ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: الواقع العربي
امبراطورية يعقوبيان

2007-05-11 17:12:53

بقلم خيري منصور 

 

الشهرة الاستثنائية التي نالتها رواية “عمارة يعقوبيان” والفيلم السينمائي المأخوذ عنها حجبت حقائق وثيقة الصلة بأكثر من نصف قرن من التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعمرانية في مصر والعالم العربي.

 

وما جرى لعمارة شيدها أرمني في القاهرة وفق تصور جمالي مستمد من مناخات أوروبية قد يكون هو ما جرى لمنطقة بأسرها.

 

الأكواخ التي شيدت على سطح العمارة للكلاب سكنها البشر وحولوها إلى حي شعبي يعج بكل ما يمكن لزقاق أن يفرزه من الشجون، الحب والكراهية وتجارة الجسد والأفخاخ التي تنتهك مصائر إنسانية.

 

فهل كانت عمارة أم امبراطورية؟ وهل يمكن إطلاق ممكنات الرمز على حقبة بأسرها؟

 

سؤال راودني مرتين، عندما قرأت الرواية وعندما شاهدت الفيلم بإحدى دور السينما المجاورة لعمارة يعقوبيان في شارع سليمان باشا في القاهرة.

 

وحين كنا طلاباً في قاهرة أواخر الستينات ونمر بتلك العمارة الأشبه بصندوق الأسرار لم نكن نتصور ان الزمن وعوامل التعرية ستحولها إلى ما يشبه الطلل.

 

باشوات، وهوانم، وخواجات، وعوالم حريرية كان حفيفها يصيب المارة بالدوار كل هذا تحول بواسطة عوامل التعرية الاقتصادية والاجتماعية الى ركام عشوائي، شأن حقبة كاملة من مد التاريخ وجزره، ومن صعود الأحلام الكبرى وانكساراتها المأساوية.

 

لكن كيف يمكن لعمارة بين مئات العمارات ذات الهندسة الفرنسية والايطالية، والممهورة بمزاج خديوي مأخوذ بالنقل ان تشغل الناس وتقيم الدنيا من حولها بعد ان تحولت إلى مجرد مكان فقد هيبته القديمة؟

 

بالطبع سيجد الأجانب الذين غادروا مصر بعد قوانين التأميم في هذه الرؤية عزاء خاصاً لأن يعقوبيان في نهاية المطاف حي أحد منجزات رأس المال الأجنبي في مصر.

 

ولسبب ما وجدتني بعد أن قرأت الرواية وشاهدت الفيلم أقرأ ما كتبه مؤلفون أوروبيون عن مصر الأربعينات والخمسينات، ومنها كتاب “نهب مصر”، الذي قدم صاحبه أرقاماً بالغة الدلالة والكارثية معاً حول امتصاص نخاع الفقراء المصريين.

 

وبإمكان أي قارئ للرواية أو مشاهد للفيلم المأخوذ عنها أن يرى ما يشاء، الباحث عن دغدغة الغرائز يجد مطلبه خصوصاً بعد ان تولت السينما إضافة تتبيلتها الخاصة، والباحث عن حجة إضافية لإدانة يوليو ومنجزاتها يجد ضالته أيضاً، والمستشرق قد يعثر على صيد ثمين أيضاً. وهناك أعمال أدبية تصبح أشهر من أصحابها، تماماً كما أن هاملت نافس شكسبير على شهرته لكن شهرة يعقوبيان الروائية والسينمائية من طراز آخر، وما كنت لأقف عندها لولا أن الذاكرة انفتحت على زمن لم يعد منه غير أطلاله.

 

فأنا أعرف عمارة يعقوبيان منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لهذا تسهل علي وعلى من يشاركني هذا الإحساس المقارنة، ويبدو أن إعادة إنتاج الماضي روائياً أو سينمائياً أو حتى على صعيد الخيال المحض أمر ينطوي على جملة محاذير فثورة يوليو لم تكن شراً خالصاً كما صورها المتضررون منها، ولم تكن يوتوبيا خالصة كما يعتقد الذين قطفوا ثمارها.. إنها حقبة كاملة، ولا يصح اختزالها إلا إذا استطعنا اختزال امبراطورية بعمارة وغابة بشجرة وقطيع غزلان بغزالة عرجاء واحدة.

 

المصدر: "الخليج"، الشارقة، 18 أبريل 2007

http://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=375148

 

 عمارة يعقوبيان

 

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:2475

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web