ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: صحافة
اغتيال الشهود

2007-02-01 01:42:53

بقلم خيري منصور 

 

يؤشر ارتفاع عدد الصحافيين من ضحايا حرية التعبير انخفاضاً ملحوظاً في بارومتر الحرية والشفافية في العالم، فبالرغم من الادعاءات والمزاعم بأن عصرنا هو الأرقى والأكثر تقدماً فإن واقع الحال يفتضح هذه الادعاءات، ومن يدفعون الثمن يومياً من الاغتيال والمطاردة والأسر الهمجي هم رجال ونساء قرروا أن يجهروا بالحقيقة، وأن يؤذنوا على قمم الجبال وليس في الجرار، لأن السيل تجاوز الزبى.

 

وما كان يتم في الخفاء وبعيداً عن الإضاءة من التنكيل العرقي، وشتى صنوف التطهير، أصبح الآن يمارس في عز الظهيرة ووضح النهار، والصحافي التركي الأرمني (هرانت دينك) ليس آخر القافلة، لأنه قال في لقاء صحافي إن المذابح التي مورست ضد الأرمن قد وقعت بالفعل، ولو ظفر قاتلو هذا الصحافي بالروائي باموك لأردوه قتيلاً أمام منزل أو في عند منعطف أحد الشوارع في المدينة التي أحبها، فقد ووجه باموك بعد فوزه بجائزة نوبل بحملة استنكار واسعة من الأتاتوركيين الذين ينظرون إلى مؤسس تركيا الحديثة باعتباره معصوماً، وغير قابل للنقد أو المراجعة، وكل ما هو مسموح ازاءه هو التمسح بتمثاله والاقتداء بمقولاته ومواعظه.

 

وقتل صحافي واحد في أي بلد من العالم هو بمثابة اغتيال رمزي للسلطة الرابعة كلها، بكل ما تعنيه في عالم يعج بالجرائم، التي يراد لها أن تكون كاملة وتسجل ضد مجهول! وقد لا يكون هذا الحوار غير المتكافئ بين المسدس والقلم جديداً، فهو من عمر المهنة ذاتها، لكن ما شهدته أيامنا هو افراط في الترهيب، ومجافاة شديدة للشفافية رغم الثرثرة التي لا تنقطع عنها وعن ضرورتها.

 

وما شهده العقد الماضي من اغتيال مراسلي فضائيات وصحافيين وشهود يفتضح تواطؤاً كونياً ضد الحقيقة خصوصاً في لحظات أزوفها حيث لا مجال لحجب الشمس بغربال حتى لو ضاقت ثقوبه أو سملت.

 

ويبدو أن كل مظاهر الاحتجاج والندوات الشاجبة لهذا الاغتيال لم تفلح في وضع خاتمة للدراما الصحافية، فالصحافيون لا يكتبون بالحبر الأحمر، ولا يوقعون على صحائف الإعدام، لكن أجسادهم تتحول في الطرقات وفي ميادين الحروب إلى مداد أحمر، وتكتب خواصرهم بنزيفها آخر مقالة أو آخر خبر شاء المتضررون منه حجبه عن الملأ.

 

وإذا كان المقصود بهذا الاغتيال ترهيب المشتغلين في هذه المهنة فإن النتائج ليست سارة لمن فعلوا ذلك أو حرضوا عليه، فالصحافيون  الأحرار تلقحوا بالموت ضد الموت، وبالخطر ضد خطر أشد، ولم ينقطع حتى الآن ذلك الخيط الحريري المضيء في نسيج العالم الذي كلما تقدم خطوة إلى الأمام وجد من ينقضون عليه ويحطمون عظامه كي يعود ألف ميل إلى الوراء.

 

إن من شاهدوا منابع الضوء لن يرتدوا عنها ومن توضأوا بحبرهم النظيف، لن يعتذروا لأوثان وطغاة وأباطرة، لكن المؤسف بحق هو أن الترهيب لم يعد حكراً على طاغية أو زمن سياسي فقط، فلكل أيديولوجيا الآن ترهيبها وبالتالي احتكارها للصواب، وامتلاك الحقيقة.

 

وإذا كان لمهنة الطب قسم خالد هو قسم أبو قراط الشهير، فإن مهنة الصحافة تحتاج هي الأخرى إلى قسم مماثل، شرط أن يكون بأسماء من قتلوا وطوردوا من أجل الحقيقة.

 

فنحن الآن نقف عند مداخل حقبة خلت من الكوابح واستبيحت فيها المحرمات، ولم يعد هناك من خطوط حمر على الاطلاق أمام الذرائعيين والكلبيين، الذين يقتلعون لسان الضحية كي تكون خرساء، ويتعقبون بالسم والبنادق العمياء من شاهدوا الجريمة.. وقرروا أن يشهدوا.

 

المصدر: جريدة "الخليج" الصادرة في الشارقة، 27 يناير 2007

http://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=347870 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1488

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web