما بعد أن تقابلهم جميعاً  في السماء حيث يتربع ملك العرش الأعظم على عرشه فلا يظلم عنده أحد.

 

سار هايزواق في جملة السائرين ودخل سوريا واجتاز شمالها من الغرب حيث لواء اسكندرون السليب إلى الشرق حيث مقابر الأرمن في رأس العين والقامشلي والحسكة، ولا تعرف الأهوال التي مرّ بها ولا عدد المرات التي نجّاه الله فيها من القتل المحقق، وهو الطفل الذي لم يتجاوز التسعة سنين، ولا يعرف من أعانه ومن الذي قدم له كسرة الخبز وشربة الماء ليبقى على قيد الحياة، واعتنت به قبائل عربية من البدو، واجتازوا به سوريا إلى جهة الشرق ووجد نفسه في تلعفر قضاء موصل العراق، وأحبه من أشرفوا على تربيته وكبر الصغير صاحب التسع سنين في رعاية أهله الجدد وبرع في صناعة الطحين والمطاحن، شأنه شأن غالبية الأرمن الذين يحبون الصناعة والحرف ويرجحون كفتها أكثر،عن تلك التي تتضمن الزراعة ورعي الماشية، على الرغم من أنهم برعوا أيضا في الزراعة وتربية الحيوان، ولكنهم تركوا مسألة الرعي والترحال للقبائل التي كانت تعيش في تخوم أرمينيا الكبرى، ولا زال هذا التقليد دارجاً حتى اليوم.

 

اختار أهل هايزواق الجدد اسم جديد لهايزواق يلائم مناطقهم وهو يعقوب، وجرياً على سنن الحياة اختاروا  له نورا التركمانية الأصل فتزوجها ورزق منها بسعيد ويوسف ورغداء، ولأن الحياة ظالمة في الأصل فلقد اختار يعقوب اسماء عربية لأولاده لكي لا يثقل عليهم وليجنبهم ما آل إليه حاله، فتم وبدون ارادته قطع آخر خيط يصله بالأرمن، دون أن يعلم أن القدر كان يخبئ شيء آخر، ففي الخمسينات من القرن الماضي وصلته رسالة من شقيقته الصغرى مارغريت والتي ضاعت عنه وضاع عنها في ظروف الإبادة والترحيل وظن أنها قد فارقت هذه الدنيا الفانية، وصلته منها رسالة مكتوبة بالأرمنية تخبره فيها انها على قيد الحياة وأنها تعيش في أرمينيا السوفياتية وهي متزوجة وقد رزقت بأطفال.

 

وصلت هذه الرسالة إلى هايزواق وزلزلت كيانه، وصلت بطريقة لا يعرفها إلاّ الله فلقد كان خروج رسالة من دولة الستار الحديدي (الاتحاد السوفياتي) في ذاك الزمان ووصولها إلى المرسل اليه هو حدث يشبه المعجزات بل ويتفوق عليها، ولا بد انها وصلت بواسطة رجل دين ارمني عراقي يعرف هايزواق ويعرف قصته وقد قابل شقيقته عن طريق الصدفة في أرمينيا أو أن الرسالة وصلت مع أحد السياسيين العراقيين المسافرين الى معقل الشيوعية  في أزمنة العجب!

 

ويقصد بأزمنة العجب (أزمنة الانقلابات) في خمسينات وستينات القرن الماضي، والانقلابيون كلهم ثورويون واشتراكيون وتقدميون وتحرريون وقبلتهم التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وديدنهم الشيوعية ومعبودهم هو الاشتراكية، ويعاقبون بالاعدام لكل من تراوده نفسه فيتصل بالاتحاد السوفياتي او يرسل رسالة إلى هناك او يستقبل رسالة من هناك سواء كان من المواطنين العاديين او من السياسيين النجباء او من الضباط المقيدين أو الأحرار؟؟؟!!!

