ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: مشاركات إبداعية من القراء
في رثاء هرانت دينك

2008-01-26 22:04:38

 

بقلم آرا سوفاليان

 

أيتها الورود البرية المتفتحة على شعاع الشمس الخجولة المحتجبة خلف السحب الرمادية... في تلك المساحات النقية من أرض السماء... حيث وعورة الجبال وإباء الصخر وهزيم الرعد... والهطل والماء الزلال والبرد والثلج والربيع والندى وأريج العطر الطيب.

 

أيتها الورود البرية الساحرة حيث أرض الأجداد والمجد الضائع والوطن السليب.

 

حيث صلت أمي على عتبات الأديرة وشفتا صغيرتي لثمت المجد في كتب التاريخ وشعبي مسح الدمع... مسح دمعك يا وطني.

 

نار الجلاد وسيوفه وحرابه وزبانيته وفؤوسهم في رأسي ومساميرهم في جبهتي ورماحهم في ظهري دفعوني قصراً للبحث عن أرض بديلة ووطن آخر... لم أراكَ يوماً ولم أنساك في كل الأزمان... وطني حيث الحارث مرسى سفينة نوح والحويرث مرسى الأنفس التي لا زالت تبحث عن الخلاص...  الأنفس الطاهرة التي أهدرت والأرواح الهائمة على وجوهها تبحث عن الطمأنينة الأبدية لتحظى بصلات جنائزية ترتاح بعدها من عناء التشتت والتهجير والإفناء والضياع وترقد بسلام.

 

بسنابك الخيول التي غرست في بطون الأطفال  عقروا البهجة وهتكوا البراءة وقطعوا الأيدي التي مدت نحوهم محملة بالأزهار خوفاً منهم واتقاءً لشرهم في باب الأبواب والدربند ومعمورة العزيز فقتلوا الطهر والطفولة وعقروا الإنسانية.

 

ببطونهم وأرحامهم وأفخاذهم وقبائلهم وخيولهم وقطيع مواشيهم والريح النتنة الصفراء أحياناً والسوداء في أغلب الأحايين المترافقة مع روائح القذارة والموت ومن أقاصي الشرق من بلاد التتار ومن سفوح بلاد المغول وسهولها وصلوا إلى أرمينيا فوصلوا إلى شرق الطهر وصلوا إلى شرق العرب والعرب شرق و اجتاحوا  بغداد  وسحقوا ناسها وأطفالها ورموا بمجدها وكتبها وخلاصة فكرها في دجلة والفرات وضاعت الصفحات وعليها خلاصة مجد الأمة في الماء  وتحول الماء إلى حبر أسود يحجب المهانة ويسود البربرية وضاعت الخلافة  العربية والى الأبد واصطنعوا خلافة على مقاسهم وقاسى العرب والشعوب الأخرى من هذه الخلافة وهذا المقاس.

 

بطل المآسي افتتح المآسي بطل المآسي تيمور الأعرج ومعه العرجان والعقبان أصلوا الشام نار حامية وهدموا أسوار دمشق وأحرقوا قلعتها وحاميتها واستباحوها ودرسوا أرضها بجثث أبنائها متشحين بقصة ثأرٍ  تاريخية مات شخوصها منذ أمدٍ بعيد ففوضوا أنفسهم للأخذ بالثأر والقصاص، وأخذوا بالثأر وأي ثأر حيث لم يبق من يفكر بالثأر من الثأر وفرغت دمشق من أبنائها واستقدموا لها أبناء جدد من الثغور والأمصار، فمن هم وكيف ورثوا حق المطالبة بالثأر وألف ملةّ لا تدنيهم من يعرب ولا قحطان ولا عدنان وتلونوا فكانوا تارة في جانب المطالبين بالثأر وطوراً في جانب دافعي الثأر ولم يفهموا العربية ولا فهمتهم ولم يحبوها ولا أحبتهم وشوهوها بغنتهم الأعجمية وافترسوها والناطقين بها وأعملوا فيها البطش والتقتيل وألهموا كتابها فكانت طبائع الاستبداد.

 

وكلهم نتاج هجمات القبائل المروعة الزاحفة باتجاه الغرب بحثاً عن مقومات الحضارة لترويعها وأهلها وبحثاً عن مقومات التقدم لهدمها، وأعملوا القتل والتقتيل وأضرموا الحرائق فوصلت ألسنة نارها إلى عنان السماء وتركوا الموت والرماد والخراب... وتحولت بلاد العرب إلى سلطنة وسناجق، سلطنة بيد الدخلاء...

