ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. منوعات
 

الأقسام:

 :: الواقع العربي
الدولة المدنية القائمة على المواطنة حل وحيد

2008-05-01 19:14:03

ذكرى الشهداء الأرمن وقضية مسيحيي الشرق

 

بقام سليمان يوسف

)القامشلي – سوريا(

 

في هذا الايام من شهر نيسان يحيي المسيحيون المشرقيون، وبشكل خاص الارمن والآشوريون "السريان" ذكرى مذابح ابادة المسيحيين في تركيا العثمانية ابان الحرب العالمية الاولى، حيث اعلنت السلطنة العثمانية في 24 نيسان 1915 "الجهاد الاسلامي" على جميع الشعوب المسيحية الواقعة تحت حكمها للتخلص منها انتقاما من الاوروبيين الذين قوضوا اركان الامبراطورية العثمانية في الحرب. كما شكل الدور البارز والريادي للمفكرين المسيحيين في انطلاق حركات التحرر الوطني والقومي، في بلاد الشام ومصر والمطالبة بالانفصال عن الامبراطورية العثمانية، سببا اضافيا لقتل اكثر من مليون ونصف مليون ارمني ونحو نصف مليون آشوري "سرياني كلداني" وعشرات الآلاف من الروم اليونانيين وتهجير من تبقى منهم حيا الى الصحارى والبراري ليموتوا من الجوع والمرض. لهذا يكاد ينعدم الحضور المسيحي اليوم في مناطق واسعة من بلاد ما بين النهرين وسوريا وارمينيا ضمت الى تركيا. لم يفد الدولة التركية الحديثة، التي انشأها كمال اتاتورك بعد سقوط عرش السلطنة العثمانية، تنكرها على مدى العقود الماضية لـ"الهولوكوست المسيحي" وسعيها لشطبه من سجلات التاريخ. فهي اضطرت مؤخرا، تحت ضغط المجتمع الدولي الذي تحرك استجابة لدعوات وتحركات الجالية الارمنية والآشورية السريانية في اميركا واوروبا من جهة اولى، ولاعتبارات ومصالح سياسية معينة من جهة ثانية، اضطرت تركيا الراغبة في دخول الاتحاد الاوروبي الى فتح ملف المذابح والبحث فيه وان بشيء من المناورة بحثا عن تبريرات ومسوغات لها، من غير ان تعترف بالمذابح او تقر بمسؤوليتها عنها حتى الآن. وقد شكل اقرار العديد من الاكاديميين والباحثين الاتراك بمذابح المسيحيين ومطالبتهم حكومة بلادهم للاعتراف بها تطورا مهما في هذه القضية، منهم المؤرخ "خليل بركتاي" الذي وصف احداث 1915 بـ"التطهير العرقي".

 

تأتي ذكرى المذابح هذا العام واوجاع المسيحيين المشرقيين تكبر واوضاعهم تزداد سوءا، حيث اضحوا، بسبب ديانتهم مستهدفين وبشكل منظم من مجموعات ارهابية ومنظمات اسلامية متطرفة تكفيرية، محلية واقليمية ودولية، مثل تنظيم القاعدة، في اكثر من دولة في المنطقة، العراق ومصر ولبنان نموذجا. يشار هنا الى ان بعد احداث ايلول 2001، تنبأت الكاتبة الفرنسية آني لورنت: "بان المسيحيين في العالم الاسلامي سيكونون شهداء العقيدة المسيحية التي يؤمنون بها وضحايا العدوان الاسلاموي المتطرف عليهم". وقد اعتبر الكثير من المراقبين بيان "المطارنة الموارنة" اللبنانيين لشهر تموز 2007 الذي اشار الى خطر "اسلمة لبنان" بمثابة ناقوس خطر ليس بالنسبة الى مسيحيي لبنان فحسب، وانما على مسيحيي الشرق عامة. ومع اضطراب وتدهور الاوضاع الامنية في منطقة الشرق الاوسط برزت من جديد قضية المسيحيين المشرقيين. اذ يكاد لا يمر يوم من دون ان نقرأ مقالا او تقريرا او خبرا في الصحافة او نشاهد برنامجا تلفزيونيا يتناول الاوضاع المأسوية لمسيحيي الشرق. فضلا عن عقد العديد من المؤتمرات والندوات في اكثر من مدينة وعاصمة اوروبية وغربية.

 

هذا وقد عبر بابا الفاتيكان بينيديكتوس السادس عشر في اكثر من مناسبة عن قلقه العميق على مصير مسيحيي الشرق. كما كانت مأساة المسيحيين العراقيين والاقليات الدينية الاخرى في العراق ومنطقة الشرق الاوسط من المواضيع والقضايا البارزة التي ناقشها البابا مع الرئيس جورج بوش في اول زيارة له الى الولايات المتحدة الاميركية في نيسان الحالي".

