ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: تأملات
هيك وهيك

2011-08-07 12:43:06

بقلم روبير هاداجيان*

 

كانت زوجتي كعادتها تبحث عن نظاراتها، فهي تستخدم ثلاثة أنواع من النظارات، لذلك تبحث دائماً عن احداها. وتتساءل في نفسها: يا ترى، أي نظارة استخدمت؟ ومتى آخر مرة؟ وأين وضعتها؟ وكانت تتنقل في المنزل وتتكلم معي وتتفوه بكلمات أجد صعوبة في سماعها. أخيراً وجدت النظارة، واقبلت نحوي ضاحكة، وهي تقول: أنا لا أبصر جيداً، وانت سمعك ضعيف، فماذا نفعل؟ أجبتها ضاحكاً: لا تقولي هذا، بل قولي: أنت نظرك قوي وأنا أسمع جيداً، وهكذا بفضل الله، يكمل بعضنا بعضاً.

 

هذه طرفة طبعاً، وليست من المصائب الكبيرة، فإذا ضعف نظرك تستعمل النظارة، وينتهي الامر، وإذا ضعف سمعك تضع جهازاً لتقوية السمع، حتى إذا فقدت السمع فليست مصيبة، ففي الحياة مصائب وعاهات، يكفينا أن نتمكن من الابتعاد عنها.

 

أما بالنسبة الى موضوعي فهذا ليس بيت القصيد، انما أفكر في النظام الانساني الرائع المتمثل باستكمال الناس بعضهم البعض، وفي ذلك الترتيب الخارق لتجاوز عجز البعض منا، ونظام استكمال نواقص البعض أو الافادة من قدرات هذا أو ذاك في هذا العالم.

 

لنسأل أنفسنا: كم مرة نلاحظ في أثناء معايشتنا اليومية، أننا في كل دقيقة نستفيد من مزايا الغير، التي نفتقدها نحن، وفي المقابل يستفيد هؤلاء من المزايا التي نتمتع بها، ويفتقدونها هم؟

 

سبحان الله، الطبيعة الأم، هكذا خلقتنا، فما العمل؟ بعضنا يختلف عن البعض الآخر، ليس في الشكل والطباع فحسب، بل ايضاً في القدرات البيولوجية والمواهب والميزات الشخصية لكل منا. فالنجار يستطيع صنع طاولة جميلة أو كرسياً مريحاً، أما أنا فلا أستطيع استعمال المنشار، ولا دق مسمار. ولكن في المقابل استطيع تحرير جريدة، وممارسة الكتابة، وهذا طبعاً يبقى خارج نطاق قدرات النجار. أنا أكتب على الطاولة التي صنعها النجار، وهو يقرأ الجريدة التي أحررها، إذاً كل منا يكمل الآخر ويحتاج اليه. كما هناك طرف ثالث يحتاج بدوره الى طاولة النجار والى الجريدة معاً.

 

يا ترى! لو رغبت في بداية حياتي أن أصبح نجاراً، هل كنت استطعت؟ هل كنت تمكنت من صنع طاولة جميلة؟ كذلك النجار، لو كانت ظروف حياته مختلفة، أكان صار محرراً في جريدة، بدلاً من صنع الطاولات؟ الحقيقة، لا أعلم، لكن ما أعلمه ان الناس في بداية حياتهم توجههم أيدٍ خفية، الى اتجاهات محددة، ومن لحظتها يكون هذا الواقع هو ميدان حياتهم حصرياً. أما بقية الميادين فتتوزع على الآخرين، والمعروف ايضاً أن أحدنا يستطيع أن يكون شخصاً متخصصاً بمجال أو اثنين، لكن أحداً لا يستطيع أن يكون رجل جميع المحاور، أي أن أحداً لا يستطيع أن يكون كل شيء في هذه الحياة. أعتقد أنه يوجد في المعمورة قانون رائع، بموجبه تتوزع المهن بين الناس، وليس المهن فحسب، بل الجدارات ايضاً، لأن أصحاب المهنة الواحدة يختلف بعضهم عن بعض في القدرات والخبرات. فجميع النجارين ليسوا بالمهارة عينها.

 

هناك نجارون ماهرون، وهناك ذوو القدرات المتوسطة، أو العادية، فهل جميع النجارين يتمتعون بالذوق الفني والجدارة والقدرة؟ وهل من الممكن أن يكون جميع الناس بالحرفية ذاتها، ولا فروق بينهم؟ كما ان أعظم الناس جدارة وقدرة، لا يستطيع انجاز شيء بمفرده، بل يحتاج دائماً الى قدرات الآخرين ومساهماتهم. بمعنى آخر، أكان من الممكن لأي نجار ماهر ان يصنع طاولة بديعة، لو لم يكن هناك مهنيون آخرون زودوه الشاكوش والمنشار والمسمار والغراء، ووضعوا في تصرفه ادوات النجارة وموادها؟

 

زارني يوماً صديق وهو عازف بيانو موهوب ومشهور، فأهديته أحد كتبي فقبله بسرور بالغ، وقال: احسدكم سيدي، ليتني استطعت أن أكتب بهذه البراعة ايضاً. نظرت اليه مستغرباً، وتساءلت بسرور بالغ: أكان يمزح؟ انه عازف ماهر، وأنا منذ ستين سنة أسأل نفسي: كيف يستطيع انسان أن يستعمل اصابعه العشر كلاً بمفردها بهذا الانسياب واليسر على أزرار البيانو؟ وأتعجب، يا لهذه الموهبة الإلهية، ويا لمعجزة الامكانات!

 

إذاً هي معادلة بسيطة جداً نكتشفها. على أحدنا أن يعزف، والآخر يستمع. أحدنا يبصر والآخر يتبصر. أحدنا يستعمل قوة ذراعه، وآخر ذكاءه، وهذا ما يخلق العيش المشترك المتناغم في هذا العالم.

 

* صاحب ورئيس تحرير جريدة "مارمار" الأرمنية في اسطنبول.

 

ترجمة كيراكوس قيومجيان (الكويت)

 

جريدة النهار اللبنانية، بيروت، 07 أغسطس 2011        

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1290

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web