 

والى بلاد الشام وسفر برلك ومئات الألوف الذين قضوا في الصحراء وأمام ترعة السويس بعد أن هلك نصف الجيش في سيناء من العطش ونقص الإمداد والتموين واستمرت جولات فرسان الموت حتى فرغت الشام من شبابها...

 

وكان قد فرغ "مجلس المبعوثان" العثماني من مناقشة مسألة الطرح الذي قدمه "الاتحاد والترقي" ومؤداه أن العرب أسهموا في تخلف الدولة العثمانية وصاروا عالة عليها وكان يدعوا إلى الطورانية والتتريك وتميز العرق التركي ورفعته دون سائر الأعراق المنضوية تحت لواء السلطنة العتيد وكان طلعت باشا هو حامل طرح الاتحاد والترقي والمدافع العنيد عن الفكرة السامية في مواجهة كل أعضاء "مجلس المبعوثان" وفي مواجهة شفيق المؤيد العظم حامل لواء الشام والعروبة وآمالها وأمانيها.

 

ونجح انقلاب الاتحاد والترقي وعين جمال باشا السفاح وزيراً للحربية وأرسله طلعت  ليبحث عن شفيق المؤيد العظم وعثر عليه في دمشق وضمه إلى قافلة الأحرار وكان يرقب حفلة الإعدام من شرفة مكتب المحامي البطل الشهيد شفيق المؤيد العظم في بناية العابد المطلّة على ساحة المرجة متخفياً جباناً.

وكان شفيق المؤيد العظم لا ينبث ببنت شفه ويوجه أقسى نظرات الاستخفاف للباشا...

 

ولعل جريمة الشعوب المنضوية تحت لواء الدم كانت التفكير في الخلاص فتحررت اليونان وشرق أوروبا وثار العرب وثار الأرمن واشتعلت نار الثورة من المغرب العربي ووصلت ليبيا ثم مصر التي وجدت نفسها في حضن صاحبة الجلالة التي لا تغرب عن مستعمراتها الشمس فتم شطر الوطن العربي إلى شطرين الأول هو الشطر الواقع إلى غرب ترعة السويس والثاني إلى شرقها وكان لا بد من إشعال نار الثورة في الشطر الشرقي.

 

وجاء آل هاشم من الديار المقدسة وشعابها... وتحالفوا مع عدو عدوهم وتولوا هذه المهمة النبيلة وهزموا الترك في خط مستقيم يبدأ من شعاب مكة وينتهي بسلسلة جبال الأناضول.

 

وقام الأتراك بإقحام الأرمن في آتون الحرب العالمية الأولى المتقد وشبابهم يخدم في جنبات الإمبراطورية من منطقة القوقاز في أقصى شمال شرق الإمبراطورية وفي مواجهة غير متكافئة مع الروس وقيصرهم وصقيعهم وثلوجهم وزحافاتهم وخيولهم التي الفت البرد، ولم يألف الجنود الأرمن العثمانيون غير العري والجوع، إلى منطقة البوسفور وشنا قلعة في أقصى غرب الإمبراطورية في مواجهة التحالف الأوروبي الروسي. وخدم شباب الأرمن تحت لواء إمبراطورية الدم.

 

فكان لا بد من اختلاق حرب حتى ولو كانت داخلية فلقد سنحت الفرصة لإبادة الأرمن وتشتيتهم واغتصاب أراضيهم ودورهم وقراهم وأموالهم وأرزاقهم ونساؤهم وأطفالهم.  وتم إيجاد مبرر وهو وجود وحدات من الأرمن المقيمين في روسيا القيصرية يحاربون الإمبراطورية تحت لواء القيصر. وتم اتهام أرمن تركيا بالخيانة لأنهم لم ينجحوا في ثني الأرمن الروس وتأليبهم ليحاربوا ضد قيصرهم.