 

وبالتالي فإن هايزواق أو يعقوب تحلى بالشجاعة وردّ على الرسالة برسالة ووصلته رسالة جديدة ثم رسالة أخرى، ولا بد انه تنبه للخطر الذي كان يعرض نفسه له ويعرض أخته لما هو أشد باعتبارها مواطنة من مواطني الستار الحديدي، فتوقف هايزواق عن مراسلة أخته وأحرق الرسائل التي بحوزته وأضاع العنوان... وضاع منه الزمان ... واستند إلى شجرة جوز ضخمة في تلعفر كان يتفيأ في ظلها هو وزوجته وأولاده، وعاد ليتفيأ في ظلها هو وزوجته وأولاده وأحفاده ... كان يخاطبهم بالهمس فينصتوا له خاشعين وكان يقول:

 

في دورت يول حيث ولدت كانت هناك شجرة جوز عملاقة في أرضنا وكانت وارفة الأغصان ووارفة الظلال، نتفيأ في ظلها أنا وأبي قره بيت Garabed وقطيع كامل من الخراف يثغوا قربنا، كانت شجرة ضخمة تتوسط أرضنا التي تم تهجيرنا منها وابادتنا على الطرقات، أنا لست يعقوب وأنا بريء من هذا الاسم براءة الذئب من دم يعقوب، أنا هايزاواق، هايزاواق بزديكيان من دورت يول، من كيليكيا، وأبي أسمه قره بيت، وفي أرضنا ألف نبع ونبع وانهار وسواقي وأشجار وفواكه وثمار، ثلج ومشمش وكرز وتفاح وعنب ورمان، أنا أرمني وأصلي من هناك وأمي هي آخصوب آلتون كهيايان، وشقيقاتي مارغريت وسزا وهايكانوش، مارغريت على قيد الحياة اما أمي وأبي وأخي وأختي  سزا واختي هايكانوش فلقد قتلوا جميعاً هناك، وأختي مارغريت الشقراء الجميلة التي كانت تجمع لنا الأزهار، تعيش اليوم في ارمينيا، ولا أستطيع أن أضع قبلة على خدها الزهري الجميل.

 

حفنة من الرعاع هم ثالوث العار طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا السفاح من الدونما يحولون الهانئ إلى تعس، يهدمون اللذات ويشتتون الجماعات ويبيدون شعب بأكمله لمجرد مطالبته بالاستقلال والعيش بكرامة والتحرر من نير الاستعمار والعبودية التي امتدت لأكثر من أربعة قرون ويدمروا كل اوابده الأثرية وكنائسه وقلاعه بالديناميت، ويحطموا كل ما يذكر العالم به، حتى شواهد قبور أجداده، ويُحرم من العودة الى أرضه تحت طائلة الموت.

 

أنا لست يعقوب أنا هايزواق بن قره بيت بزديكيان وأمي آخصوب آلتون كهيايان كانت تطهوا لنا طعام آخر وتسقينا ماء آخر وتطعمنا خبز آخر ونساعدها في صنع كعك العيد، كعك عيد الفصح، أدفع روحي من أجل قضمة من ذاك الكعك المعطر والموشح برسمة الصليب.

 

اسمعوا جرس كنيسة قريتي، صوت جميل يداعب مسامعي، أنظروا إلى سرب الملائكة هذا، لقد جاء ليحتفي بي وينقلني للقاء الأحبة، وليأخذني إلى هناك إلى بلدي.

 

ويتم غسل جثمان يعقوب ويكفّن ويصلى عليه، ويوارى الثرى وتتحقق نبوءة الجلاد التي تُختزل في العبارة الآتية "ليعلم الأرمن أن الموت بالنسبة لهم هو الأقرب بكثير من العودة"

 

الزمان الشقي يعيد نفسه والتلفاز في مواجهتي يعرض جموع الشباب السوريين والفلسطينيين وهم يجتازون الأسلاك الشائكة المكهربة ويعبرون بإتجاه الأرض المحتلة وكلهم يدركون بأنهم قد يعودوا في أعراس شهادة وأكفانهم منسوجة من أجمل علمين علم سوريا وعلم فلسطين، والشهيد لا يتم غسله لأن جثمانه طاهر مطهر مغسول بدمائه القدسية فهذا هو الوطن، وما أجمل أن يكون صدرك العاري دريئة من أجل رفعته، ولا يعرف قيمة الوطن إلاّ من أضاعه.

