ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: كتب وطباعة
أثلام الأمس... الجرح الأرمني في الحرب اللبنانية

2008-02-23 23:49:47

وضعه الأب إنترانيك غرانيان وصدر عن دار المرادوضعه الأب إنترانيك غرانيان وصدر عن دار المراد

 

بيروت - قزحيا ساسين

 

من «أثلام الأمس» يطلع انترانيك غرانيان كاهنًا يعتمر سحابة بخور، يتأبَّط بأناقة أوراقًا حميمة مثقلة بالألم، عابقة بالإيمان، موشومة بالرجاء. الكاهن الأرمنيّ، لبنانيّ حتّى العظم، صار في وجدانه وجهان للمأساة الكبرى: أحدهما يختصر وجع الانسلاخ عن صدر الوطن الأوّل أرمينيا، والثاني يحكي جلجلة لبنان وطن الذين ينشدون أرضًا تتَّسع لصلاة حرّة لا يرتفع سور بينها وبين السماء.

 

يقول كاهن «الأثلام»: «منذ تاريخنا الدهريّ، ونحن في نزوح وترحال...» (ص15)، غير أنَّه يجد في لبنان ما يطفىء في الإنسان لهبا لقلق عميق، ويرى الحرب اللّبنانيّة يدًا توقظ الجمر الأرمنيّ المدثّر جريحًا برماده، ولذلك ينتظر مؤمنًا بنهايتها، وهو الشارب كأسها المرَّة مع أخيه اللّبنانيّ تحت سقف واحد وفي أكثر من قرية ومدينة. ويناشد كلّ أرمنيّ ترك لبنان هربًا من الموت المحمّل على ظهور الصواريخ والقذائف، ليعود إلى وطن لم يبخل عليه بخبز ودار معلنًا بوطنيَّة لبنانيّ أصيل: «...أريد أن أبقى وأفنى في لبنان هنا» (ص19). صحيح أنّ الأرمن لم يحملوا السلاح في الحرب اللّبنانيَّة، وللأب غرانيان وجهة نظر في الحياد الأرمنيّ تتلخَّص بعبثيّة هذه الحرب التي افتقرت إلى توحيد البندقيّة في يد الجيش اللّبنانيّ، لكنّه لم يستطع، آنذاك، النظر إلى السلاح الفلسطيني والسلاح السوري إلاّ نظرة عداء وما فات كلماته أن تحيّي الصمود اللّبنانيّ بخلفيَّة مقاوم لبنانيّ، وإن لم يكن ذا رشّاش على أحد المتاريس. والأب غرانيان راعٍ أمين لا يستقيل من هموم الخراف، لا سيَّما حين تطاردها الذئاب في وضح النهار، فها هو ميناس والد الشاب الأرمنيّ المخطوف يزور الأب الحاضر لكلّ نداء طمعًا بخلاص ابنه، غير أنّ «جبّة» الكاهن العابقة بشذا المسيح لم تكن ذات رصيد عند بعض الحزبيّين، وقد تردّد ميناس بضعة شهور على سجن ابنه حاملاً إليه المال والطعام مطمئنًّا من حارس السجن عنه. وابنه بعد يوم من سجنه لم يبقَ له أثر.

 

وللأب غرانيان مع الأشرفيّة أكثر من حكاية أليمة، وقد حاول دخولها والسلاح السوري مصوَّب إلى صدره، وهو يضمّ إلى ذاكرة عينيه الحزينتين مشاهد شباب أبطال وأبرياء يلتحفون دماءهم تحت سماء ثقيلة. وسُئِل: «ماذا يفعل شربل قسّيسكم؟» (ص49)، إشارة من السائل السوري إلى أنّ رجال الدين المسيحيّين ليسوا خارج المعركة. وربّما كانت المرّة الأولى التي يعجز فيها الراعي الأمين عن الوصول إلى رعيّته المنكوبة.

 

خميرة الشعر

 

ويتألّم غرانيان اللّبنانيّ لدى رؤيته الجيش اللّبناني يحمل سلاحه زينة مقابل الفلسطينيّين الذين يختارون أهداف رصاصهم بحرّيَّة مطلقة بينما هو ليس معه إذن بإطلاق رصاصة واحدة ولو دفاعًا عن النفس. وأمام يد بارتوغ النحّات العظيم التي عطّلتها قذيفة وأقعدت امرأته، وهو الناجي من مجازر أرمينيا، يسيل من قلم الأب غرانيان كلامًا معجونًا بخميرة الشعر يلخّص ألم بارتوغ «إنّه يتأمَّل يديه كأنّما تحوّلتا إلى ولد تيتّم فجأة» (ص58).