 

وخرج الرعاع بالسيوف والمعاول والسكاكين والبلطات والفؤوس والغدارات وانتشروا كالجراد فلقد سنحت الفرصة لطرد وإبادة من بقي من الأرمن سكان آسيا الصغرى الأصليين وهدم كنائسهم وإحراق زرعهم ومصادرة بيوتهم وأراضيهم وأولادهم والجميلات من نسائهم أما شبابهم فلقد تمت إبادته بالكامل في خطوط المواجهة المتقدمة الأولى حيث يتلقى الجيش الضربات الموجعة، وقد تم في خطوات لاحقة جمع الناجين المتبقين وتجريدهم من السلاح وتحويلهم إلى كتائب السخرة ومن ثم إعدامهم في الصحراء... وسالت أنهار مروعة من الدماء من فان إلى سيرت إلى طرابزون إلى آربكير إلى ساسون إلى زيتون إلى موش إلى جبل موسى فخربيت (خربوط) إلى شابين كاراهيسار إلى آدرنا وأضنة وأنقرة ومرمرة وآجن وديكراناجيرد ودالفوريك وخنوس  وخاناسور ودارون وسيباستيا وأورفا وماردين وعينتاب وملاطيا وكيساريا  وكمشخانة ومرسين وسيس وأوسمانيا وهادجن، وقوافل وطرق إبادة مدماة تنتهي إلى المناطق الصحراوية من السلطنة في خطين رئيسيين مركز تجمع في حلب ومنه إلى أواسط البادية السورية عبر حماه وآخر في الصحراء السورية وتجمع خط رأس العين - مرقده - دير الزور.

 

 وهلك الناس في الطريق من الجوع ومن العطش ومن الحراس المرافقين للسوقيات الذين أعملوا بالناس القتل بعد الاغتصاب وفتحوا بطون الأطفال والنساء وأدخلوا العصي في أمعائهم بحثاً عن الذهب.

 

أو البيع للأكراد الذين بقروا بطون النساء والأطفال بحثاً عن الذهب أيضاً وبقروا بطون الحوامل كمحل للمراهنات السخيفة المتعلقة بنوع الجنين أنثى أم ذكر والذين ذهبوا بأجمل النساء إلى مضاربهم دون أدنى أمل في العثور عليهم بسبب عدم بقاء أحد من ذووهم على قيد الحياة ليسأل عنهم وتجمعت تلال من البقايا البشرية في الصحراء السورية وحوض دجلة والفرات وكانت مرقدة أعظم مسلخ للأرمن حيث حدثت حفلات إبادة مروعة لم يشهدها التاريخ... وتمكن البعض بفضل العرب من النجاة وأغلبهم من الأطفال الذين أضاعوا أسماؤهم وأهاليهم وشقيقاتهم.

 

 وصدرت الأحرف من آل هاشم الأحرف التي أعانت البقية الباقية من الأرمن فضمدت جراحهم وآوتهم بعد ضياع وأمنتهم بعد خوف وأطعمتهم بعد جوع وهي مكرمة في زمن ندرت فيه المكارم عندما أدار القدر ظهره لأبناء شعبي الطيبين الذين نعتوا من قبل العثمانيين وجلاوذتهم من جماعة الاتحاد والترقي ومن سار في ركبهم نعتوا بالكاوور أي الكفار... أما مكرمة آل هاشم فلقد جاءت لتقدم البرهان الساطع على حق هذه العائلة باستحواذ هذا الشرف العظيم وهو حق توارثته هذه العائلة الكريمة جيل بعد جيل، ولأن كل إناء بالذي فيه ينضح فلقد نضح بالطهر والإنسانية وبكل مكارم الأخلاق مكارم أخلاق الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين ومكارم الدين الحنيف حيث تجلت رحمة العالمين في أبهى صورها فكانت أحرف أم القرى الآتية:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده

 

الديوان الهاشمي

 

من الحسين بن علي ملك البلاد العربية وشريف مكة وأميرها إلى الأمراء الأجلاء الاماجد فيصل والأمير عبد العزيز الجربا السلام ورحمة الله وبركاته أما بعد.

 

صدرت الأحرف من أم القرى بتاريخ 18 رجب 1336 نحمد الله الذي لا إله إلا هو إليكم ثم نصلي ونسلم على نبيه وآله وصحبه وسلم. ونخبركم بأنا والثناء له تبارك وتعالى بصحة ضافية وافية أسبل الله علينا وإياكم سوابغ نعمه.