 

صحيح ان العمليات الارهابية تطال جميع مكونات العراق، لكن صحيح ايضا ان المسيحيين، ومعظمهمم من الكلدوآشوريين اقدم شعوب العراق، مستهدفون من جميع الاطراف المتصارعة في العراق، بين الشيعة والسنة او بين العرب والاكراد، على تقاسم الكعكة العراقية. وقد طالت عمليات الخطف والقتل العديد من رجال الدين ابرزهم رئيس اساقفة الكنيسة الكلدانية في الموصل المطران بولس فرج رحو. لهذا فالمسيحيون العراقيون دخلوا في مرحلة الخطر الوجودي او الكياني اذا ما استمر الوضع العراقي على ما هو عليه، لسنوات اخرى. على الرغم من هذا الوضع المأسوي لم يسجل حتى الآن اي رد فعل عربي واسلامي، رسمي وشعبي، على التعديات التي ترتكب بحق مسيحيي العراق، باستثناء بعض الاقلام الجريئة. هذا الموقف العربي والاسلامي المخزي من قضية مسيحيي الشرق ليس بغريب وبجديد. فالى تاريخه لم تعترف اية دولة عربية او اسلامية بمذابح المسيحيين لعام 1915 في تركيا العثمانية، باستثناء لبنان لاختلافه عنها بنظامه السياسي، ولثقل الارمن فيه. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما الجدوى من الحوار الاسلامي المسيحي المشرقي، بينما الوجود المسيحي في الشرق بدأ يتلاشى ويندثر؟ وهنا يجب التأكيد على ان الكثير من النخب المسيحية المشرقية – وانا واحد منهم – تشكك بنوايا واهداف الغرب من اثارته لقضية المسيحيين. فالدول في النهاية تقف عند حدود مصالحها ولو على حساب الشعوب الاخرى المستضعفة. والغرب، كما هو معلوم، منذ عقود هو راع لانظمة الاستبداد والقمع في المنطقة. ثم ان تعاطف الغرب مع المسيحيين المشرقيين ما زال يقتصر على الجوانب الانسانية والمطالبة بتسهيل هجرة المسيحيين الى اوربا واميركا طمعاً بما توفره لهم من ايدي عاملة جاهزة ورخيصة. اذ لم تقدم الدول الغربية خططاً عملية وبرامج سياسية واقتصادية وثقافية، مستقبلية لمعالجة محنة المسيحيين وتعزيز وجودهم واستقرارهم في المشق. كما لم يمارس حتى الآن اية ضغوطات جدية على حكومات الدولة التي يتعرض فيها المسيحيون الى اعتداءات متكررة مثل العراق ومصر. والمسيحيون المشرقيون هم اكثر من عانى في الماضي جراء السياسات الغربية في المنطقة. ففي الوقت الذي ساندت الجيوش الغربية الشعوب العربية في الخلاص من الاستعمار العثماني، بعد حكم دام لاكثر من اربعة قرون، لم يحصد المسيحيون المشرقيون، على اختلاف انتماءاتهم القومية والاثنية، سوى مزيد من الاضطهادات والمذابح والويلات. واليوم، لا اعتقد احداً ينفي المسؤولية الاخلاقية والقانونية للولايات المتحدة الاميركية المحتلة للعراق تجاه محنة شعب العراق والمسيحيين منهم بشكل خاص. في ضوء هذه الحقائق التاريخة والوقائع السياسية، تفضل معظم المرجعيات والنخب المسيحية المشرقية مناقشة محنة المسيحيين بشفافية وموضوعية مع حكومات بلدانها وتحت سقف الوطن وان تعالج في اطار وطني ديموقراطي لقطع الطريق على قوى الخارج الراغبة في توظيف واستغلال قضية المسيحيين المشرقيين وباقي الاقليات الدينية والقومية لمصالحها وللتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.

 

اخيراً: ان قضية "مسيحيي المشرق" ترتبط بشكل اساسي بالايديولوجيات "اللامساواة الدينية"، فضلاً عن "اللامساواة القومية والسياسية" السائدة في المجتمعات العربية والاسلامية. لهذا فحل محنة مسيحيي الشرق وبقائهم في اوطانهم، يبقى رهناً بتحرر دول ومجتمعات المنطقة من هذه الايديولوجيات الضارة، اولاً. وتخلي انظمة الحكم عن سياسات التمييز الديني والقومي والسياسي بين شعوبها، ثانياً. وانجاز مشروع الدولة المدنية الحديثة القائمة على مبدأ العدل والمساواة وحقوق المواطنة الكاملة وفصل الدولة "السياسية" عن الدين، ثالثاً.

 

المصدر: "النهار"، بيروت، 27 نيسان / أبريل 2008

http://www.annahar.com

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1479

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web