 

منطق القادة

 

ويعود أنترانيك ليفتح ملفّ الحرب اللّبنانيّة وموقف الأرمن منها، ويبدو له أنّ الأرمن لم يشفوا بعد من جروح عميقة قديمة، وفي كلّ الأحوال هم يجهلون ما يدور في خلد قادة الحرب اللّبنانيّين، فكيف يشمّرون إلى حرب بلا دليل وبلا رصاص؟! إضافة إلى أنّ تقلّب السياسة اللّبنانيّة ليس عنصرًا مشجّعًا. ويرافع الأب غرانيان عن أمّته بمنطق من لا يجد في الحرب سبيلاً إلى سلام الوطن، فيبرّئ الأرمن من أخطاء ارتكبها اللّبنانيّون على مستوى قياداتهم وممثّليهم الذين في السلطة، مثل دعوتهم الفلسطينيّين إلى لبنان، وتوقيعهم اتفاق القاهرة الذي يشرِّع لبنان ساحة حرب مفتوحة.

 

ولا ينسى الأب غرانيان أن يلقي التحيّة على الشهداء الأرمنيّين الخمسة الذين تفحَّموا أبطالاً في حرم السفارة التركيَّة بهدف لفت أنظار العالم الجاحد إلى عدالة قضيّتهم. وفي كلّ كلمة من كلام الأب الثائر نبض عنفوان لا يلين «انتشرنا في جميع أصقاع الأرض، لكنّا لم نتبعثر» (ص.82). وما يزيد الأب غرانيان ألمًا اعتداءات مجّانيّة من لبنانيّين على بعض من الأرمن وشبابهم فكأنّ الصفة الأرمنيّة تهمة تحرّض بعض اللّبنانيّين على الاستعلاء والأذى، وكأنّ المطلوب من الأرمن ليكونوا لبنانيّين كما يجب أن يحملوا البندقيَّة ويوجّهوها كلّ يوم في اتجاه. وما جرى في دير سيّدة بزمّار أثناء الحرب خير دليل على تهوّر بعض الحزبيّين الذين أساءوا إلى دار أوت لهم أهلاً في ما مضى وجادت عليهم بحرام الصوف من الرغيف. لكنّ الأمر يقف عند هذا الحدّ وبزيارة الشيخ بيار الجميّل لدير بزمّار تزول غيمة الصيف وكلام الكبار يمحو زلاّت الصغار. ويعرف الأب غرانيان اختيار مسك الختام بعد كلّ بوح جارح على صراحة، فرغم الجرح الأرمنيّ المصنوع بيد لبنانيّة ينتهي الكلام عسلاً: «سنعيش مع هذا الشعب الأبيّ الجميل، وعلى هذه الأرض الخيّرة، بالحبّ وحده» (ص112).

 

وطن نهائي

 

بالنسبة إلى لبنان، يختاره الأب غرانيان وطنًا نهائيًّا له ولقومه الذين شاءوا أن تختصر حضارتهم بالديانة المسيحيّة والإيمان الصلب. وذلك بعيدًا من تغليب طرف لبناني على آخر، وبعيدًا من الرصاص الذي لا يصنع سلامًا: «نحن في حاجة لنشر مبادىء حديثة للبنان الجديد» (ص182). ورغم أنّ الأرمن أهل سلام، ولا يأخذون بالسيف كي لا يؤخذوا به، فإنّ مشروع إعادة الحقّ الأرمنيّ إلى أصحابه وارد كلّ لحظة: «الهجوم... يحتاج إلى تخطيط يحقّق لنا الحلم أوَّلاً ثمّ الانتصار» (ص176).

 

وجدير بالذكر أنّ قارئ «أثلام الأمس» يلحظ لغة عربيَّة توهمه بأنّ الكتاب عربيّ النسب أصلاً، لما فيها من سهولة وانسياب، فهي طيِّعة في يد جولي مراد تسعفها في التقاط روح اللّغة الأرمنيَّة التي عنها نُقل الكتاب. ولافت جدًّا أن المترجمة مراد وُفِّقَت في اختيار عنوان الكتاب «أثلام الأمس» بعدما كان في الإصدار الأرمنيّ «أيّام بلا أمان».

 

و«أثلام الأمس» تعبير من قصيدة للشاعر دانيال فاروجان أُثبتت في الكتاب، ويتلاءم مع طقس الأب غرانيان الشعريّ، لتنكشف هذه الأثلام بعد قراءة الكتاب أنّها ليست سوى جروح تمتدّ إلى ما لا نهاية في تربة الروح.

 

وإذا كان مضمون «أثلام الأمس» على قدر عالٍ من صدق التجربة الإنسانيّة التي لا ترمي إلاّ إلى الحقيقة في سبيل خدمة الإنسان، لا سيّما اللّبناني، فإنّ الترجمة أتت أمينة للنصّ الأصلي، واستودعته مفردات اللّغة العربيّة ليرتاح فيها متألِّقًا، غير شاعر بخسارة الكلام منقولاً من مياه لغة إلى مياه أخرى.

 

المصدر: "الجريدة"، الكويت، 17 فبراير 2008

http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=46864

 

الخبر كما هو منشور في "الجريدة" (صيغة PDF) بالإضافة إلى القصة القصيرة "تذوق"

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1592

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web