 

وإن المرغوب بتحريره المحافظة على كل من تخلف بأطرافكم وجهاتكم وبين عشائركم من الطائفة اليعقوبية الأرمنية تساعدوهم في كل أمورهم وتحافظون عليهم كما تحافظون على أنفسكم وأموالكم وأبنائكم وتسهلون كل ما يحتاجون إليه في ظعنهم وإقامتهم فإنهم أهل ذمة المسلمين والذي قال فيهم صلوات الله عليه وسلامه (من أخذ عليهم عقال بعير كنت خصمه يوم القيامة) وهذا من أهم ما نكلفكم به وننتظره من شيمكم وهممكم والله يتولانا وإياكم بتوفيقه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته                     

 

الحسين بن علي

 

وعمل العرب بوصية ملكهم ووصيته نفحات عطر أرسلها الله في البدء من لدن السماء في القرآن وهو شرع الله ونور العالمين المرسل بالوحي إلى عباد الله ومنهم الصالحين الذين عرفوا شرع الحق ففتحوا له قلوبهم قبل أعينهم... ومنهم الطالحين الباحثين عن تشريع من بنات أفكارهم السوداء وقلوبهم الباردة المظلمة وعيونهم المبصرة العمياء.

 

وألهمها الله لرسوله سيد المرسلين فقال صلوات الله عليه يقصد أهل ذمة المسلمين (من أخذ عليهم عقال بعير كنت خصمه يوم القيامة) وهذه مقولة حق ناجذه. وألهما الله للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخطّ العهدة العمرية.

 

وضاع الأرمن ما بين سطور التشريع المظلم الأسود فتحولوا من أهل ذمة شرفاء أوصى الله ورسوله بهم وآمنهم من كل شرٍ وبلاء وعهدهم الفاروق بعهدته والمسلمين، إلى كاوور أي كفار وسالت دماؤهم أنهارً في سابقة خطيرة تعتبر أول جريمة إبادة عرقية عنصرية وتصفية جنس بشري وتصفية أمة لها مجد وحضارة وقدم موغل في التاريخ... أمة مسالمة سكنت أرض خالية منذ خمسة آلاف عام ولم يسجل التاريخ أنها اعتدت على أحد أو بدأت الحرب على أحد... فتحت أعينها على ألسنة النار من الشرق في كل حروبها مع الفرس وعلى فظاعات وحراب وسيوف ومقاصل وكوارث الغرب في كل حروبها مع الروم وعلى حمامات الدم بل بحار الدم مع هجرات التتار والمغول من جنكيز خان و تيمور الأعرج... مروراً بالحروب الصليبية وقد حول الصليبيون أرض أرمينيا إلى قفر ونهبوا خيراتها وأرزاقها لخدمة المعركة واستعبدوا أهلها وسخروهم لزرع الغلال والثمار وحولوا أراضيهم إلى ثكنات ومعسكرات ومراكز تجمع  وأراضي مبيت ومزارع للجيوش، ووقود للحرائق بعد موجة الاحتلال الجديد للقادمين هذه المرة من الشرق وليس من الغرب الذين اصطدموا مع الصليبيين المنهزمين فأحرقوا كل ما وصلت إليه أيدهم انتقاما وقصاص... ولكنهم في الواقع لم ينتقموا ولم يقتصوا من الصليبيين ولا من أراضيهم ولا أملاكهم ولا من مدنهم ولا من قصورهم العامرة في أوروبا حيث اجتمعوا وحيث حشدوا وحيث قرروا أن يذيقوا شعوب المنطقة وخاصة المسيحيين منهم السم الزعاف.

 

وظلوا يجثمون على الصدور، أربعة قرون كالعفريت الذي ركب ظهر السندباد البحري وأعمل مخالب يديه في عنقه ومخالب قدميه في خاصرته...

 

واشتعلت حرب كونية كبرى وكانت الثورة العربية الكبرى تزمجر في مرجل الغضب وأرسل الحسين بن علي أبناؤه الأمراء لشحذ الهمم وتأليب الناس على الطغاة لاسترداد الخلافة الضائعة ووأد القيد الأبدي الذي وضعه العثمانيون في أيد العرب كقدرٍ حتمي ونهائي.

 

وتم إبادة الحامية العثمانية في مكة واندحرت فلولها لا تألوا على شيء واحتشد المنسحبون في عربات الخط الحديدي الحجازي ومقصدهم أي مكان غير الحجاز وتحررت الجزيرة العربية، وتم نسف سكك الحديد وإحراق العربات، وهدر المارد العربي من جنبات الأرض المقدسة...