 

وأسعد يعقوب من العراق الشقيق وشقيقه الدكتور حسين أحفاد هايزواق قره بيت بزديكيان  يستعجلاني لإنهاء هذه المقالة (النداء) التي تأخرت كثيراً بسبب سفر الشقيقين إلى تركيا ـ دورت يول، والبحث هناك عن بصيص أمل يرشدهم إلى أصولهم وجذورهم، في سجلات النفوس، وقد طلبوا إرجاء هذه المقالة التي تعتبر إذاعة بحث لحين عودتهم من دورت يول... وكنت قد أخبرتهم بأنهم سيعودوا بخفي حنين، لأنني لا أستطيع أن أتصور بأن منفذوا الابادة سيحتفظون بسجلات النفوس التي تحوي أسماء عوائل الأرمن القتلى وهي بالطبع سجلات تدينهم وتفضح جرائمهم، لن يحتفظوا بها ولن يعاملوها بأسمى آيات التبجيل والاحترام ويحتفظون بها لمئة عام قادمة كدليل إثبات على جرائمهم المروعة المرتكبة ضد الإنسانية، بل سيسارعون إلى التخلص منها وإحراقها لأنها أدلة إثبات جنائية لأحداث إبادة جماعية يندى لها جبين الإنسانية، وبالمثل فإن السيناريو نفسه يحدث في فلسطين ولا بد أن الصهاينة بذلوا أقصى جهدهم لمحو كل ما يمت بصلة للفلسطينيين، ولفلسطين ويذكّر بها وبهم، ولم يمضي زمن طويل على ريبورتاج تم عرضه في ذكرى النكبة، يعمد فيه المستوطنين الصهاينة إلى تدنيس مقبرة عربية فلسطينية تاريخية، ليذكروني بأناس وأحداث لا أحب أن أتذكرها، وليمر أمامي نفس السيناريو المقيت.

 

عاد أحفاد هايزواق قره بيت بزديكيان من دورت يول بخفي حنين وطلبوا مني الشروع في كتابة هذه المقالة (النداء) ولكني كنت قد فقدت ملكة الكتابة على الرغم من محاولاتي الكثيرة.

 

وفشلت في لملمة مشاعري وإخفاء فشلي فلقد كنت أعاني من كآبة قاتلة، وكان الضغط يزداد للشروع في كتابة المقالة وعندما سُئلت عن سبب التأخير قلت: أليست لديكم فضائيات في العراق فكان الجواب نعم لدينا فسألت: ألم يصل إليكم ما يحدث في سوريا قالوا نعم وقد احترقنا في هذا اللهيب من قبل ونتمنى لكم كل الخير، وليكن الله معكم ويعينكم ويبعد عنكم هذه الكأس.

 

وبقي أمامنا توجيه هذا النداء للبحث عن مارغريت وأولادها وأحفادها في يريفان وما جاور يريفان وربما في المغترب حيث سيترجم هذا النداء إلى الأرمنية والفرنسية والانكليزية ويرسل إلى  كافة المواقع الأرمنية التي تنشر لي في أرمينيا وفي المهجر والمواقع التي تنشر بالانكليزية والفرنسية والمهتمة بالشأن الأرمني في كندا وأميركا وإلى كافة  المواقع العربية التي تنشر لي على أمل الحصول على أية معلومات تساعدنا على بلوغ الهدف، يرجى المراسلة على العنوانين

 

1) ايميل حفيد هايزواق قره بيت بزديكيان السيد سعد يعقوب وشقيقه الدكتور حسين يعقوب ـ  في موصل العراق

femefeman@gmail.com

 

2) آرا  سوفاليان  كاتب هذا المقال

arasouvalian@gmail.com

 

ملاحظة: يرجى المساعدة في لم شمل أفراد العائلة المذكورة  ولمن يعرف أية معلومة تساعد في هذا الهدف ارسال رسالة  باللغة التي يريدها ... العربية او الأرمنية أو الأنكليزية او الفرنسية مع الشكر الجزيل لمن يساعد في مسح آثار اليد الهمجية وتضميد الجراحات لأننا جميعاً أخوة في الإنسانية.

 

الكاتب والباحث في الشأن الأرمني

آرا  سوفاليان

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:4228

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web