 

وتم تحرير الشرق ويسجل التاريخ هذه المأثرة بأحرف من نور للهاشميين آل هاشم وللشريف حسين بن علي ولأبنائه الأشراف الاماجد.

 

فالعثمانيون تركوا الحجاز ومناطق معان وشرق الأردن والقدس وفلسطين والشام دمشق ولبنان وبيروت حتى مشارف كيليكيا، واندحر العثمانيون في كوت العمارة وانسحبوا باتجاه الموصل وتم تفجير القطارات التي كانت تحمل المدد والجنود الألمان وذخائرهم ومدافعهم وضباطهم في الشمال السوري وقبل وصولها إلى ارض المعركة فتحررت العراق وتوقفت طلائع الجيوش العربية وحلفائها الغربيين على سفوح سلسلة جبال الأناضول.

 

وسارع الأمراء الاماجد إلى تحرير من بقي على قيد الحياة في مستعمرات الإبادة التي تم جمع الأرمن فيها على طول مجرى الفرات بدءاً من دير الزور وانتهاءً بأواسط العراق والذين كانوا يتغذون على بقايا الذبائح أو بقايا من مات منهم وكانوا قلائل لأن الموت أخذ بناصيتهم بعد أن أصيبوا بالمرض والهزال والضياع وتحجرت مقلهم وجفت دموعهم وبرزت عظامهم وكتبت لهم الحياة من جديد فلقد أصبحوا الصبح وألفوا أنفسهم في يد الاماجد بعد هروب جلاديهم... وكانت رحلة أخرى لغرباء اليد واللسان... لا أرض ولا مال ولا دار ولا كرم عنب ولا شجرة زيتون ولا سنبلة قمح في حقل ولا مدرسة ولا كنيسة، وكالنبتة التي تشق الصخر لتجد مكاناً لجذورها استطاع الأرمن العودة إلى الحياة فلقد استطاعوا بالصدق والتضحية والإخلاص اكتساب محبة مضيفيهم الذين رضوا مقاسمة ضيوفهم رغيف الخبز والزاد.

 

وكانت قصص مروعة ومحاولات مستميتة لتضميد الجراح ولمّ الشمل والبحث عن الأحياء والبحث عن الأطفال الذين ضاعوا في غياهب الصحراء أو قضوا على جنبات الأنهار دون تمكينهم من بل شفاههم بالماء لا وهم على قيد الحياة ولا بعد مفارقتهم لها، وكان هناك من يقف حائلاً بين العطشى وبين ماء الله يطلب ليرة ذهب مقابل رشفة ماء.

 

وعاد الخير وعاد الأمن والأمان فلقد تولى الاماجد إحقاق الحق وتنفيذ شرع الله وهرب الطغاة يجرون أذيال الخيبة إلى دون رجعه.

 

وعاد بعض الأرمن إلى أرمينيا ليكتشفوا خيانة الغرب لهم وليفقدوا أي أمل بتحرير بلادهم على الرغم من انخراطهم بفرق الفدائيين التي كانت تعتصر الصخر من أجل لا شيء. وليعرفوا بأن لينين أيضاً قد أمر جيشه بالانسحاب فتم ترك أرمن شرق أرمينيا أمام قدرهم وقدرهم هو فوهات مدافع كمال اتاتورك... وتحولت هذه المدافع وفوهاتها إلى تعاويذ الحرية لأنها ألهمت البقية الباقية على قيد الحياة ألهمتها المقاومة حتى الموت، فتم إنقاذ جزء بسيط من أرمينيا الطبيعية وأختار أبناؤها بسبب عدم وجود أية حماية الاتحاد مع روسيا التي تحولت إلى لبنة الأساس المكونة للاتحاد السوفيتي وأثمر هذا التحالف عما بات يعرف بجمهورية أرمينيا السوفيتية.

 

ولأنه لا أحد يقدر على سحق الحياة و إرادة الحياة الموجودة حتى في الفطور والحشائش على صخور المغاور أو في قاع البحار أو تحت حجر مطمور في رمال الصحراء فهناك بعض الأرمن الذين بقوا في تركيا ونجوا من الإبادة بالصدفة المحضة وهي تواجدهم في اسطمبول العاصمة وفي الأحياء التي تحوي البعثات الدبلوماسية وبالتالي فإن قتلهم أو التعرض لهم سيؤدي إلى فضيحة أراد الاتحاديون تجنبها بشدة... فعاشوا إبادة أخرى مستمرة بدأت بتغيير أسمائهم وأسماء عائلاتهم وتغيير دينهم... وظلت مع ذلك تلاحقهم ألف لعنة ولعنة أقلها لعنة الكاوور أي الكفار فظل عددهم في تناقص مستمر وأختار بعضهم الهروب إلى الولايات المتحدة حيث لن يهتم لهم أحد هناك ولم يسألهم أحد عن أسمائهم وأصولهم وفصولهم ومعتقداتهم و لكل منهم حق الحياة بسلام وكرامة والعمل والضمان والتقاعد ...

 

هؤلاء إذاً بقوا في أرض الأجداد وتجرعوا كؤوس الذل والاهانة وصمدوا وصبروا وآمنوا بالعبارات والشعارات وجربوا إصدار آهة ألم مكبوتة منذ العام 1915 جربوا أن يقولوا أننا أصحاب الأرض وأننا أول شعب تعرض لجريمة إبادة الجنس في القرن العشرين جربوا أن يقولوا أننا الشعب الوحيد الأكثر تشتتاً وبالإكراه في كل دول العالم جربوا أن يقولوا بأننا الشعب الوحيد الذي لم تقم له قائمة حتى الآن بالرغم من مرور اثنان وتسعون سنة على تلك المجزرة المروعة التي أهدرت شيبنا وشبابنا نساؤنا وأطفالنا وأرضنا وعرضنا ولم يبقى منا إلاّ بعض الأطفال في الملاجئ ودور الأيتام، صرخ هرانت دينك في صحيفته آغوس يريد استعادة اليان ليزيّن بها اسم عائلته، صرخ صرخة الذبيح الذي لم تتح له إلاّ فرصة اجتراح آلامه... فكوفئ بثلاثة رصاصات أصابت الرأس في الوجه والفم والرقبة فصرعته عل الفور وتمدد على إسفلت الشارع الممتد من العمارة التي تقبع فيها صحيفته وحذائيه في مواجهة قاتليه الذين أرسلوا غرّ غير بالغ ولا راشد ليفعل فعلة لن يجازى عليها. وفمه على الأرض يلثم بشفتيه المدميتان تراب الوطن لثم المفارق بلا أدنى آمل في العودة وحاله كحال الملايين من أبناء شعبه المشتت والمشرد في أقطاب الدنيا وأمصارها.

 

الحقيقة هي شيء واحد... نريد الاعتراف بالمجازر وبحقيقة ما حدث لنا ونريد العودة ونريد جمع عظام ضحايانا ودفنها في طقس ومكان لائقين حيث نبتت ونمت ورضع أصحابها حليب الطهر والقداسة. نريد المشاركة في احتفال جنائزي عالمي ضخم لتستقر بعده أرواح شهداؤنا المتعبة وترقد نفوسهم التائهة بسلام، نفوسهم التائهة التي أهدرتها أيادي البطش والظلم والجهل والوحشية.

 

احتفالٌ قدسي ننهي فيه هذه القضية ونعيش بسلام في أرضنا، نريد اعمار كنائسنا التي هدمها ديناميت الكماليين وتحولت فيما بعد إلى إسطبلات فدور دعارة فمخازن ثم متاحف بعد أن تمجد فيها اسم الرب منذ العام 301 للميلاد.

 

ولم ينهي دينك حديثه حتى استقبل ثلاث رصاصات.

 

الأولى: أنهت الحضور الأرمني بل ما بقي منه في أرمينيا القديمة التي ألبست رداءً لا يخصها مزركش بالدماء سميَّ تركيا.

 

والثانية: أجهضت ولادة ما يسمى بتركيا الديمقراطية وخنقتها في رحم أمها وليس في المهد.

 

والثالثة: قضت على أحلام اليقظة وأصحابها المنادون بالتقارب ما بين الشعبين الأرمني والتركي... فصعدت روح دينك إلى باريها ومعها أدنى إمكانية للانضمام إلى أوروبا والعالم المتمدن... وخرجت جنازة أسطورية مذهلة تفوق بعشرات المرات أعداد كل الأرمن الذين بقوا في أرمينيا الجريحة...

 

(بتصرف)

 

Ara Souvalian

arasouvalian@gmail.com

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1955

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web